أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة














المزيد.....

المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل نحن من يخترع النظام؟
لا يزال سؤال "ما المادة؟" يمثل حجر الزاوية في الصراع الفكري بين المادية والمثالية. ومنذ أن قدم "فلاديمير لينين" تعريفه الشهير للمادة كـ "واقع موضوعي موجود خارج الوعي"، دخلت الفلسفة في مواجهة مفتوحة مع العلم الذي لا يكف عن تفتيت هذا الواقع وتحويله إلى احتمالات وشفرات.
لقد حاول لينين في كتابه "المادية والمذهب النقدي التجريبي" إنقاذ المادية من الانهيار أمام اكتشافات الفيزياء في مطلع القرن العشرين. عرّف المادة بأنها كل ما له وجود موضوعي يُدرَك بالحواس ويوجد بشكل مستقل عنها. وبموجب هذا التعريف، يصبح "الظل" مادة لأنه واقع فيزيائي مرصود، بينما يخرج "الحلم" من دائرة المادة لكونه انعكاساً ذاتياً داخل الدماغ.
لكن، ألا يبدو هذا التعريف "مطاطاً" أكثر من اللازم؟ إن جعل المادة مرادفة لـ "الحقيقة الموضوعية" يحولها من مصطلح علمي دقيق إلى "مظلة لغوية" تهرب من تحديد ماهية الشيء لتكتفي بنفي تبعيته للوعي. إنه تعريف بالسلْب، يجعل المادة رهينة لتعريفنا للوعي، وهو لغز لم يحله العلم بعد.
مع صعود ميكانيكا الكم ونظرية الحقول، لم تعد المادة تلك "الكرات الصلبة" التي صوّرها ديموقريطس أو نيوتن. لقد أخبرنا آينشتاين أن المادة طاقة مركزة E=mc^2، وأخبرتنا نظرية الحقل الكمي أن الأجسام ليست سوى اضطرابات في حقول غير مرئية.
هنا برزت إشكالية "المعلومات"؛ حيث ذهب البعض للقول بأن الكون في جوهره هو "معلومات" (Information). ولكن، هل المعلومة كيان مادي؟ الحقيقة أن المعلومة تظل دائماً بحاجة إلى "حامل مادي" (كحبات الرمل في الساعة، أو السيالات العصبية في الدماغ). فالمعلومة هي "الخريطة"، بينما المادة هي "الإقليم"؛ والخلط بينهما هو خلط بين الأداة والموضوع.
تكمن الإشكالية الكبرى في "قوانين الطبيعة". هل الجاذبية والنسبية موجودتان "داخل" المادة، أم أنهما مجرد أدوات تنظيمية اخترعها العقل البشري؟
إن الأرجح أننا نحن من اخترعنا هذه القوانين لتنظيم "فوضى المادة" في عقولنا. العقل البشري ليس مرآة صماء تعكس الواقع، بل هو "مُعالج" يفرض نظامه الخاص (السببية، الزمان، المكان) على مادة خام لا شكل لها. القوانين الفيزيائية هي اللغة التي نترجم بها سلوك المادة لنتمكن من التنبؤ به والسيطرة عليه، وليست نصوصاً مقدسة مكتوبة في قلب الذرة.
إن المادة، في ضوء هذا النقاش، ليست مجرد "كتلة" أو "واقع موضوعي" بالمعنى اللينيني الجامد، بل هي "الجوهر الفاعل" الذي يمتلك طاقة وقدرة على التحول. أما المعلومات والقوانين فهي الأطر الذهنية التي يصيغها وعينا لاكتشاف نظام هذا الجوهر.
نحن نعيش في مواجهة مستمرة بين "فوضى الوجود" و"نظام العقل". قد لا نعرف أبداً "المادة كما هي في ذاتها" دون فلاتر عقولنا ولغتنا، لكننا في محاولتنا لتعريفها، نعرّف في الحقيقة حدود وعينا وقوة خيالنا العلمي.

لم يكن لينين في كتابه "المادية والمذهب النقدي التجريبي" (1909) يمارس البحث العلمي المجرد، بل كان يخوض معركة لحماية "وحدة الحزب" وفلسفته. في تلك الفترة، أدى اكتشاف الإلكترون وتلاشي مفهوم "الذرة الصلبة" إلى صدمة فكرية دفعت بعض الماركسيين (مثل بوغدانوف وبازاروف) نحو "المثالية" أو ما سمي بـ "النقد التجريبي".
تبريرات لينين السياسية والايديولوجية:
اعتبر لينين أن القول بـ "اختفاء المادة" سيؤدي حتماً إلى العودة للاهوت والميتافيزيقا، مما يضعف العقيدة الثورية التي تقوم على حتمية التغيير المادي.
احتاج المشروع الثوري إلى "أرض صلبة". فإذا كان الواقع مجرد أحاسيس أو بناءات ذهنية (كما ادعى إرنست ماخ)، فإن "الصراع الطبقي" يصبح مجرد فكرة، والثورة تصبح اختياراً ذاتياً لا حتمية تاريخية.
بذكاء سياسي، نقل لينين التعريف من الحقل الفيزيائي (الذي يتغير بتغير الاكتشافات) إلى الحقل الفلسفي (الذي يظل ثابتاً). وبذلك، حمى الماركسية من "التقادم"؛ فمهما اكتشف العلماء، ستظل "المادة" موجودة طالما أنها "خارج وعينا".
المعضلة الإبستمولوجية.. هل التعريف "مطاط"؟
عرّف لينين المادة بكونها "الواقع الموضوعي المعطى لنا في إحساساتنا". هذا التعريف يطرح إشكاليات نقدية؛ فهو يُعرّف المادة بـ "سلْبها" من الوعي. وهنا تبرز تساؤلات حول ظواهر مثل "الظل" و"المعلومة" و"الحقول الكهرومغناطيسية".
بينما صنف لينين "الظل" كواقع موضوعي (مادة)، و"الحلم" كانعكاس ذاتي (وعي)، نجد أن الفيزياء الحديثة تميل إلى اعتبار "المعلومة" و"الطاقة" هي المكونات الأساسية. وهنا يظهر النقد: هل تحول مصطلح المادة عند لينين إلى "مظلة لغوية" تشمل كل شيء حتى تفقد معناها التمييزي؟
من "المرآة" إلى "المعالج".. دور العقل في تنظيم الفوضى
تطرح الرؤية النقدية الحديثة بديلاً للينين؛ فبدلاً من اعتبار العقل "مرآة" تعكس المادة، يُنظر إليه كـ "مُعالج" يفرض نظامه على فوضى الخام المادي.
إن قوانين الفيزياء ليست "مودعة" في الأشياء، بل هي لغة رياضية اخترعها العقل البشري لتنظيم تدفق المادة وضمان فهم السلوك الطبيعي.
المادة في ذاتها قد تكون "فوضى كمية" غير منظمة، والوعي هو من يمنحها "الحدود" و"الأسماء" و"القوانين" لغرض التكيف والبقاء.
ولكن في أي حال سيظل تعريف لينين للمادة "إنجازاً تكتيكياً" حافظ على تماسك الفكر المادي في أحلك أزماته العلمية، لكنه يظل تعريفاً "إبستمولوجياً" يفتقر إلى الماهية الفيزيائية. إن المواجهة الحقيقية اليوم ليست في إثبات وجود المادة من عدمه، بل في فهم كيف يشكل وعينا قوانين هذه المادة، وهل نحن نكتشف نظاماً موجوداً بالفعل، أم أننا "المعماريون" الذين يبنون نظاماً فوق فوضى كونية لا تبالي؟



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول
- خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
- تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
- تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
- وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً
- سرّ بقاء نظام ولاية الفقيه
- عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
- روح العالم على حصان والكاوبوي راكبا صاروخ
- جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز
- حين تروض -الأسواق- ما عجزت عنه -الصناديق-
- ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة