أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط















المزيد.....

ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 00:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(تصور لمستقبل إيران في مرحلة ما بعد الحرب)
لا يمكن تحقيق استقرار إيران عبر الاعتماد فقط على "قوة المركز"، بل يتطلب الأمر بناء "عدالة الشراكة" بين مكونات المجتمع. ينبغي أن يقوم "اليوم الجديد" بعد سقوط الأيديولوجيا القديمة على أسس واضحة وتوافقية، تتجلى في النقاط التالية:

إن استدامة أي نظام جديد تتوقف على قدرته على التحول من "حكم المكون الواحد" إلى "دولة تقوم على الكفاءة الوطنية". يجب أن يكون "الحق في المواطنة" مكفولاً لجميع الأفراد، بحيث يتمكّن الكردي، والبلوشي، والعربي، والأذري من الوصول إلى المناصب السيادية، سواء كانت مدنية أو عسكرية، دون أي تمييز أو عوائق. فالمواطنة الحقيقية هي "صمام الأمان"، الذي يضمن وحدة الأرض واستقرار الولاءات.

لا بد أن يدرك صانع القرار السياسي في المركز أن قوة إيران تكمن أساساً في تنوعها العرقي والثقافي. الاعتراف من قبل "الفارسي" بشقيقه "الكردي" كونه جزءاً أصيلاً من الإرث الوطني الإيراني ليس مجرد بادرة مجاملة أو كلمات تُقال للتاريخ، بل هو خطوة استراتيجية تنهي سنوات طويلة من الهواجس المرتبطة بـ"فوبيا الانفصال". إن تمكين جميع المكونات من الشعور بأنهم أصحاب الأرض وليسوا غرباء أو مستضعفين فيها، سيعزز الوحدة الوطنية ويُفشل أي محاولات خارجية لتفكيك النسيج الاجتماعي للدولة.

في ظل هذه الحقائق، فإن أي استقرار ظاهري قد يفرضه جنرالات النظام عبر واجهات مدنية وبدعم من القوى الاقتصادية الكبرى سيبقى مجرد "سلام مؤقت"، غير قادر على الصمود ما لم تقم الدولة بإصلاحات شاملة على كافة المستويات. الرفاهية الاقتصادية والانفتاح الاجتماعي لا يمكن أن تكون بديلاً عن "الكرامة السياسية" والعدالة الاجتماعية. رغم محاولات تزييف الوعي الجماهيري عبر مختلف أساليب الدعاية، سيظل هذا الوعي بمثابة الحارس الأخير الذي يقف أمام أي محاولات لانتقاص السيادة الوطنية أو التضحية بالمصالح العامة لتحقيق مكاسب فردية.
إن الحقوق المتصلة باللغة الأم والتعليم بها، والاحتفاء بالهوية الثقافية لكل مكونات المجتمع، ينبغي أن تُفهم باعتبارها عناصر تدعم قوة الدولة وتعزز تماسكها، بدلاً من أن تُعتبر تهديداً لوحدتها أو استقرارها. فهذه الحقوق ليست مجرد امتيازات تكتيكية تُمنح كسبيل للمناورة السياسية، لتُسحب لاحقاً مع تعاظم قوة النظام المركزي، بل هي أساسيات طبيعية ومتأصلة تهدف إلى ترسيخ العلاقة بين جميع المواطنين والأطراف المختلفة وبين المركز، وفق عقد اجتماعي مستدام ومترابط لا يزول.

إن الصورة التي نحلم بها لإيران المستقبلية لا يمكن أن تُبنى على أساس القوة والصراعات المسلحة وحدها مثل "مطرقة" الحرب التي تنهال بلا هوادة، بل تحتاج في المقابل إلى "سندان" المواطنة الحقيقية التي تضمن المساواة، وتوثق صلة الأفراد بوطنهم من خلال قيم الشراكة والعدالة. إنها إيران التي يتحدث فيها كل مواطن لغة "الأخوة" والاحترام المتبادل، حيث تصل الجهود المختلفة من كل فرد إلى قمة الانسجام تحت راية العلم الواحد. في هذا الوطن المنشود، لا وجود للحواجز المصطنعة بين "المركز" و"الأطراف"، بل وحدة شاملة تجمع الجميع في إطار المصلحة الوطنية المشتركة التي لا تستثني أحداً من الاحتفاء والانتماء.

وفي ظل الانشغال المتواصل الذي تشهده الساحات الإعلامية ومنصات التحليل السياسي بمضامين درامية تصوّر نهاية النظام الإيراني وكأنها مشهد مكرر لـ"سقوط برلين"، كما يقترح بعض اللبراليين في أطروحاتهم، يغيب عن الأنظار جانب آخر من الحقيقة أقل استحضاراً ولكنه لا يقل أهمية. فالتصورات التي تنحاز لرؤية الأحداث كمباراة ثنائية يكسب فيها طرف واحد انتصاراً ساحقاً فيما يلقى الطرف الآخر هزيمة مطلقة، تغفل عن عمق الواقع الجيوسياسي وتعقيداته. ففي صراعات كتلك التي تشهدها المنطقة، ومهما كانت الأطراف المتصارعة، فإن الخسائر عادة ما تكون متعددة الأشكال وتلحق بالجميع، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو حتى في بنية النظام والهياكل القائمة.



تفكيك وهم "الانتصار الصفرِي"

إن تشبيه النظام الإيراني بألمانيا النازية في أيامها الأخيرة يعكس نوعًا من "القياس الخاطئ" الذي قد يفتقر إلى العمق في التحليل. فالنهاية المتوقعة للنظام الإيراني، وفق الاستنتاجات المستندة إلى قراءة معمّقة، لن تقتصر على هزيمة عسكرية. بل يُرجّح أن تكون نهاية تشمل انكساراً للهيكل الأيديولوجي لصالح تعزيز فكرة "الدولة الوطنية". ستتجلى هذه النهاية في تقليص سلطات المرشد، وإجبار النظام على الانفتاح تجاه القوميات المهمشة مثل الأكراد، والأحواز، والبلوش، بالإضافة إلى إلغاء قيود تشريعية خانقة كانت سبباً في عزلة إيران عن محيطها الإقليمي والدولي.

في المقابل، فإن الأطراف الأخرى، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، لن تحقق "نصراً مجانياً". فالخسائر الاقتصادية المرتفعة، وتدمير البنى التحتية، وتهديد استقرار أمن الطاقة، قد تدفع القوى الدولية إلى الانسحاب التدريجي من المنطقة، ما قد يؤدي إلى نشوء فراغ لا يمكن ملؤه إلا بالعقلانيّة السياسية والبراغماتية في إدارة شؤون المنطقة.

إيران الجديدة: من الثورة إلى الفيدرالية

التحول العميق في إيران لن يتوقف على تبديل الشخصيات أو القيادات، بل سوف يمتد إلى إعادة تشكيل العقد الاجتماعي بشكل جذري. الانفتاح على القوميات، على الرغم من التحديات والمخاوف المرتبطة باحتمال "البلقنة"، يبقى الخيار الوحيد لضمان استمرارية الدولة الإيرانية. هذا التحول يمكن أن يساعد في تحويل القوميات من كونها "قنابل موقوتة" تهدد استقرار البلاد إلى "جسور ثقافية واقتصادية" تعزز علاقاتها مع الجوار الإقليمي، وخاصة في منطقة الخليج، سواء تم الإشارة إليه بالفارسي أو العربي.


ميلاد "العملاق الاقتصادي" المشترك

إن الواقع السياسي والاقتصادي المضطرب في المنطقة يفرض تحولات ملحة وجذرية، حيث أضحى من الضروري مواجهة تحديات العصر والتغلب على العقبات من خلال تبني رؤية تعاونية جديدة. "الهزيمة المزدوجة"، التي تلحق الضرر بالجميع دون تمييز، ستدفع الفرقاء حتماً إلى الجلوس معاً على طاولة الحوار لتلبية المصالح المشتركة بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الشعارات الرنانة التي لم تحقق على مدى عقود سوى تعميق الأزمات.

إن بناء مستقبل مستدام للمنطقة يتطلب صياغة "ميثاق استقرار" شامل يتجاوز الحدود التقليدية والاعتبارات قصيرة الأمد. هذا الميثاق يجب أن يرتكز على عدة أسس، أولها تحقيق الأمن الذاتي بدلاً من الاعتماد المفرط على القواعد العسكرية الأجنبية. وبالتالي، يُقترح أن تُؤمَّن الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب عبر تعاون إقليمي مشترك، بحيث تكون دول المنطقة هي المسؤولة عن حمايتها وضمان سلامتها.

علاوةً على ذلك، يجب تعزيز التكامل الطاقوي بين الدول الإقليمية عبر ربط موارد الطاقة مثل حقول الغاز وشبكات الكهرباء في منظومة موحدة. هذه الخطوة لن تساهم فقط في تحقيق فوائد اقتصادية للجميع، بل ستُثبت أيضاً أهمية تكامل استقرار العواصم الكبرى في المنطقة، بحيث يصبح استقرار طهران جزءاً لا يتجزأ من استقرار الرياض والدوحة وعموم دول المنطقة.

وإلى جانب ذلك، هناك حاجة ماسة لتبني مفهوم "الدولة الوطنية" بصورتها الحقيقية من خلال توحيد السلطة داخل حدود كل دولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات السيادية فقط. فالحد من نفوذ الأذرع المسلحة وإنهاء فكرة الحروب بالوكالة يمثلان ركائز أساسية لضمان السلام والتنمية المتوازنة بين شعوب المنطقة.

في نهاية المطاف، فإن هذا "الميثاق" ليس مجرد حلم طوباوي، بل هو ضرورة واقعية لخلق مستقبل تتكامل فيه المصالح وتدعم فيه القوى بعضها البعض، بدلاً من استمرار الصراعات التي أنهكت الجميع وأعاقت تقدمهم لعقود طويلة.


بين ضغوط القوى العظمى ومتطلبات السيادة الإقليمية، يقف المشهد الإقليمي على مفترق طرق معقد. فالصين قد ترى في استقرار المنطقة فرصة ذهبية للمضي قدمًا بمبادرة "الحزام والطريق"، بينما تزداد مخاوف الولايات المتحدة من تآكل مبررات وجودها العسكري، وتتحسب روسيا من دخول الغاز الإيراني كمتغير جديد يمكن أن يهدد نفوذها في سوق الطاقة.

في ختام هذه الأزمة، لن يكون الحل بتسجيل انتصار لطرف على حساب الآخر، بل سيأتي من الاعتراف الجماعي بأن استمرار الصراع يكلف الجميع أكثر مما يحتملون، ويضع وجودهم نفسه على المحك. قد تكون النتيجة ما يشبه "الهزيمة للجميع"، لكنها تحمل في طياتها بذور أمل للمنطقة إذا أُحسِن استثمارها. فحين تتحول صدمة الحرب إلى نقطة انطلاق نحو شرق أوسط جديد، يصبح الاستثمار عنوان المرحلة بدلًا من الاستنزاف، وتعلو السيادة فوق التبعية.

2026-03-12
مالمو



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قُدّاسُ الملحِ.. وهذيَانُ الجسدِ العاري
- أسطورة -العدو الأزلي-
- مسرحية: زجاج الحقيقة
- استقرار إيران ضرورة استراتيجية للشرق الأوسط
- اشتراكية الإنسان.. لا -رأسمالية الدولة- البيروقراطية
- وهم القطيعة مع الواقع
- بعد أفول الإسلام السياسي- 2
- بعد أفول الإسلام السياسي- 1
- طيف القنب.. وابتسامة الزمان
- حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي ...
- برزخ الكينونة
- ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
- من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
- أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات ...
- إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو ...
- خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
- سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
- إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
- من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
- بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟


المزيد.....




- شاهد.. كيف حوّلت إيران مضيق هرمز إلى ساحة حرب؟
- -لم يكن نتيجة نيران معادية أو صديقة-.. الجيش الأمريكي يعلن ع ...
- بنعبد الله يعزي الرفيقة غزلان الخلوي في وفاة شقيقها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. ليغو وسبونج بوب في م ...
- الجيش الأمريكي يعلن سقوط إحدى طائراته غربي العراق
- حارسا -التراب- و-الثورة-.. لماذا تدير إيران الحرب بجيشين؟
- مستثمر تنزاني يستحوذ على مجموعة -نيشن ميديا- الكينية بعد 66 ...
- جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأمريكي بسبب تصريحات -غير دبلوما ...
- -دمية الحرس الثوري لا يستطيع الظهور علنًا-.. أول تعليق لنتني ...
- نتنياهو يراهن على تطبيع الإسرائيليين مع حرب طويلة


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط