|
|
حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي اليسارية
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 23:46
المحور:
قضايا ثقافية
لطالما كان من السهل نسب أسباب التراجع الثقافي إلى الأنظمة السياسية والانقلابات العسكرية، ولا يمكن إنكار أن تلك الأنظمة قد أسهمت في إضعاف المؤسسات ودفع المجتمع نحو العسكرة بشكل واضح. ولكن هنالك جانب أقل تناولاً في سياق تاريخ العراق الحديث، وهو ظاهرة "سلطة الشارع الثقافي". فامتلاك النفوذ لا يتوقف عند حدود قصور الحكم والجيوش فحسب، بل يشمل أيضاً تكوين الهيمنة الفكرية والتأثير على الوعي الجمعي والذوق العام. وفي هذا السياق، استطاع التيار اليساري على مدار عقود فرض حضوره القوي على المشهد الثقافي العراقي.
على مدى فترة زمنية طويلة، ارتبطت صورة المثقف البارز في العراق بانتمائه أو تقاربه مع الفكر الشيوعي وتبنيه لرؤى وأطروحات ذلك التيار. وقد أتاح هذا النفوذ للنخب اليسارية سلطة معنوية بارزة على المشهد الثقافي والاجتماعي، لكنها استُخدمت في بعض الأحيان لفرض رؤية أحادية وهيمنة فكرية. لعب المثقف دوراً مهيمناً في الفضاءات الثقافية كالمقاهي والنوادي والاتحادات، حيث مارس تأثيره باعتباره حارساً على النتاج الثقافي والفكري في البلاد. ولم يكن هذا الدور بعيداً عن رقابة السلطة السياسية، إذ جرى تقسيم الأفكار وفق تصنيفات ضيقة بين "ثوري" مرحب به و"برجوازي" مرفوض، مما أدى إلى تقليص مساحة النقاش وغياب التنوع الفكري.
مأساة الواقعية الاشتراكية والوصاية على الذائقة الأدبية
في ظل الشعار الذي ارتُفع باسم الواقعية الاشتراكية، وبخاصة في تفسيرها القاصر والمشوّه، فُرضت قيود صارمة على الإبداع الإنساني. إذ تولى بعض الأفراد المنتمين إلى الحزب دور الحراس الفكريين، متصدرين زمام إصدار الأحكام على الأعمال الأدبية، وتوزيع شهادات القبول الثقافي.
وهكذا توجهت الاتهامات نحو أعمال أدبية لرموز كبار مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، فضلاً عن موسيقى الجاز والبوب، وحتى بعض الأعمال الفنية العظيمة، معتبرين إياها مشبوهة و"برجوازية"، مما أسفر عن التحذير من قراءتها بدعوى عدم انسجامها مع القضايا الطبقية المباشرة. بالإضافة إلى ذلك، تم تقييم الفن الراقي ضمن معايير المنشورات السياسية، ليصبح الإبداع الفني حبيساً لتلك الأطر الضيقة. كان هناك تجاهل شبه تام لقيمة بعض الإنجازات الفنية العالمية، دون وعي بأن الكثير من هذه الأعمال الفنية والموسيقية كانت تعبر عن موقف مضاد للحروب والاستغلال والعنصرية.
هذه "الوصاية الثقافية" لم تقتصر على توصيات عابرة بل اتخذت شكل عملية شاملة لما يمكن تسميته بـ"تصحير الذائقة"، حيث جرى فرض إنتاج أدبي موجه ومُعلّب يفتقر إلى التنوع. حُرم القارئ من الاطلاع على روائع الأدب الإنساني بدعوى كونها تنتمي إلى خلفية بورجوازية تتعارض مع أيديولوجية السلطة.
إن التوجه العام لتصنيف أي عمل إبداعي يتجنب الخضوع لمعايير السلطة الأيديولوجية الحزبية غالباً ما يتميز بتوجيه اتهامات له بأنه منحاز إلى الذاتية. وقد امتدت هذه الاتهامات لتشمل الشعر الحديث، والفنتازيا، والرمزية، ليس لضعفها من الناحية الفنية، بل نتيجة عدم قدرة الجهات الثقافية المهيمنة على استيعاب طبيعة هذا النوع من الإبداع، أو بسبب افتقار هذه الجهات إلى الإمكانات اللازمة لتوظيف هذه الأعمال في تحقيق أغراض الدعاية السياسية المؤقتة.
وباتت المفاهيم المرتبطة بالقلق الوجودي، والتعبير الفردي، والتجريب الفني تُوصف غالباً بالترف الفكري أو بالسلبية والهزيمة. وقد أدى هذا النهج القائم على التقييد إلى دفع العديد من المبدعين الحقيقيين إلى اختيار العزلة، أو التوجه نحو الابتعاد عن الأطر الرسمية، بحثاً عن فضاءات تسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم واحترام استقلاليتهم كأفراد قبل الانخراط في الجماعات أو التنظيمات التي تمثل رؤية جماعية محددة.
من أبرز مظاهر ضيق الأفق الفني للكادر الحزبي في "الكلاسيكيات" تلك التهمة المغلفة بالازدراء، حين كان يُقال عن عمل أدبي إنه "قصيدة ذاتية". كانت العبارة تُطلق وكأنها إدانة جنائية أو نوع من الشتيمة الأدبية التي تُتداول في أوساط الأحزاب العقائدية.
المفارقة الكبرى تكمن في جهل هذا الكادر الحزبي بأساسيات الفن الحقيقي: الأدب العظيم لا يمكن فصله عن الذاتية.
لكن لماذا كان هذا "الكادر" يخشى من الذاتية في الإبداع؟
الأمر يعود إلى عدة أسباب. أولاً: فقدان السيطرة، فالذات بطبيعتها منطقة حرة غير قابلة للقيود أو البرمجة، بينما الشعارات السياسية تخضع لخطاب موجه وواضح يُستخدم لأغراض آنية كالتعبئة والإثارة والطاعة العمياء. ثانياً: العُقدة المتمثلة في صدام "نحن" و"أنا". كان يُنظر إلى استخدام الشاعر لـ"أنا" على أنه تجلٍ للأنانية الفردية والبرجوازية، واستُبدلت بـ"نحن"، حيث يُفترض بالشاعر أن يتحدث بصوت الجماعة، كـ"نحن العمال"، أو "نحن المناضلون". لكنهم لم يدركوا أن "أنا" الشاعر هي المرآة التي ينعكس فيها الوجود الإنساني بأسره. وأخيرًا: النظرة السطحية للجمال. فقد كان الحزبيون يريدون من الشاعر أن يتحول إلى مجرد "مكبر صوت"، مُرددًا لشعارات وهتافات تتلاءم مع السياسة المباشرة، بينما الشاعر الحقيقي أقرب ما يكون إلى "آلة الكمان". فالكمان قد لا يُسمع في خضم صخب المظاهرات، لكنه يخلق معزوفات تُلامس بعمق وجدان الإنسان وتصنع وعيًا يتجاوز حدود اللحظة.
النتيجة المؤلمة لهذا الفكر: قتل الإبداع إذ كم من الشعراء الموهوبين العراقيين توقفوا عن الكتابة أو انطفأت جذوتهم لأنهم حاولوا إرضاء "ذوق" كادر حزبي لا يتذوق إلا البيانات السياسية؟ ونفور الجمهور حيث الناس يملّون من الخطابات الموزونة (الشعارات الفجة)، لكنهم يحفظون القصيدة التي تتحدث عن الألم، الحب، الخوف، والوحدة. إضافة إلى تحويل الأدب إلى "وظيفة" بحيث أصبح الشاعر ينتظر "الرضا التنظيمي" بدلاً من انتظار "الإلهام"، وهذا هو الموت السريري لأي فنان.
إن أعظم ما قدمه السياب في "أنشودة المطر" أو "غريب على الخليج" كان ذاتياً جداً (ألمه، غربته، مرضه)، ومع ذلك أصبحت هذه القصائد "نشيداً وطنيًا" للعراق كله. لو استمع السياب لكادر حزبي يقول له "هذه ذاتية"، لما كان لدينا اليوم شعر حديث.
المسؤولية الجماعية في تدهور الثقافة ليس الانهيار الثقافي نتاج الحروب والاستبداد السياسي فحسب، بل هو أيضًا نتيجة لهيمنة الفكر الأحادي الذي تبنته النُخب المثقفة التي كانت تمسك بزمام المشهد الثقافي. عندما يفرض المثقف خطابًا جامدًا ويسلب الآخرين حقهم في الاختلاف أو اختيار ما يتوافق مع تنوعهم، فإنه، دون إدراك، يُرسخ بذور ثقافة الإقصاء التي اغتنمتها الأنظمة القمعية فيما بعد لتوطيد هيمنتها.
لا يمكن أن يتم استعادة الهوية الثقافية العراقية دون التحرر من جميع أشكال السيطرة، سواء كانت سياسية أم وصائية فرضتها نخب ثقافية جعلت من نفسها معيارًا وحيدًا لما يجب أن يُقبل أو يُرفض. الإبداع لا يزدهر إلا في فضاء حر بعيد عن قيود الأيديولوجيات، والفنّان ينبغي أن يكون صوت الإنسان في عملية تمرّد دائم وتعبير صادق عن الذات، لا أداة ناطقة باسم جهة سياسية أو فكريّة بعينها. ومن سعى لإعادة بناء ثقافة أصيلة ينبغي له أولاً أن يواجه ذاته قبل أي شيء آخر، بأن يعترف بأخطائه ويقدم الاعتذار للرموز التي أساء فهمها أو تهميشها، كإرث نجيب محفوظ والشعر الحديث، بل وحتى الحق الأصيل للإنسان في أن يكون فرديًا، متحررًا من الشعارات الجوفاء.
فكرة "سلطة المثقف" أو "الحكم الثقافي الشارعي" تسلط الضوء على الأثر العميق للقوى الفكرية في بنية المجتمع، وكيف يمكن لها في كثير من الأحيان أن تُحوِّل الحوار بعيداً عن قضايا السلطة السياسية نحو خطوط الهيمنة الثقافية. ويأتي هذا النقد كدعوة للتوازن والاعتدال حيال محاولات تشتيت النقاش وتحويله إلى ساحات أحادية تستأثر بالصوت الثقافي العام. بالتأمل في فكرة "الهيمنة" وفق رؤية غرامشي، يظهر أن الشيوعيين العراقيين، رغم عدم سيطرتهم المباشرة على القصر الجمهوري، استطاعوا أن يحتلوا مكانة بارزة في "عقل الشارع الثقافي". كان الحزب حينها يتمتع بسلطة معنوية تتيح له التحكم في مساحة القبول والرفض بالنسبة للمبدعين. فإن رضي الحزب عن كاتب، فتحت أمامه أبواب الشهرة واحتضنه الجمهور. أما إذا غضب عليه، وُصم بصفات مثل "الرجعية" أو "العمالة" أو "البورجوازية"، مما أدى إلى عزله شعبياً وثقافياً. بهذا الشكل، مارست قيادات الحزب تأثيراً مباشراً على الوجدان الثقافي العام، وأصبحت مسؤولة عن مستواه سواء أكان هذا المستوى جيداً أم رديئاً.
النقد الموجه للواقعية الاشتراكية المشوهة، يكشف أنه يلامس جوهر المشكلة؛ حيث أدى فرض هذا النهج الأدبي بشكله الزائف إلى تحويل الإبداع إلى مجرد وظيفة اجتماعية خالية من الروح. تم التضييق على جماليات الفنتازيا والرمزية والذاتية تحت ذريعة كونها ترفاً، بينما هي بالحقيقة ركيزة الحداثة الفنية. هذه السياسات أدت إلى استنساخ عقلية موحدة لا تقبل الاختلاف، مما مهّد بشكل غير متعمد لقبول الأفكار الشمولية التي تبنتها الأنظمة العسكرية التي جاءت فيما بعد.
توجيه القارئ نحو ما ينبغي أن يقرأه من كتب أو يستمع إليه من موسيقى يمثل شكلاً من أشكال "دكتاتورية النخبة". عندما يتولى "الحاكم الشيوعي في الوسط الثقافي" مهمة تحديد اختيارات القارئ، فإنه يؤدي وظيفة مشابهة لدور "الرقيب الحكومي"، ولكن بغطاء ثوري. هذا التوجه لم يكتفِ بخنق الإبداع لدى الكتّاب، بل تسبب أيضًا بإضعاف الحس النقدي لدى الجمهور العراقي، مما جعل اهتمامه مرهونًا بالمواقف السياسية بدلًا من الجماليات والقيم الفنية.
نشأ أيضًا خلط كبير بين مفهوم "الغموض الفني" و"الغموض السياسي"، حيث أدى هذا الفهم المبسط للفنون إلى تحويل الثقافة العراقية في فترات معينة إلى ما يشبه "بيانات شعاراتية"، الأمر الذي تسبب في انقطاع الصلة بين الجمهور والتيارات الثقافية العالمية الحديثة التي تتجلى في مجالات الفلسفة والأدب. لا شك أن التدهور الثقافي في العراق هو نتاج مباشر لأنظمة حكمت بأسلوب قمعي يمزج بين العسكرة والرقابة المستبدة، حيث فرضت على المجتمع حروباً متكررة واستهدفت المثقف بتحويله إما إلى "واشٍ" يخدم السلطة أو "مهرج" يُرضي نزواتها. وقد زادت هذه السياسات من تعقيد المشهد الثقافي بسبب تطبيق نهج يساري بعيد عن التطور ومواكبة العصر. وبعد 2003، جاءت الطائفية السياسية لتسهم في تعميق الجرح، فأسست لثقافة المحاصصة وأدارت مؤسسات تفتقر لأي مشروع فكري رصين أو رؤى تقدمية. المؤلم في الأمر أن الانحسار في الثقافة العراقية لم يبدأ مع إخفاقات التنوير التي حاول اليسار صياغتها فحسب، بل بدأ منذ القضاء على تلك المحاولات نفسها تحت مظلة شعارات مثل "الأمي البنّاء خير من المتعلم الهدام"، ما أدى إلى قمع الفكر الحر وقتل كل فرصة للتطوير الثقافي الحقيقي.
وبالرغم من ذلك، حين نعود للدفاع عن هذا التاريخ، علينا امتلاك شجاعة النقد الذاتي والإقرار بالأخطاء. فبالنظر إلى طبيعة الإنسان ككائن اجتماعي متأثر بالظروف التاريخية والاقتصادية، يبقى الفن والتعبير الفني انعكاسًا لتجارب إنسانية فردية متفردة. وهنا نجد أنفسنا أمام "فخ" وقع فيه البعض؛ ففي إطار دول العالم الثالث، ليست مهمة الأحزاب السياسية أن تحدد موقفًا رسميًا من الفن، ولا أن تقرر موقع الإبداع بالنسبة للأفراد. فلا ينبغي لأي حزب أن يتحول إلى راعٍ للمبدعين باعتبارهم "شعراء قبيلة"، خاصة في ظل التحولات العميقة التي أضعفت قيمة تقييم الأعمال بناءً على الانتماءات السياسية الصرفة.
ما نحن بحاجة إليه اليوم هو وضع حد لتدخل الأذواق الشخصية لأعضاء الأحزاب في تشكيل المواقف الرسمية لتلك المؤسسات. فمن حق كل فرد، كعضو أو كإنسان، أن يستمتع بأي نوع من الأدب والفن الذي يفضله، حتى لو كانت الأفكار المطروحة فيه تتعارض مع أيديولوجيته أو موقف حزبه.
للأسف، تاريخنا يحمل في طياته أمثلة عديدة على حالات منع فيها بعض الكوادر الشباب من الاطلاع على روايات كتّاب بارزين مثل يوسف إدريس ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، بل وحتى كتب الفلسفة وعلم الاجتماع، بحجة أنها تمثل "أدباً وفكراً برجوازياً". هذه النظرة لم تكن تعبر عن دفاع حقيقي عن الثورة، بقدر ما كانت تكشف عن فراغ معرفي وقصور في استيعاب جوهر الأدب والحياة. فالشخص الذي يخشى من نجيب محفوظ وغيره من الأدباء العظام، هو في الحقيقة يعجز عن مواجهة أعماق النفس البشرية وما تحمله من تعقيد وجمال. إن استعادة الثقافة لا تتحقق باتهام الذين دافعوا عنها، ولا بتقديس الأخطاء التي ارتكبت تحت شعار "الالتزام الحزبي". بل يمكن أن تُستعاد بمواجهة الجرأة مع من ساهموا في تدميرها، وبالتحرر من الوصاية الأبوية المفروضة على العقول. فالإبداع الإنساني السامي هو إرث مشترك للبشرية بأسرها، ومن يسعى لتأطيره ضمن حدود "منشور حزبي" إنما يعزز، عن قصد أو دون قصد، حالة التصحر الثقافي التي نعيشها في يومنا هذا.
تتجلى المفارقة الكبرى، أو ربما المأساة، في مسيرة الحركات اليسارية في هذا التناقض الواضح بين "الآباء المؤسسين" وبين "البيروقراطية الحزبية" التي تبعتهم. فقد كان المؤسسون نتاجاً للثقافة الأوروبية الرفيعة ذات الطابع الكلاسيكي، ولم يحملوا نظرة ضيقة تجاه الأدب والفن، بل استنكروا محاولات تحويل الإبداع إلى مجرد أداة لخدمة الأيديولوجيا الحزبية.
كان ماركس شغوفاً بأعمال أيسخيلوس وشكسبير وغوته. لم يكن يطلب من الأدب أن يكون "بروليتارياً"، بل كان يعشق روايات الفرنسي بلزاك رغم أن الأخير كان ملكياً ومحافظاً سياسياً. بالنسبة لماركس، كانت عبقرية بلزاك في تحليل المجتمع وكشف آلياته تملك قيمة أكبر من مواقفه السياسية. أما إنجلز فقد أوضح في رسائله أن "كلما كانت المواقف السياسية للكاتب أقل ظهوراً، ازدادت قيمة العمل الفني". وكان يرفض الأدب الذي يميل إلى التلقين وإلقاء العظات.
على الرغم من انضباط لينين السياسي، إلا أنه كان معجباً للغاية بتولستوي، وكتب مقالاً شهيراً بعنوان "تولستوي مرآة الثورة الروسية"، رغم أن تولستوي لم يكن ماركسياً وكان يؤمن بعقائد مختلفة. وبينما كان لينين يعارض "المستقبلية" والفنون التجريبية المثيرة للجدل، لم يكن يسعى أبداً لمنع أحد من القراءة، بل كان يؤمن بأن على الشيوعي أن يثري فكره بكل المعارف التي جمعتها البشرية عبر الزمن.
أما تروتسكي فهو صاحب الكتاب المميز "الأدب والثورة"، حيث صرح فيه بوضوح بأن "الفن ليس ميداناً لإصدار الأوامر من قبل الحزب". كما أنه وقع مع الفنان السريالي أندريه بريتون بياناً في المكسيك يدعو إلى "الحرية الكاملة للفن". وكان يرى أن محاولات فرض ثقافة بروليتارية بقرارات حزبية ما هي إلا جهود عقيمة وغير مجدية.
وبالنسبة لماو تسي تونغ، فقد اتخذ منحى مختلفاً بعض الشيء. ماو كان شاعراً يكتب بأسلوب الشعر الصيني التقليدي، ولم ينخرط في كتابة ما يُعرف بـ"الشعر الواقعي الاشتراكي" الصريح. في بداية الأمر، دعا إلى تنوع ثقافي وأطلق شعار "دَع مائة زهرة تتفتح"، كمحاولة لتعزيز الإبداع والتجديد. إلا أن الأوضاع تغيرت لاحقاً خلال الثورة الثقافية، واندفعت الأمور نحو طرق كارثية ومدمرة.
إذن.. من أين جاء "المسؤول الحزبي" بفكرة المنع؟
من أين استلهم "الكادر الحزبي" فكره النقدي الفني؟ البداية كانت مع "الستالينية" في الاتحاد السوفيتي، عندما جُعلت الثقافة تحت سيطرة الدولة، وبدت أقرب إلى إدارة أمنية تنفذ سياسات التقييد. أصبحت الرقابة مهمة روتينية تولاها بعض "شبه المتعلمين" من الحزبيين، الذين اعتقدوا أن دورهم الأساسي هو حماية الكوادر من أي "أفكار دخيلة". ومن هنا، تحولت الواقعية الاشتراكية من مجرد مدرسة فنية إلى ما يشبه "قانون العقوبات"، بحيث يُتهم بالخيانة أو ضعف الولاء الأيديولوجي كل من يحيد عن نهجها. الخوف من "البرجوازية" شكّل لبّ هذه القضية، إذ خلطوا بين "الأدب البرجوازي" بوصفه تقنية متقدمة وفناً راقياً، وبين "الفكر البرجوازي"، واعتبروا أن الرواية وأعمال الإبداع لا تخدم الثورة، ما أدى إلى منع النخب الحزبية من التمتع بجماليات الأدب. نهايةً، أعضاء حزبيون بالغوا في تضخم ولائهم لدرجة أثارت العجب، وكأنهم أكثر إخلاصاً من القادة المؤسسين أنفسهم! فمن المحتمل أنه لو أتيحت الفرصة لماركس أو تروتسكي لقراءة توصيات هؤلاء المسؤولين الذين حظروا قراءة نجيب محفوظ، لأعربوا عن استيائهم واستنتجوا أنهم لا يفعلون سوى الإساءة للفكر الماركسي الذي يرتكز أساساً على المراجعة النقدية والتحليل لكل جانب إنساني.
مالمو 2026-02-14
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
برزخ الكينونة
-
ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
-
من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
-
أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات
...
-
إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو
...
-
خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
-
سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
-
إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
-
من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
-
بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
-
أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
-
صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
-
انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
-
مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
-
القومية أفيوناً
-
لوح القَدَر الرقمي
-
تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
-
ماركس والمناسبات الاجتماعية
-
أغاني القدر
-
ما وراء التوازن
المزيد.....
-
فيديو منسوب إلى -ضربات سعودية على حضرموت مؤخرًا-.. ما حقيقته
...
-
جولة جديدة من المحادثات بين أمريكا وإيران وسط تصريحات متشائم
...
-
بعد ورود اسمه في وثائق إبستين.. موانئ دبي العالمية تستبدل ر
...
-
نبرة واشنطن التصالحية مع أوروبا .. بين الترحيب الحذر والتشكي
...
-
عيد الحب .. ما قصته وأصل تسميته ؟
-
افريقيا : نزاعات وصراعات وتدخل خارجي يُغذي انعدام الإستقرار
...
-
فرنسا: النيابة العامة تشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين
...
-
فتح وحماس: الاحتلال يعرقل لجنة إدارة غزة وتنفيذ خطة ترمب
-
التوتر بين أمريكا وإيران هل يمنح إسرائيل غطاء لإعادة رسم الض
...
-
غزة والضفة الغربية في مرمى التصعيد الأمريكي الإيراني
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|