أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حميد كوره جي - القومية أفيوناً















المزيد.....

القومية أفيوناً


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:30
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


عندما وصف ماركس الدين بأنه "تنهيدة الإنسان المظلوم... قلب عالم بلا قلب... وأفيون الشعوب"، كان يشير إلى دوره الأيديولوجي في تخدير المجتمعات الطبقية، حيث يخدم الدين مصالح الطبقات الحاكمة من خلال توفير الراحة والإلهام الزائف. ومع تراجع دور الدين في المجتمعات الحديثة، التي تهيمن فيها السوق والدولة ووسائل الإعلام والحدود، أصبحت القومية تؤدي وظيفة مماثلة كأداة للتخدير الأيديولوجي.

التشابه بين القومية والدين:
- كلاهما يقدم تبريرات للمعاناة التي يعيشها الناس.
- كلاهما يُخفي عن المجتمع عدوه الحقيقي والمسبب الفعلي للأزمات.
- كلاهما يضفي قداسة أو فخراً على الفقر بدلاً من مواجهته.
- كلاهما يغرس هوية تستند إلى الانتماء مقرونة باستمرار حالة الاستلاب أو الاستعباد.
- الدين يعد بالخلاص في العالم الآخر، بينما القومية تعد بالعزة والسيادة في إطار الأرض والحدود.


القومية المتطرفة تستند إلى مجموعة من الأساليب المدروسة التي تهدف إلى تحويل الهوية الوطنية إلى وسيلة للهيمنة والقمع. ومن أبرز هذه الوسائل الجمع بين الطابع الديني والوطني، بحيث تُضفى على الهوية الوطنية صفة القداسة، مما يجعل أي انتقاد موجه للسلطة الحاكمة أو للنظام القائم يبدو وكأنه عمل خائن أو حتى تجديف ضد مبادئ الأمة. ومن خلال هذه الاستراتيجية، تمنح الأنظمة لنفسها أداة مزدوجة تجمع بين القوة الروحية والدعوى الوطنية للتحكم في المعارضة وإسكات الأصوات المختلفة.

إضافة إلى ذلك، تعمل القومية على إحياء أمجاد الماضي من خلال تقديم رؤية رومانسية ومثالية لما كانت عليه أوهام الإمبراطوريات السابقة، متجاهلة الواقع الحالي الذي قد يكون مليئاً بالمآسي مثل الفقر والفساد. هذا الهروب من مواجهة المشكلات الحقيقية يعزز إحساسًا زائفًا بالعظمة والتفوق الثقافي أو الحضاري، وهو ما يساعد الناس على تجاوز الصدمات والعيوب الاجتماعية والسياسية على المستوى الفردي والجماعي.

كما أن نظرية المؤامرة واستحضار تهديدات عدو خارجي دائم أصبحت أدوات شائعة تُستخدم كوسيلة لتقوية الاصطفاف الجماعي المفروض قسراً. هذه التقنيات تخدم بشكل مباشر النخب الحاكمة من خلال تشويه أي دعوات للإصلاح أو العدالة الاجتماعية، وتصنيفها باعتبارها محاولات تقودها قوى خارجية غايتها تهديد وحدة الوطن أو تعزيز النزعة الانفصالية التي تُصور على أنها تخدم مصالح أعداء الأمة. بهذه الطريقة، تبقى المشكلات الجوهرية مغيبة عن النقاش العام، بينما يُبقي شعور الخطر المفتعل الناس في حالة استنفار دائم وولاء غير مشروط للسلطة.

دراسة حالات من التاريخ العربي الحديث توضح بجلاء كيف يمكن أن تتحول الأفكار والمشاريع ذات الطابع القومي إلى وسائل مدمرة تخدم المصالح الشخصية وتطمس القيم الأخلاقية تحت غطاء الشعارات. تمثل الحقبة البعثية والناصرية أمثلة بارزة تشير إلى كيفية انحراف الفكر القومي، الذي كان يُفترض أن يكون وسيلة لتحرير الشعوب وتوحيدها، ليصبح أداة تغذي الكراهية وتبرر القمع.

النموذج العراقي يقدم مثالًا صارخًا على هذه الظاهرة. في عهد حكم صدام حسين، شهدت العروبة تحولاً كبيراً، إذ انتقلت من كونها مشروعًا سياسيًا يسعى لتحقيق أهداف التحرر القومي إلى وسيلة لتكريس السلطة وشرعنة البطش. ومن الجهة الأخرى، وقع العديد من المثقفين العرب في فخ المساومة على المبادئ مع السلطة، حيث أدت الإغراءات المختلفة مثل كوبونات النفط والمؤتمرات الرسمية الفاخرة إلى تحييد ضمائرهم، مقدمين دعماً للشعارات القومية الزائفة، حتى عندما كانت الجرائم تتراكم في حق الأبرياء، مثلما حدث في حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية الشيعية.

لم تقتصر هذه المرحلة على السكوت تجاه الظلم فقط، لكنها تجاوزت ذلك إلى تبرير الفظاعات والجرائم ضد الإنسانية بأنها جزء مما سُمي بضرورات حماية الحدود الشرقية للعالم العربي. هذا التبرير كشف ضعف وتهالك مفهوم "الأخوة القومية"، الذي انقلب إلى شعارات خاوية خلت من أي معنى حقيقي حينما تُركت كرامة الإنسان تذبح من أجل الحفاظ على المصالح الجيوسياسية.

النموذج الناصري: الإذاعة كأداة للتأثير الجماعي

اعتمد نظام الرئيس جمال عبد الناصر بشكل أساسي على الكاريزما الشخصية المميزة له، إلى جانب قوة الإعلام المتمثلة في إذاعة "صوت العرب"، التي لعبت دوراً كبيراً في بث رسائل محملة بجرعات يومية من الأمل، وإن كان أحياناً أملاً زائفاً. كانت هذه العملية بمثابة "حقن معنوي" استهدفت قلوب وعقول الجماهير، من خلال وعود أبهرت الكثيرين بشعارات الوحدة، والكرامة، والقومية العربية.

ومع ذلك، كانت تلك المقايضة محفوفة بالمخاطر، حيث تخلت الجماهير تدريجياً عن حرياتها السياسية مقابل الوعود البراقة التي قدمها النظام. هذه المقايضة أظهرت فيما بعد وجهها الحقيقي عندما اصطدمت الأحلام بالواقع المرير. جاءت صدمة الهزيمة الساحقة في عام 1967 لتكون بمثابة "انسحاب مفاجئ للتأثير التخديري" الذي استند إليه النظام طيلة أكثر من عقد. وكانت هذه الصدمة كفيلة بكشف الوهم الكبير، وهو أن إنشاء الدول التي تقوم على قمع الحريات الفردية لا يستند إلى أسس قوية بل إلى قواعد هشة كالرمال المتحركة. وبأن مجرد الحماسة والشعارات الرنانة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تبني جيشاً قوياً ولا أن تحمي الأوطان من الهزائم الكارثية.

استدامة التخدير في العصر الحديث
لا يزال "الأفيون القومي" يتلون بأشكال جديدة اليوم لتناسب العصر . شعار المقاومة والممانعة الذي يُستخدم لتبرير الفقر والاستبداد تحت ذريعة الصراع مع العدو. وفوبيا الإرهاب التي تُستغل لإضفاء الشرعية على سحق الحقوق المدنية باسم "الاستقرار". إضافة إلى تجريد الطبقة العاملة حيث يُنظر للعامل كـ "ترس" في آلة الإنتاج الوطني، ويُحرم من حقه في الإضراب أو التنظيم النقابي بدعوى عدم تعطيل "المصلحة القومية".

الوعي الحقيقي هو ذلك الإدراك العميق والفطري الذي يُمكّن الإنسان من رؤية الأمور كما هي، بعيدًا عن تلك التصورات المزيفة التي تخلقها الأيديولوجيات المتعصبة والأفكار المضللة. عندما ننظر إلى القومية المتعصبة والدين التقليدي بمنظور التحليل، نجد أن كليهما يسعى لخلق هوية تعتمد على مفاهيم تقوم على "الاستلاب" وليس الإدراك الحر. فالدين التقليدي يُغري بالأمل في الخلاص في العالم الآخر، بينما القومية تُغذي الوهم بالعزة والكرامة المستندة إلى حدود جغرافية وليست إلى قيم إنسانية شاملة. وفي كلا الحالتين، يتم تغييب الوعي الحقيقي للفرد عن حقوقه المباشرة وتعريفه بالعدو الحقيقي، الذي يتمثل في الظلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي الذي يخترق المجتمعات دون رحمة.

الإنسان بطبيعته يسعى إلى الانتماء إلى كيان أعمق وأكبر. وعندما يفقد المثقف إيمانه بالدين أو مبادئ العدالة الاجتماعية، يجد في "الأمة" أو "القومية" ملاذاً روحياً بديلاً. بالنسبة إليه، تمنحه القومية شعوراً بالخلود، حيث يرى أن موته أو تضحيته تمثل حياة الأمة بأكملها. هذا الشعور الذي يكتسب صفة القداسة يدفعه لتبرير جرائم الحاكم، معتقداً أنها "آلام مخاض" ضرورية لتحقيق العظمة القومية.

ما يُعرف بعقدة "التعويض التاريخي"، التي تهدف إلى مداواة جروح الهزيمة من خلال الخيال، تلعب دوراً كبيراً في تشكّل قناعة بعض المثقفين. فكثير من هؤلاء ترعرعوا في ظروف هزائم قومية أو انكسارات حضارية متوالية. وعندما يصبح الواقع عاجزاً عن منحهم انتصارات حقيقية، يلجؤون إلى التعلق برمزية "القائد الضرورة" أو بناء صورة "الدولة القوية"، كوسيلة لتحصيل شعور نفسي بالتعويض. إلا أن هذا التوجه ينبع من رغبتهم النفسية في التماهي مع القوة، حتى وإن كانت هذه القوة تُمارَس ضد شركائهم في المجتمع. الأمر ليس حباً للظالم بقدر ما هو انجذاب إلى ما يمثله من سيادة وتفوق.

إن التركيز المفرط على حماية حدود الأوطان بينما يتم تهميش كرامة الإنسان داخل تلك الحدود يكرّس واقعًا مأساويًا يُشبه العبودية الحديثة. فلا يمكن الحديث عن عزة أو استقلال إذا كان المواطن داخل وطنه فاقدًا لصوته ومسلوبًا من إرادته. أي مستقبل حقيقي وواعد لابد أن ينبثق من وعي الشعوب الحرة التي تدرك حقوقها وتسعى لممارسة إرادتها الجماعية بشكل فاعل. هذا المستقبل لا يمكن أن يتحقق عبر شعارات مفرغة تنطلق من رغبات النخب الحاكمة، التي غالبًا ما تجد في تضليل الجماهير وسيلة لإدامة نفوذها وتحقيق مصالحها الخاصة.

التحرر الحقيقي يكمن في إزالة كل القيود الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تُقيد الإنسان من الداخل والخارج، ليكون قادرًا على إعادة بناء واقعه وفق أسس العدالة والكرامة والمساواة. ومن هنا، فإن الوعي ليس مجرّد إدراك بديهي، بل هو عملية مستمرة تستدعي مواجهة كل أشكال الاستغلال التي تحاول أن تتنكر في صورة الوطنية أو الفضيلة الدينية لتحافظ على استدامة الظلم المتوارث جيلاً بعد جيل.

2026-01-01



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لوح القَدَر الرقمي
- تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
- ماركس والمناسبات الاجتماعية
- أغاني القدر
- ما وراء التوازن
- نحو خطاب إنساني جامع في فضاء الكتابة بالعربية
- قسمة
- دفاعاً عن ماركس في وجه العقاد
- معارض الكتاب بين القيمة الاقتصادية والتأثير الاجتماعي
- أنشودة السرو المتصاعد
- الحزب الشيوعي العراقي والافراط في الوطنية
- ترامب والتناقضات الهيكلية في الديمقراطية الليبرالية الغربية
- -التفوق الزائف-: كيف يفرّغ العنصريون إحباطهم العالمي في حقد ...
- وهم الحضارات الكبرى: تفكيك الأسس الدينية والثقافية للتمايز ف ...
- ترامب يفقد السيطرة: هل هذه بداية النهاية؟
- الفردوسي ودوره المحوري في سياق التاريخ الثقافي الإيراني
- الترجمة الأيديولوجية: بين أفيون -الشعب- و -الشعوب-
- التباين الجمالي بين الشعر العاطفي والسياسي
- فجر الاعترافات
- التأطير الأحادي للإبداع -2


المزيد.....




- احتجاجات إيران تتحول إلى اشتباكات دامية مع الشرطة في عدة محا ...
- مدينة عربية تدخل موسوعة غينيس في احتفالات رأس السنة الجديدة ...
- على المصحف… زهران ممداني يؤدي اليمين كأول عمدة مسلم لنيويور ...
- كران مونتانا: كيف تحول احتفال رأس السنة إلى مأساة في منتجع س ...
- رسائل -الفرصة الأخيرة- إلى حزب الله: -الوقت ينفد والخيارات م ...
- -200 شيكل كبداية-.. كيف تُتَّهم حماس باستدراج مراهقي غزة إلى ...
- انسحاب إماراتي من جنوب اليمن يفتح الباب أمام إعادة رسم التحا ...
- -التضخم المؤسسي-.. لماذا تأخرت ألمانيا عن ركب قطار التحول نح ...
- الانفصاليون في اليمن: من هم وما هي أهدافهم وكيف يغيّر تقدمهم ...
- الهجمات الإلكترونية عام 2025 الأخطر والأكثر تكلفة في أوروبا ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - حميد كوره جي - القومية أفيوناً