|
|
إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 18:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
معضلة البديل المفقود لا يمكن فهم المأساة الإيرانية المعاصرة عبر المفاضلة بين "الأسوأ" و"الأكثر سوءاً". إن قراءة تاريخ إيران من ثورة 1979 وحتى اليوم تكشف عن حلقة مفرغة من الاستبداد، حيث جرى استبدال نظام بوليسي ملكي بنظام ثيوقراطي قمعي، بينما ظل الجوهر واحداً: تغييب الشعب، نهب الثروات، والتبعية الهيكلية. يروّج الإعلام الموجه اليوم لصورة زاهية عن عهد الشاه، لكن الحقائق الهيكلية ترسم مشهداً مختلفاً. لقد كان نظاماً يعتمد على الفقر البنيوي؛ حيث كان أجر العامل لا يكاد يسد رمق عيشه، بينما تتركز الثروة في يد "ألف عائلة" مرتبطة بالبلاط. كان الشاه يمارس دور "درك المنطقة"، حيث استُنزفت أموال النفط في صفقات سلاح خيالية لقمع حركات التحرر في الجوار (عمان والأردن)، بينما ظلت الأطراف الإيرانية (خوزستان، كردستان، وبلوشستان) تعاني من التهميش والإقصاء القومي واللغوي. إن "الساواك" لم يسحق المعارضين فحسب، بل مهد الطريق لصعود السلطة الدينية عبر تجفيف منابع القوى المدنية واليسارية والعمالية. جاءت ثورة 1357 كصرخة من أجل الحرية والعدالة، لكنها سُرقت عبر عملية "هندسة واعية" محلياً ودولياً. لم تقم الجمهورية الإسلامية بإعادة الثروات المنهوبة (التي تُقدر بعشرات المليارات) للشعب، بل نقلتها من "بنياد بهلوي" إلى مؤسسات اقتصادية أمنية غير خاضعة للمساءلة. استمر القمع الوطني ضد القوميات غير الفارسية بأشكال أكثر دموية، وتحولت المرأة -التي كانت وقود الثورة- إلى هدف سياسي عبر "الحجاب الإلزامي" كأداة للسيطرة الاجتماعية. لقد ورث النظام الجديد أسوأ ما في النظام القديم، وأضاف إليه صبغة أيديولوجية مطلقة تحت مسمى "ولاية الفقيه". المأساة الكبرى اليوم هي محاولة إعادة تدوير الاستبداد الملكي تحت مسميات "العبور" و"تغيير النظام". يبرز رضا بهلوي كـ "وريث وراثي" لم يمارس نضالاً يوماً، بل يعتمد على ثروات منهوبة وعلاقات ضغط في واشنطن وتل أبيب. إن المشاريع التي يطرحها اليمين في الخارج ليست إلا هندسة فوقية للسلطة؛ فهي تتبنى سياسات نيوليبرالية متوحشة (خصخصة، إلغاء خدمات) وتدعو للتدخل العسكري الخارجي، وهو ما يعني تحويل إيران إلى دولة مدمرة ومديونة، "إسرائيل ثانية" في خدمة الإمبريالية، لا وطناً لمواطنيها. لماذا لم يتبلور البديل الجذري حتى الآن؟ الفقر الممنهج جعل "الإضراب العام الشامل" أداة صعبة المنال؛ فالعامل الذي لا يملك "صندوق إضراب" يجد نفسه أمام خيارين: الجوع أو الصمت. نجح النظام في عزل الحركات العمالية (مثل نموذج هفت تبه في خوزستان) عن الحركات الطلابية والنسوية، ومنع تشكيل جبهة وطنية توحد المركز بالأطراف. تسيطر الأبواق الإعلامية (التي يمولها اليمين الإقليمي والدولي) على الوعي العام، محاولةً إقناع الناس بأن خيارهم الوحيد هو العودة للماضي أو البقاء في الحاضر المظلم. رغم هذا الانسداد، تظل الحركات العمالية والنسوية المستقلة ونضالات القوميات المضطهدة هي "النواة الحقيقية" للتغيير. هؤلاء "المؤثرون" الذين يرفعون شعار "لا لشاه، لا للمرشد" يمثلون البديل الذي لا يرضى بتبديل سيد بسيد آخر. إن الطريق للحرية يمر عبر "حرب الوعي"؛ فضح زيف الوعود الملكية، وكشف إجرام السلطة الحالية، والتمسك باستقلال القرار الوطني. البديل الحقيقي لن يولد في صالونات واشنطن، بل في معامل الأهواز، وجبال كردستان، وشوارع طهران، بأيدي هؤلاء الذين يريدون إيران ديمقراطية، علمانية، وعادلة اجتماعياً. التاريخ لا يرحم. والوقوف بجانب الشعب يحتاج إلى "نقاء ثوري" يبدأ بالانحياز الصريح للمضطهدين ضد جميع أشكال اللصوصية، سواء كانت دولية أو محلية. إن "الأمير" بمطالبته بالتدخل العسكري، قد اختار خندقه بالفعل؛ خندق القوى التي ترى في إيران "ساحة نفوذ" لا "وطناً لشعب حر". إن "المهندسين الدوليين" يحاولون ملء هذا الفراغ التنظيمي ببدائل جاهزة (مثل رضا بهلوي)، مستغلين ضعف الهياكل النقابية والسياسية في الداخل. ولكن، طالما أن "التأثير" موجود، فإن "مشروع العبور" الفوقي سيظل يواجه مقاومة من القواعد التي ترفض استبدال سيد بآخر. عندما يعيش أكثر من نصف المجتمع تحت خط الفقر، ويصبح الأجر اليومي هو الضمان الوحيد للقمة العيش، يتحول الإضراب إلى "انتحار اقتصادي" للأسرة. في الثورات الكبرى، تمتلك النقابات "صناديق إضراب" لدعم العمال المضربين. في إيران، صادر النظام أي محاولة لتشكيل هذه الصناديق، مما يترك العامل وحيداً في مواجهة الجوع إذا توقف عن العمل ليوم واحد. المأساة الحقيقية تكمن في أن القوى الدولية كأمريكا وإسرائيل، إلى جانب القوى اليمينية المتربصة بالخارج، تستغل حالة الإنهاك الشعبي التي تصيب الجماهير لتحقيق أجنداتها الخاصة. إنهم يطمحون في خلق واقع يتسم بشعب منهك إلى حد الاستسلام لأي تغييرات تُفرض من فوق، سواء كانت في شكل غزو عسكري مغطى بمبررات واهية أو انقلاب سياسي يعيد تشكيل الساحة لصالحهم، مستخدمين خطاباً مخادعاً يدّعي أن الشعب بات عاجزًا تماماً عن ممارسة المقاومة التاريخية والمبدئية.
إن منهج هذه الأطراف يهدف بوضوح إلى تحويل أزمة العجز التنظيمي، والتي هي نتيجة حتمية للقمع السياسي والاجتماعي المكثف، إلى ذريعة تُستخدم كنوع من التفويض السياسي الذي يخوّل لهذه القوى التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب دون أدنى تردد. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم حرب الوعي ليس مجرد أداة ولكنه نقطة انطلاق محورية تجمع تحت مظلتها أعمق المهام وأكثرها إلحاحاً للقوى التقدمية والثورية التي تواجه تلك التحديات.
أمام ممارسات القمع المادي الذي يطغى من خلال السجون وسياسات التفقير الاقتصادي التي تسحق الطبقات الأدنى وتقيد أبسط أشكال الحرية، نجد أن هناك معركة أخرى أكثر خفاءً لكنها أكثر خطورة كذلك. هذه المعركة تُشن على العقول مباشرة من خلال هجوم إعلامي مدروس يهدف إلى تدمير الخيال السياسي للأفراد وتحجيم مداركهم ضمن حدود ضيقة ومحدودة لا تتجاوز ثنائية مثل التاج والعمامة. هذا النوع من الصراع الفكري لا يُنتج فقط مجتمعات مستسلمة ولكن أيضاً شعوباً غير قادرة على تخطيط مستقبلها بمعزل عن الإملاءات الخارجية.
في ظل هذا المناخ القاتم، يصبح إنشاء منصات إعلامية بديلة بمثابة ضرورة وطنية ومهمة معرفية مقاومة. رغم بساطة الموارد والإمكانات المتاحة لمثل هذه المبادرات في بداياتها، إلا أنها تحمل في مضمونها طاقة تغييرية هائلة ويمكن أن تشكل حجر الأساس لتحرير السرديات المغيبة. هذه السرديات التي ظلت لفترة طويلة تحت سيطرة آلة توليد الأفكار الهندسية المُمَنهَجة سواء من قبل القوى الخارجية أو الأنظمة المحلية المستفيد منها.
للتحرر من وطأة الحصار الإعلامي الجاثم واستعادة التاريخ من بين براثن التزييف والتحريف، يتوجب على الإعلام البديل أن يتحلى بصفات ومواصفات نوعية تمكنه من أداء هذه المهمة بنجاح ملموس. البداية يجب أن تكون بطرح قراءات نقدية متوازنة وعميقة للحقب الزمنية المتمثلة بين عهد البهلوي والجمهورية الإسلامية. هكذا تحليلات مزدوجة تُعد ذات أهمية محورية لفتح الأفق أمام الأجيال الجديدة حتى تتمكن من بناء وعي تاريخي متكامل يعكس الواقع بكل تعقيداته وأبعاده دون استخدام عدسات مبسطة أو منحازة.
الهدف الأسمى يتمثل في تصحيح المفاهيم الخاطئة بأسلوب واعٍ وموضوعي، وتحديداً تفكيك أسطورة الحنين المزيف إلى الماضي الملكي الذي يُروّج له كأنه نموذجي وخالي من العيوب. يكمن الدور هنا في إظهار الحقائق التاريخية الشاملة التي تبرهن أن دوافع اندلاع ثورة عام 1979 كانت أعمق بكثير مما يُروّج له من سطحية تتحدث عن جموح الشعب نحو التغيير دون مبررات. هذه الأسباب الجذرية تشمل الاستبداد المستشري، التبعية المهينة لقوى خارجية، والفقر البنيوي الذي تحول إلى كابوس يومي يطارد الفئات المحرومة.
لدعم هذا الطرح الفكري، يصبح لزاماً توثيق شهادات المساجين السياسيين من كلا الفترتين الزمنيتين ومختلف التيارات السياسية، فضلاً عن كشف النقاب عن المستندات الاقتصادية التي تكشف تلك الأنماط الممنهجة لنهب الثروات الوطنية وإضعاف مؤسسات الدولة لصالح فئات بعينها. كلّ هذه الجهود تمثل عناصر لا غنى عنها لبناء أساس معرفي صلب يُمكّن الشعوب من مواجهة الخطر الإعلامي والفكري بثقة ورؤية واضحة نحو المستقبل وفي هذا السياق، يجب أن تتحول المنصات الإعلامية البديلة إلى أصوات تعبّر عن المجموعات والشرائح المهمشة التي تعجز عن الحصول على مساحة كافية للظهور في قنوات مثل إيران إنترناشيونال أو الإعلام الرسمي للنظام. تلك الأصوات تشمل العاملين في القطاعات المختلفة كتفاصيل إضرابات عمال النفط ومزارعي قصب السكر. ينبغي أن تقدم هذه الأحداث ليس كأخبار عابرة، بل كأفعال سياسية تعبر عن يقظة شعبية تتجاوز مجرد التحركات الاعتيادية.
كما يلزم تقديم مساحات كافية للأطراف والأقليات التي طالما تم تجاهل قضاياها أو تزييف رواياتها في وسائل الإعلام التقليدية. يجب الاستماع لأصوات نشطاء خوزستان وكردستان وبلوشستان ليعبروا بحرية عن حقوقهم القومية والبيئية، بعيداً عن الاتهامات السطحية بالانفصالية التي تُستخدم لتشويه مطالبهم المشروعة.
إضافة إلى ذلك، يتوجب مواجهة الخطاب الذي يروّج لفكرة أن التغيير الحقيقي في المجتمعات لا يمكن أن يتم إلا عبر زعيم موروث أو تدخل خارجي. هنا تكمن أهمية التوضيح للجمهور بأن الحرية لا تمنح بتوقيع اتفاقيات دولية ولا تهبط من طائرات القصف B-52. إن التنظيم الشعبي الواعي هو الطريق الحقيقي نحو نيل الحرية والتحرر.
ويتعين أيضاً أن تركز هذه المنصات على استعراض تجارب الشعوب الأخرى التي عانت من ويلات التدخل العسكري مثل العراق وليبيا واستحضار الدروس التي يمكن استخلاصها منها. يمكن إجراء مقارنة معمقة بين هذه التجارب والمشاريع المطروحة اليوم تحت عنوان العبور إلى مستقبل جديد بواسطة آليات خارجية مشبوهة، لإظهار المخاطر المحتملة والتوجيه نحو نهج أكثر استدامة وعدالة في تحقيق التغيير.
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
-
بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
-
أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
-
صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
-
انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
-
مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
-
القومية أفيوناً
-
لوح القَدَر الرقمي
-
تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
-
ماركس والمناسبات الاجتماعية
-
أغاني القدر
-
ما وراء التوازن
-
نحو خطاب إنساني جامع في فضاء الكتابة بالعربية
-
قسمة
-
دفاعاً عن ماركس في وجه العقاد
-
معارض الكتاب بين القيمة الاقتصادية والتأثير الاجتماعي
-
أنشودة السرو المتصاعد
-
الحزب الشيوعي العراقي والافراط في الوطنية
-
ترامب والتناقضات الهيكلية في الديمقراطية الليبرالية الغربية
-
-التفوق الزائف-: كيف يفرّغ العنصريون إحباطهم العالمي في حقد
...
المزيد.....
-
العثور على جثة فتاة محاطة بكلاب برية على شاطىء سياحي في أستر
...
-
بعد مرور أسبوعين من قضائه كامل عقوبته .. جنايات بدر تأمر بحب
...
-
أذربيجان تحيي ذكرى ضحايا القمع السوفيتي في 20 يناير 1990
-
ملياردير من الدائرة الضيقة.. كيف مهّد رونالد لودر طريق ترامب
...
-
ألمانيا: مخاوف من تجسس الصين عبر السيارات الكهربائية
-
وزير الإعلام اليمني: السجون التي كشفناها خارج سلطة القانون
-
دمشق تعلن وقفا لإطلاق النار 4 أيام مع الأكراد عقب تفاهم جديد
...
-
كيف دفعت اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى تهميش الدبلو
...
-
دليل التوفير المنزلي: حيل بسيطة لتقليص نفقات الغسيل بنسبة 50
...
-
إضافات تفسد المذاق والفائدة: كيف تجعل قهوتك صحية دون أن تخسر
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|