أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست














المزيد.....

ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 14:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في ملحمته الأدبية "البحث عن الزمن المفقود"، لم يكن مارسيل بروست مجرد روائي، بل كان "عالم آثار" للنفس البشرية، مستنداً إلى أرضية فلسفية صلبة أرساها هنري برغسون. يتجلى هذا التعاون بين الأدب والفلسفة في قلب مفاهيم الزمن، الذاكرة، والهوية، ليحولها من مجرد نظريات إلى تجربة وجودية حية.

الذاكرة الوجودية: ما وراء العقل الآلي

بنى بروست رؤيته على ثنائية برغسون الشهيرة في كتابه "المادة والذاكرة". فبينما تُعنى "ذاكرة العادة" بالمهارات الآلية والبيانات السطحية التي تخدم متطلبات الحياة اليومية، تظل "الذاكرة الحيوية" (أو المحضة) هي المستودع الأمين لكل تفاصيل وجودنا الكامن في اللاوعي. هذه الذاكرة لا تنصاع لإرادة العقل أو المنطق، بل تنتظر "صدمة حسية" مفاجئة—كطعم المادلين أو أريج الزعرور—لتفتح بوابات الماضي، فتتدفق الذكريات لا كمعلومات باردة، بل كحياة نابضة تمزج "أنا" الماضي بـ "أنا" الحاضر.

الديمومة في مواجهة الزمن الميكانيكي

بتحدٍ واضح وموقف رافض لما يسمى بزمن الساعة الميكانيكي، الذي يقوم بتقسيم الحياة إلى وحدات زمنية متساوية ومجردة من المشاعر، تبنى مارسيل بروست الفكرة البرغسونية للديمومة بوصفها مفهومًا يتخطى السرد التقليدي للزمن. إذ أن الزمن في رؤيته ليس مجرد خط مستقيم يتلاشى خلفنا ويُدفن في الماضي، بل هو "زمن النفس" ذو الطبيعة الدائرية والانسيابية، حيث يتخلل الماضي الحاضر بانسياب ودون وجود عوائق تحول بينهما. في هذا السياق، يصبح الزمن تجربة ذاتية تختلف عن التوصيف المادي التقليدي؛ فلا يمكن قياس اللحظة بمقاييس ثابتة مثل الساعات أو الدقائق، بل تُقاس بعمق الشعور والتجربة التي تحتويها. ولعل أحد أبرز أشكال هذا التجسيد يظهر في سرد بروست الغني بالأوصاف والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، حيث يمدد ثواني قليلة ليبسطها على صفحات مطولة، ليحيل اللحظة العابرة إلى تجربة شعورية تتسم بالخلود الروحي الذي يكاد يُبعدها عن المادة وزوالها.

الحواس كأدوات للحدس العميق

استنادًا إلى رؤية هنري برغسون الفلسفية، يُعتبر العقل أداة تحليلية ذات حدود قاصرة عندما يتعلق الأمر بفهم الحياة وجوهرها العميق. في المقابل، يأتي الحدس ليصبح الوسيلة الوحيدة القادرة على النفاذ إلى بواطن الأشياء وكشف حقيقتها. عند إسقاط هذا المفهوم على عالم بروست الأدبي، نجد أن الحواس البشرية - مثل حاسة الشم والتذوق واللمس - تتحول إلى أدوات حدسية قوية تتجاوز وظائفها الفيزيائية الطبيعية. فهي تُمكّن الراوي ليس فقط من استدعاء ذكرياته الماضية، بل تجعله أيضًا يعيش تجربة وجدانية فريدة تُعيد تشكيل تلك الذكريات في حيوية حاضرة. وعبر الحواس، ينفذ بروست إلى عمق الوجود الحقيقي للأشياء، بعيدًا عن حدود المنطق والتاريخ المصطنع. بعبارة أخرى، الحواس ليست وسيلة لفهم ما هو سطحي فقط، وإنما قناة عبور نحو جوهر يتخطى كل تصور عقلي تقليدي ويضفي على التجربة الإنسانية بعدًا أعمق وأكثر حميمية.

الصيرورة: حيث يلتقي بروست بماركس
تلتقي رؤية بروست مع فكرة كارل ماركس حول الإنسان بوصفه كائناً "يعيد تشكيل نفسه باستمرار". فبينما يؤكد ماركس أن الإنسان يبني ماهيته من خلال تغيير الظروف المادية والعمل، يرى بروست أن الإنسان يخلق ذاته من جديد عبر "الفعل الجمالي" واسترجاع الذكريات.

يتجسد الإنسان باعتباره كائناً متغيراً في منظور بروست وبرغسون؛ إذ لا يُنظر إلينا على أننا كائنات ثابتة، بل كحالة ديناميكية دائمة التطور والصيرورة.

فيما يتعلق بالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، نلاحظ أن كما يُحول العمل المادي في فكر ماركس وعي العامل، فإن "المحفزات الحسية" مثل الطعم أو الرائحة لدى بروست تعمل على تحرير الوعي العميق. نحن نحمل في أعماقنا طبقات متراكمة من ذكريات لحظاتنا السابقة؛ بحيث يصبح التذكر آلية تمكن الإنسان من تحقيق اكتمال ذاته واستعادتها من التأثير السلبي لـ"اغتراب الزمن الضائع".

الفن: المختبر الأخير للزمن المستعاد

تعتبر الحساسية المفرطة لدى بروست بمثابة "هدية متناقضة". فمن جهة، تفتح هذه الحساسية أبواب الألم والمعاناة المرتبطة بماضي التجارب، ومن جهة أخرى، تشكل القوة الإبداعية التي تمنح الحياة عمقها واتساعها. إن انشغال بروست بـ "التفاصيل الصغيرة" يمثل انتصاره الرمزي على الفناء والزوال. ففي حين قدّم برغسون الأساس النظري لفهم الزمن والذاكرة، أثبت بروست أن الفن هو الفضاء الوحيد الذي تتجسد فيه هذه الفلسفة بصورة ملموسة، حيث يمكن للوعي أن يستعيد "الزمن المفقود" بكليته، ليشكل نسيجاً مترابطاً يوحد الأزمنة في كينونة خالدة لا تنفصل.

2025-02-09
مالمو



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
- أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات ...
- إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو ...
- خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
- سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
- إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
- من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
- بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
- أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
- صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
- انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
- مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
- القومية أفيوناً
- لوح القَدَر الرقمي
- تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
- ماركس والمناسبات الاجتماعية
- أغاني القدر
- ما وراء التوازن
- نحو خطاب إنساني جامع في فضاء الكتابة بالعربية
- قسمة


المزيد.....




- ميغان ماركل تتألق بمجوهرات عمرها أكثر من 50 عامًا في لوس أنج ...
- ضاحي خلفان يوجه رسالة لتبون: -المواطن الجزائري في العيون-
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب لـCNN عن لبنان وسوريا الجديدة: تصفية ...
- اختبار تحويل القواعد العامة إلى التزامات قابلة للمساءلة: مسا ...
- مفوضي الدستورية العليا تعقد أولى جلسات نظر الطعن على قانون ا ...
- تقارير: اجتماع مدريد ناقش ورقة المغرب -الفنية- للحكم الذاتي ...
- غموض بشأن إدلاء شريكة إيبستين بشهادتها أمام الكونغرس
- احتجاجات على تصاعد الجريمة المنظمة إلى مستويات قياسية في الم ...
- تطبيق لمقاطعة السلع الأمريكية في الدانمارك.. ما القصة؟
- مظاهرات للتجار على تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة في العراق ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد كوره جي - ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست