أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حميد كوره جي - أسطورة -العدو الأزلي-















المزيد.....


أسطورة -العدو الأزلي-


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 15:03
المحور: قضايا ثقافية
    


تفكيك التوظيف السياسي للتاريخ في صراعات الشرق الأوسط
لقد أغلق الكاتب سليم مطر باب التعليقات والتصويت على مقاله الأخير المنشور في الحوار المتمدن تحت عنوان مطول " منذ 2500 عام وحتى الآن جميع دول إيران جهدت لغزو منطقتنا بمختلف الحجج، وآخرها الدين والكرامة، ولكن يبقى السبب الحقيقي: الحاجة للتوسع وتكوين الامبراطورية التي تسيطر على الشرق الاوسط!"، مما اضطرني لكتابة تعقيبي ومداخلتي كمقال نقدي يُعبر عن وجهة نظري تجاه مقاله.
مقدما أود التنبيه إلى أن المقولة الشهيرة "التاريخ يعيد نفسه" هي مقولة أدبية وليست علمية. وإن الحقيقة هي أن البشر هم من يكررون أخطاءهم، ثم يبحثون في التاريخ عما يبرر تلك الأخطاء. أبتغي من مناقشتي مقال سليم مطر كشف كيفية صناعة "عدو أبدي" عبر ليّ عنق الحقائق التاريخية لتناسب صراعات عام 2026.

لابد من قراءة المقال بتمعن وبتحليل ناقد، مع التفريق بين السرد التاريخي الذي يقوم على أسس أكاديمية، وبين التوظيف السياسي للتاريخ باعتباره وسيلة لتمرير رؤى ومواقف معاصرة تحت غطاء التاريخ. المقال يبدو معتمداً بشكل كبير على العناصر العاطفية والنظرة الحتمية للجغرافيا. فمحاولة إسقاط صراعات العصر الحالي على أحداث تعود إلى 2500 عام مضت، غالباً ما تهدف إلى تقديم صورة مبالغ فيها لـ "شيطنة" كيان معين أو "تأليهه" عن طريق تجاهل التحولات التي طرأت على الهوية، الأيديولوجيات، والنظام الدولي عبر الزمن.

ينطلق المقال من فكرة مفادها أن الجغرافيا تفرض على إيران تبني سياسة توسعية. صحيح أن الجغرافيا تلعب دوراً مهماً في تحديد معالم الجيوسياسية، لكن الاعتقاد بأنها عامل حتمي غير قابل للتغيير يعد خطأً منهجياً. فالجغرافيا وإن كانت ثابتة، إلا أن القرارات والسلوكيات السياسية تتغير عبر الزمن. وخير مثال على ذلك سويسرا، التي على الرغم من طبيعتها الجبلية وانغلاقها الجغرافي، لم تسلك يوماً طريق التوسع الإمبراطوري.

تكمن المشكلة الرئيسية في المقال في فرضيته التي تعتبر الهضبة الإيرانية المحرك الأساسي وراء السياسات التوسعية، في حين أن تاريخ الدول يُظهر بوضوح أنها تتوسع عندما تمتلك فائضاً من القوة وتنكفئ عندما تضعف، بغض النظر عن شكل تضاريسها أو طبيعة موقعها الجغرافي.

ما يغفله المقال أيضاً هو أن الواقع الحالي للعلاقات الدولية والصراعات يختلف جذرياً عن السياقات التاريخية التي تعود إلى آلاف السنين. هنا يقع الكاتب فيما يعرف عند المؤرخين بـ "إسقاط المفاهيم الزمنية"، حيث ينسب أفكار الحاضر إلى الماضي. إن الإمبراطوريات القديمة مثل الأخمينيين والساسانيين كانت تستند إلى صراعات السلطة والقوة وليست قائمة على أسس قومية بالمعنى الحديث. مفهوم القومية كما نعرفه اليوم لم يولد إلا في القرن التاسع عشر. بالتالي، ربط طموحات كورش الكبير بالرؤى السياسية لـ "الجمهورية الإسلامية" الحالية ليس إلا إسقاطاً غير واقعي يتجاهل التحولات التاريخية في الدين، والخطاب السياسي، والنظام العالمي الذي انتقل من نظام إمبراطوري هيمني إلى نظام دولي متعدد الأطراف.


الخلط بين البحث العلمي والخطاب التعبوي
المقال يبتعد عن الموضوعية باستخدام لغة مشحونة عاطفياً ومصطلحات غير حيادية في سياق البحث التاريخي، مثل "الحكومات السنية الكافرة" أو "الميليشيات العميلة". فهذه المصطلحات تنتمي للمنشورات السياسية، ولا يمكن اعتبارها جزءاً من "دراسات وبحوث في التاريخ واللغات" كما يذكر المحور الذي نُشر فيه المقال.

عوامل المقارنة تتباين بين البحث التاريخي العلمي والخطاب الذي يقدمه سليم مطر.
البحث التاريخي العلمي يهدف إلى تحليل وفهم سياق الأحداث في أزمانها المختلفة بطريقة موضوعية. أما خطاب المقال فينطلق من توظيف الماضي لتبرير الصراعات الحاضرة وربطها بجذور تاريخية لها.
في السياق البحثي التاريخي، تُفسَّر الأحداث بناءً على عوامل اقتصادية، واجتماعية، وسياسية متعددة ،ومعقدة. وعلى النقيض من ذلك، يعتمد خطاب سليم مطر على ما يمكن وصفه بأنه "غريزة" جغرافية وتوسعية متأصلة يُعتقد أنها تحرك الأحداث.
يصور الموقف التاريخي الهوية بوصفها متغيرة ومتحولة عبر الزمن (مثل الوثنية، الإسلام، التشيّع، والقومية). بينما يتمسك الخطاب الأيديولوجي بمفهوم هوية ثابتة وتوسعية واحدة تمتد جذورها لمدة تتجاوز 2500 عام.
اللغة المستعملة في البحث التاريخي تتسم بالوصفية والحيادية العلمية، مقارنة بخطاب المقال الذي يكثر فيه الاعتماد على أسلوب عاطفي تعبوي، موجه نحو التخوين واستثارة المشاعر العامة.



المقال يستخدم التاريخ كأداة (Instrumentalization of History) لخدمة موقف سياسي آني. التاريخ الحقيقي هو دراسة "التغير"، بينما هذا النوع من المقالات يحاول إقناعنا بأن "لا شيء يتغير"، وأن الصراع أبدي وقدري، وهذا أبعد ما يكون عن العلم.

إن التاريخ الحقيقي أكثر تعقيدًا وأكثر ارتباطًا بالجانب الإنساني من اختزاله في مفهوم "غريزة توسع" جغرافية.
فيما يتعلق بالعصر الأخميني (550–330 ق.م)، ذكر المقال: "احتلوا بابل ودمروا أجزاء منها عقابًا لها، وكان هدفهم السيطرة على السهول." إلا أن الوقائع التاريخية تقدم صورة مختلفة تمامًا. فقد كانت الإمبراطورية الأخمينية أول إمبراطورية عالمية في التاريخ، ولم تكن مجرد "دولة قومية إيرانية" بمعناها الحديث. بل جاءت هذه الإمبراطورية لتدشن نظامًا سياسيًا عالميًا هدفه الأساسي السيطرة على الطرق التجارية بين الهند واليونان.
أما الرواية التقليدية المتعلقة بتدمير بابل، فهي عارية من الصحة. فوفق ما ورد عن "كورش الكبير"، الذي دخل بابل كقائد يلقب بالمحرر، أعاد ترميم معابدها بما في ذلك معبد إيساكيلا وأبدى احترامه للإله مردوخ، كما تؤكد ذلك أسطوانة كورش الشهيرة. لم تكن بابل ضحية للتدمير، بل على العكس تمامًا، فقد أصبحت عاصمة شتوية للإمبراطورية بسبب قيمتها الثقافية والتاريخية الكبيرة.
وبالنسبة لنظام الحكم، فقد اعتمد الأخمينيون على سياسة المركزية الإدارية من خلال "المرزبان"، وهم الحكام المحليون الذين لم يكونوا دائمًا من أصول فارسية. وبالتالي، كان صراع الأخمينيين سياسيًا وإداريًا لضمان السيطرة على الموارد وتأمينها، ولم يكن نزاعًا عرقيًا ضد "المشرق العربي"، الذي لم يكن موجودًا في ذلك الوقت ككيان سياسي موحد.

العصر الصفوي (1501–1722 م)
ورد في المقال أن احتلال العراق جاء تحت ذريعة تحرير مراقد الشيعة، لكن جرى طرد المحتلين لكونهم غرباء. غير أن الواقع التاريخي يتحدث عن مواجهة بين قوتين عظيمتين: الصفويين والعثمانيين. هذه المواجهة لم تكن صراعاً إيرانياً عربياً على المستوى القومي أو العرقي، وإنما تنافساً بين إمبراطوريتين مسلمتين أعتمدتا في قيادتهما السياسية والعسكرية بشكل كبير على القوى التركمانية.

في ذلك الصراع، استخدم الدين كأداة للشرعية السياسية؛ حيث وظف الصفويون المذهب الشيعي لتمييز هويتهم السياسية والدينية عن الدولة العثمانية ذات التوجه السني، بهدف ضمان ولاء الشعوب والجيش داخل حدودهم. أما العراق، بما يحمله من أهمية جيوسياسية ومكانة دينية خاصة بمقدساته، فقد لعب دور ساحة المعركة بدلاً من أن يكون الهدف النهائي للصراع.

وكان الدافع الرئيسي وراء السيطرة على العراق يتصل بمصالح اقتصادية كبيرة. ففي ذلك الحين، يعني التحكم به السيطرة على طرق الحج والتجارة البرية، وهما مصدران رئيسيان للعائدات المالية التي كانت ذات أهمية بالغة لأي إمبراطورية خلال تلك الحقبة.

يغفل المقال تماماً أن السيطرة على العراق أو الشام كانت ضرورة لأي قوة (سواء كانت من الهضبة الإيرانية، أو من الأناضول، أو حتى من أوروبا لاحقاً) لأنها حلقة الوصل بين الشرق والغرب.
في العصور القديمة والوسطى، لم تكن الدول تعترف بـ "الحدود الوطنية". كانت الإمبراطورية إما أن تتوسع أو تتلاشى. التوسع لم يكن "خصلة إيرانية"، بل كان "قانون بقاء" لكل القوى (بما في ذلك الإمبراطوريات الإسلامية العربية التي وصلت إلى حدود الصين وفرنسا).
المقال يتحدث عن "المشرق العربي" ككيان سياسي واحد تعرض للغزو، بينما في تلك العصور كانت هذه المناطق عبارة عن ولايات أو ممالك متفرقة تتصارع فيما بينها أحياناً وتتحالف مع "الغزاة" أحياناً أخرى بناءً على المصلحة.

لو طبقنا منطق المقال على "إيطاليا" مثلاً، لقلنا إن إيطاليا الحديثة لديها "غريزة احتلال العالم" لأن الإمبراطورية الرومانية احتلت كل سواحل المتوسط! هذا الربط يتجاهل تماماً التحولات الاجتماعية والسياسية الهائلة التي حدثت عبر القرون.

الحقيقة أن التاريخ يُكتب لفهم الماضي، لا لمحاكمة الحاضر بأدوات قديمة. الكاتب هنا استخدم "قصاصات" تاريخية ليصنع "لحافاً" سياسياً يغطي به موقفه الحالي.
إيران التي نراها اليوم ليست "نسخة كربونية" من بلاد فارس القديمة، بل هي نتاج مخاض سياسي عنيف في القرن العشرين.
الحقبة البهلوية: اختراع "إيران القومية" (1925–1979)
قبل عهد رضا شاه، كانت المنطقة تُعرف بالممالك المحروسة الإيرانية، وهي كيان سياسي غير مركزي يضم تنوعاً واسعاً من الأعراق والمذاهب تحت سيادة الشاه. ومع اعتلاء رضا شاه العرش، استوحى سياساته من التجربة الكمالية في تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. في هذا السياق، عمد إلى تغيير اسم البلاد من فارس، الذي يشير إلى منطقة محددة ويعكس طابعاً إقليمياً ضيقاً، إلى إيران لتعزيز فكرة الوحدة العرقية لجميع الشعوب الإيرانية، بما يتجاوز التركيز على الفرس فقط.

ترافق هذا التحول مع فرض اللغة الفارسية كلغة رسمية وحيدة تُستخدم في التعليم والإدارة، مما أدى إلى تهميش اللغات والثقافات الخاصة بالمجموعات القومية الأخرى، مثل العرب في منطقة الأحواز، والأكراد، والآذريين. ومن هنا برزت نزعة قومية حديثة محورية اصطدمت في وقت لاحق بصعود الحركات القومية العربية التي كانت تشهد زخماً آنذاك.

أما فيما يتعلق بالصراعات الحدودية، مثل النزاع حول شط العرب أو الجزر الثلاث، فقد ظهرت هذه القضايا كصراعات بين كيانات سياسية حديثة التكوين تسعى لترسيخ حدودها وسيادتها الوطنية، وليست امتداداً للصراعات الإمبراطورية التقليدية القديمة، ما يعكس تحولاً في طبيعة التفاعلات الإقليمية نحو أنماط أكثر حداثة.

الثورة الإسلامية: من "الآرية" إلى "الأممية الشيعية" (1979–الآن)
عند قيام الثورة، شهدت الهوية تحولاً جذرياً حيث استبدل النظام الجديد مفهوم "القومية الفارسية" بفكرة "الأممية الإسلامية" من منظور شيعي. هذا التغيير هو ما يربكه الكاتب مع محاولات التوسع الإمبراطوري التقليدية.
الإمبراطوريات القديمة كانت تعتمد على تحريك جيوش نظامية بهدف فرض السيطرة على الأراضي، في حين أن النظام الحالي يعتمد على نشر أيديولوجيا تتجاوز الحدود، مما يؤدي إلى خلق ولاءات داخل المجتمعات العربية ذاتها، مثل حالات حزب الله والحوثيين.

الفرق بين "التوسع الإمبراطوري" و"النفوذ الإقليمي الحديث"
المقال يخلط بين مفهومين مختلفين تماماً . بينما ركزت الإمبراطوريات القديمة على جمع الجزية والاستيلاء على الموارد والسيطرة على المساحات الجغرافية، تحول الدافع في الدولة الحديثة إلى تعزيز الأمن القومي، تحقيق النفوذ الجيوسياسي، واستخدام أوراق الضغط المختلفة.



لماذا يصر البعض على ربط الحاضر بالماضي البعيد؟
استحضار الرموز التاريخية مثل "كورش" أو "كسرى" في صراعات عام 2026 يُعد أسلوباً سياسياً بامتياز. الهدف الإيراني من ذلك هو تعزيز الشعور بالفخر الوطني التاريخي، بينما يسعى الجانب المعارض، مثل سليم مطر، إلى تقديم الخصم كـ "عدو تاريخي أزلي" غير قابل للتفاهم، ما يؤدي إلى إغلاق أبواب الحوار السياسي ويفتح المجال أمام صراعات وجودية.

التاريخ ليس مساراً إجبارياً تسير عليه الأمم، وما تقوم به إيران اليوم هو سياسة قائمة على المصالح لدولة حديثة في منطقة تعاني من توتر مستمر، شأنها في ذلك شأن أي قوة إقليمية أخرى. تغليف هذه السياسات بغلاف ديني أو تاريخي هو مجرد وسيلة لتسويق هذه المصالح.

اتفاقية الجزائر المبرمة عام 1975 تعد مثالاً بارزاً يُفند نظرية "الصراع الوجودي القديم" التي روج لها مقال سليم مطر. هذه الاتفاقية لم تكن مواجهة بين حضارات أو أعراق، بل كانت صفقة سياسية باردة ومحسوبة بين نظامين يسعيان لتحقيق مصالحهما الضيقة. الاتفاقية تبرز كيف تُدار السياسة بواقعية بعيداً عن أساطير التاريخ، خاصة عندما كانت إيران في ذروة التوتر تدعم الحركة الكردية المسلحة في العراق بالسلاح والمال والمدفعية من أجل الضغط على بغداد.

الاتفاق الذي تم بين الجانبين لم يكن مرتبطاً بالتاريخ الأخميني أو المواقع الدينية، بل كان متعلقاً بخطوط جغرافية ومصالح أمنية محددة. وافق صدام حسين على مسألة التنازل الجزئي عن السيادة المطلقة على شط العرب وقبول أن يكون خط الحدود هو "خط التالوك"، وهو المطلب الإيراني الدائم. في المقابل، تعهد الشاه بوقف الدعم الكامل للحركة الكردية المسلحة بقيادة البارزاني وإغلاق الحدود أمامهم. فور توقيع الاتفاقية، سحب الشاه دعمه تماماً مما أدى إلى انهيار الحراك المسلح خلال أيام معدودة.

هذا يثبت أن إيران لم تكن تعمل بدافع توسعي صرف، بل استخدمت الورقة الكردية كأداة ضغط للحصول على مكاسب في ملف شط العرب. كما يثبت أن العراق كان مستعداً لتقديم تنازلات في قضية حدود مائية مقابل الحفاظ على وحدة أراضيه في الشمال.

لماذا تعتبر هذه الاتفاقية نسفًا لما جاء في مقال سليم مطر؟
ينطلق مقال سليم مطر من وجهة نظر معينة تعكس فهمًا تاريخيًا وثقافيًا ممتدًا عبر الزمن حول طبيعة العلاقات الإيرانية مع محيطها الإقليمي، حيث يرسم المقال تطلعات إيران الدائمة للتوسع والهيمنة كمعطى دائم ومتكرر. في المقابل، إذا ما تم العودة إلى السياق التاريخي الذي جاءت منه اتفاقية عام 1975، نجد أن منطق الاتفاقية كان مختلفًا تمامًا وأنه مبني على واقع سياسي وجيوسياسي محدد.

فيما يخص النقطة الأولى، يشير مقال سليم مطر إلى أن إيران تحمل دائمًا طموحات احتلالية وتوسعية غير محدودة، مستندًا إلى فكرة استمرار هذه العقلية على مر العصور. لكن، يوضح النهج المتبع في "اتفاقية الجزائر لعام 1975" أن إيران وافقت على تقسيم موارد شط العرب والاكتفاء بما يُعادل "نصف النهر"، مما يشير إلى رغبتها في تحقيق استقرار حدودها والحد من الصراعات المطولة.

أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية حول البعد الديني والطائفي (السنة مقابل الشيعة)، فإن واقع اتفاقية 1975 يقدم صورة مغايرة تمامًا. إذ يكشف التاريخ أن النظام الشاهنشاهي الإيراني "الشيعي" آنذاك كان في تحالف وثيق مع إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى نحو مفارق وعملي، تعاون مع نظام بعثي عراقي تحت حكم صدام حسين - المعروف بممارساته ضد الأكراد السنة - للتوصل إلى اتفاق يُرضي الطرفين. وهذا يبرز أن المصالح الجيوسياسية قد تجاوزت الأطر الطائفية الضيقة التي يفترضها المقال.

وبالنسبة للنقطة الأخيرة المتعلقة بامتداد الوضع الراهن على مدى 2500 عام، فإن الوقائع المرتبطة بالاتفاقية تشير إلى أن النزاع كان في معظمه حديث العهد، نشأ عن ترتيبات حدودية فرضتها القوى الاستعمارية في إطار اتفاقيات دولية مثل اتفاقية عام 1937. وبالتالي، لا يمكن تبسيط هذا الإشكال ورده إلى صراع حضاري طويل الأمد دون فهم السياقات العملية والمباشرة التي أوجدت مثل تلك الأزمات الحدودية.

من جميع هذه الزوايا، يبدو أن اتفاقية الجزائر لعام 1975 تناقض بعض الحجج الرئيسية التي طرحها سليم مطر في مقاله، إذ إن هذه الاتفاقية تمثل نموذجًا لنمط من التسويات السياسية الواقعية التي تهدف إلى معالجة تحديات محددة بعيدًا عن إسقاطات تاريخية واسعة النطاق أو تفسيرات متحيزة.

التقلب التاريخي
بعد سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية، قام صدام حسين بتمزيق الاتفاقية على الهواء مباشرة وبدأ الحرب (1980-1988) لاستعادة ما تنازل عنه في 1975.
هذا التغيير في المواقف (من اتفاق إلى حرب) يؤكد أن القرارات السياسية للأفراد والأنظمة هي التي تؤثر في مسار التاريخ وتكتبه، وليست "الجغرافيا الجبلية المغلقة" كما زعم الكاتب.

أرى أن مقال سليم مطر نوعاً من "التاريخ المؤدلج" الذي يختار من الماضي ما يخدم صراع اليوم، بينما الواقع يقول إن القوى الإقليمية (إيران، تركيا، الدول العربية) تتصرف وفق موازين القوى والمصالح، وتستخدم "الشعارات التاريخية والدينية" فقط لتعبئة الجماهير.



المصادر والمراجع

أولاً: تاريخ العصور القديمة (إيران وبلاد الرافدين)

بريان، بيير. (2010). "من كورش إلى الإسكندر: تاريخ الإمبراطورية الفارسية". ترجمة: بشير السباعي. القاهرة: المشروع القومي للترجمة.
ويسهوفر، جوزيف. (2004). إيران القديمة: من 550 ق.م إلى 650 م. ترجمة: محمد خليفة حسن. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة.
بيرنيا، حسن (مشير الدولة).(طبعة رابعة). تاريخ إيران القديم (إيران باستان). بالفارسي

ثانياً: التاريخ الحديث والجيوسياسي

أمانات، عباس.(2021). إيران: تاريخ حديث. بالفارسي
إبراهيميان، إيرفاند. (2011). تاريخ إيران الحديثة. ترجمة: فارس منصور. بيروت: دار التنوير.
بطاطو، حنا. (1995). العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية. ترجمة: عفيف الرزاز. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. (يوضح سياق اتفاقية الجزائر 1975).

ثالثاً: في نقد المنهج والخطاب

سعيد، إدوارد. (2006). الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة: محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع. (لفهم مغالطة "تنميط الشعوب").
أندرسون، بندكت. (2014). الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة: ثائر ديب. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

خاتمة من وحي "حسن بيرنيا": التاريخ كجسر لا كجدار

في كتابه "تاريخ إيران القديم"، لم ينظر حسن بيرنيا إلى الهضبة الإيرانية كقلعة معزولة تريد "افتراس" جيرانها، بل نظر إليها كحلقة وصل في سلسلة الحضارة الشرقية.

الدرس الأهم الذي نتعلمه من منهج بيرنيا هو: إن عظمة الإمبراطوريات القديمة لم تأتِ من "الغزو الغريزي"، بل من قدرتها على استيعاب عبقرية الشعوب التي حكمتها. بابل لم تكن "عدواً" في عين كورش أو داريوش، بل كانت "المعلم الأول" في السياسة والقانون والعمارة.

إن محاولة تصوير الجغرافيا كـ "لعنة" تفرض التوسع والاحتلال الأبدي هي إهانة للعقل البشري الذي أثبت عبر العصور قدرته على بناء المعاهدات، وتغيير الهويات، وتبادل المصالح. التاريخ عند بيرنيا هو مسيرة "القانون" (داد)، والقانون بطبيعته يميل إلى الاستقرار والعدل لا إلى الفوضى والتدمير.

لذا، فإن الرد الحقيقي على خطاب "العداء القدري" هو العودة إلى جوهر التاريخ العلمي: التاريخ الذي يجمع الشواهد ليفهم الإنسان، لا الذي يزور الحقائق ليشحن الجماهير.



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية: زجاج الحقيقة
- استقرار إيران ضرورة استراتيجية للشرق الأوسط
- اشتراكية الإنسان.. لا -رأسمالية الدولة- البيروقراطية
- وهم القطيعة مع الواقع
- بعد أفول الإسلام السياسي- 2
- بعد أفول الإسلام السياسي- 1
- طيف القنب.. وابتسامة الزمان
- حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي ...
- برزخ الكينونة
- ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
- من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
- أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات ...
- إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو ...
- خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
- سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
- إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
- من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
- بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
- أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
- صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي


المزيد.....




- ترامب لشبكة CNN: كوبا ستسقط قريبا جدا
- صور جديدة تُشير إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن قصف مدرسة إي ...
- النزوح يجبر راعياً لبنانياً على السير 5 أيام مع قطيعه هرباً ...
- لبنان: 217 قتيلا حصيلة الغارات الإسرائيلية وجرح 8 جنود إسرائ ...
- ما الذي تبقى من البرنامج النووي الإيراني وهل مازال يشكل تهدي ...
- هل استطاعت إيران امتصاص الضربة الأولى وهل تتعافى؟
- عزل جنوب الليطاني.. تداعيات تتجاوز مآسي -نزوح مفتوح- في لبنا ...
- توسع التصعيد إقليميا.. طهران تحذر من فتح جبهة كردستان
- هيكل للجزيرة قبل 19 عاما: واشنطن لا تريد تدمير إيران بل تغيي ...
- -فوق السلطة-: من هو الواشي الذي قاد إلى اغتيال خامنئي؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حميد كوره جي - أسطورة -العدو الأزلي-