أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه؟















المزيد.....

سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه؟


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن انهيار نظام الشاه في إيران عام 1979 مجرد لحظة سياسية عابرة، بل كان النتيجة المتوقعة لتراكم أخطاء استراتيجية متشابكة أضعفت بنيان الدولة من الداخل. على الرغم من امتلاك البلاد ثروة نفطية ضخمة وطموحات إمبراطورية واسعة، إلا أن النظام تهاوى لأنه أقام "حداثة سطحية بلا جذور راسخة"، وأدار شؤون الدولة بعقلية مختصرة اعتمدت على حلول عاجلة أسهمت في استنزاف موارد البلاد وتدمير أسس استقرارها.

الثورة البيضاء: إصلاح أفضى إلى زعزعة

كان الخطأ الحاسم وربما الأكثر فتكاً في تجربة "الإصلاح الزراعي" هو النهج الذي اعتمد في تنفيذه. بدلاً من بناء طبقة وسطى ريفية مستقرة وقوية، جرى تقسيم الأراضي بشكل عشوائي وغير مدروس، مما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاجية الزراعية. تحول المزارعون من إنتاج الحبوب الأساسية إلى زراعة محاصيل الفاكهة التي عجزوا عن تسويقها بكفاءة، ما أسفر عن تدهور الأمن الغذائي في إيران. ومع تفكيك النظام التقليدي لإدارة المراعي (نظام الغارق) واستبداله بمحاولة تأميم غير ناجحة، اختفت الثروة الحيوانية تدريجياً. دفع ذلك الآلاف من الفلاحين المهمشين والمحرومين إلى النزوح نحو أطراف المدن الكبرى، حيث شكلوا كتلة بشرية ناقمة أصبحت فيما بعد المحرك الأساسي لانفجار الثورة.

الانفصام اللوجستي وإهدار الموارد الوطنية

في حقبة السبعينيات، شهد النظام حالة من النشوة الكبيرة التي صاحبها ما عُرف بـ "طفرة النفط"، وقد انعكس ذلك في اندفاعه المحموم نحو شراء التكنولوجيا والمعدات الحديثة بمبالغ هائلة تقدر بالمليارات من الدولارات. ولكن، كانت المشكلة الكبرى تكمن في غياب بنية تحتية متكاملة أو نظام تشغيلي قادر على استيعاب هذه التقنيات والمعدات بشكل فعال. وكنتيجة لهذا التخطيط غير المتماسك، تراكمت المعدات في الموانئ الإيرانية لتتعرض لعوامل الطقس وتتحول إلى معادن صدئة عديمة الجدوى، بينما بقي الأسمنت المستورد قابعاً مكشوفاً في العراء، متحجراً وغير صالح للاستخدام، بسبب عدم توفر شبكات طرق حديثة أو أسطول من الشاحنات لنقله والاستفادة منه.

هذا المشهد الكارثي جسد صورة حية لما يمكن وصفه بالعمى الإداري والفقر الواضح في القدرة التخطيطية للنظام، حيث توافرت الأموال بشكل غير مسبوق، ولكن غاب عنها العقل المدبر والرؤية الاستراتيجية. النتيجة كانت واضحة: تبديد هائل للثروات الوطنية التي كان من الممكن أن تُستغل بذكاء لدفع عجلة التنمية المستدامة. بدلاً من ذلك، تحولت هذه الوفرة المالية إلى عبء اقتصادي تضخمي أدى إلى تفاقم المعاناة الاقتصادية وسحق الطبقات الفقيرة التي تحملت تبعات هذا الهدر وعدم الكفاءة الإدارية.

اللعب بالنار: إطعام الوحش لمواجهة الشبح

قد يكون أحد أفدح الأخطاء السياسية التي ارتكبها الشاه هو استراتيجيته في مواجهة "اليسار". ففي الوقت الذي استنزف فيه السافاك قوى الأحزاب الاشتراكية والليبرالية، وقمع الحراك المدني بكل قوة، وفّر للمساجد والمراكز الدينية فرصة التوسع والنمو كبديل وحيد. عمل النظام على دعم رجال الدين، ماليًا ومعنويًا، معتقدًا أنهم يشكلون حاجزًا فعالًا ضد "المد الأحمر" الشيوعي. لكنه فشل في إدراك أنه كان بهذه الخطوة يقيم "دولة خفية داخل الدولة". وعندما اندلعت الاحتجاجات، لم يجد الشعب منبراً منظماً وقوياً سوى تلك الشبكة الدينية التي قام النظام نفسه برعايتها، لتتحول لاحقًا إلى القوة التي أطاحت به ودفعته نحو المنفى.

الفردية القاتلة وغياب الحكمة الجماعية

أدار محمد رضا بهلوي إيران بعقلية "القائد الأوحد"، حيث ألغى المؤسسات المدنية وجعل الأحزاب مجرد كيانات شكلية خالية من المضمون. كما قمع روح النقد لدى التكنوقراط، مما أسفر عن استبداد إداري ضيق الأفق. هذا النهج خلق فجوة عميقة بين القيادة والشعب، إذ أصبح صانع القرار معزولًا في "جزيرة من التقارير المزيفة"، في حين كانت أرض الواقع تغلي بمظاهر الفشل المتعددة، مثل ظاهرة بصل بندر عباس الذي انتهى به المطاف في البحر.

كان الشاه يعاني من أزمة شرعية عميقة. فالسلالة البهلوية التي ينتمي إليها كانت حديثة العهد، إذ تأسست على يد والده رضا شاه، ولم تكن لديها جذور تاريخية ممتدة كالتي تميزت بها السلالات القاجارية أو الصفوية. لذلك، سعى لتجاوز التاريخ الإسلامي لإيران وربط نفسه مباشرةً بشخصية كورش العظيم، في محاولة لإقناع الشعب والعالم بأنه الوريث الشرعي لإرث إمبراطورية عريقة. لكن معارضيه لم يروا في ذلك إلا محاولة لافتعال "شرعية وهمية".

الاحتفالات التي نظمها ركزت بشكل مفرط على الفترات التاريخية "ما قبل الإسلامية"، الأمر الذي اعتبره غالبية الشعب الإيراني تعدياً على الهوية الإسلامية التي يعتزون بها. هذا الانفصال الثقافي منح رجال الدين، وعلى رأسهم الخميني الذي أدان هذه الاحتفالات من منفاه بوصفها "مهرجاناً شيطانياً"، فرصة ذهبية لإشعال غضب الجماهير وتصوير الشاه كقائد منفصل عن قيم شعبه ومتبنٍ لطريق غربي مغترب.

ورغم أن الشاه كان يهدف من خلال هذه الاحتفالات إلى إظهار إيران كقوة عالمية متقدمة قادرة على استعادة أمجادها الغابرة، إلا أن النتائج جاءت عكسية. فقد انتقدت الصحافة الغربية الإسراف المبالغ فيه، مما سلط الضوء على التفاوت الطبقي الصارخ داخل إيران بدلاً من تعزيز صورة البلاد في الخارج.

في احتفالات تخت جمشيد عام 1971، أضاع الشاه مبالغ هائلة في تنظيم مراسم فخمة حاول من خلالها تقديم نفسه كخليفة لكورش العظيم. ولكن بينما كان يبني أحلاماً إمبراطورية في قلب الصحراء، كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب، خاصة في الأرياف والمناطق المهمشة، تغلي بالغضب. وفي الوقت الذي سعى فيه إلى كسب إعجاب حكام العالم، فقد اعتراف أبناء شعبه به. وهكذا تحوّل حلمه الإمبراطوري إلى مسرحية عبثية لم تؤدِ إلا لتسريع انهيار نظامه السياسي بالكامل.

لإدراك المتأخر هو ذلك الإدراك المتألم الذي يأتي بعدما يكون الأوان قد فات لاتخاذ إجراءات فعالة. حين أدرك الشاه في شهر نوفمبر 1978 مدى تدهور الأوضاع، لم يكن أمامه سوى الاعتراف بالكارثة، لكنه جاء متأخرًا إلى حد أنه لم يعد ينقذه شيئًا. توجه بخطاب إلى الشعب قائلاً إنه استمع أخيرًا إلى "صوت ثورتهم"، إلا أن هذا التصريح لم يكن إلا إقرارًا بهزيمة نظامه، ولحظة انتهاء شرعيته في نظر الشارع الغاضب. فقد اعترف بالظلم والفساد الذي طال نظامه في توقيت تجاوز فيهَ المطالب الشعبية حدود الإصلاح إلى الإصرار على تنحية النظام بأكمله.

انتهى حكم الشاه نتيجة إخفاقه في قراءة نبض المجتمع واستيعاب تطلعاته. حاول فرض التحديث من الأعلى دون أن يمنح الشعب فرصة المشاركة الحقيقية، واستعاض عن النقاش السياسي بالقوة الأمنية. كما توهّم أن عائدات النفط يمكن أن تشتري الولاء بلا حدود. وفي نهاية المطاف، دفع الثمن غاليًا، إذ أصبحت سلالته ضحية لسياسة "الاختصارات" التي اعتمدها لتحقيق أحلامه الكبرى. وبينما كان يسعى لجعل إيران قوة عالمية كبرى، كان يهدم أسسها الاجتماعية التقليدية ويهمّش شعبها، مضحيًا بالواقع على مذبح أماني لم تتجاوز كونها أوهامًا لم ترى النور.

مالمو
2026-04-20



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول
- خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
- تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
- تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
- وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً
- سرّ بقاء نظام ولاية الفقيه
- عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
- روح العالم على حصان والكاوبوي راكبا صاروخ
- جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز
- حين تروض -الأسواق- ما عجزت عنه -الصناديق-
- ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط
- قُدّاسُ الملحِ.. وهذيَانُ الجسدِ العاري
- أسطورة -العدو الأزلي-
- مسرحية: زجاج الحقيقة
- استقرار إيران ضرورة استراتيجية للشرق الأوسط
- اشتراكية الإنسان.. لا -رأسمالية الدولة- البيروقراطية
- وهم القطيعة مع الواقع
- بعد أفول الإسلام السياسي- 2


المزيد.....




- طهران وواشنطن.. الوصول إلى صفقة صعبة أم الانزلاق نحو مواجهة ...
- -الزاوية الألمانية-.. التقاء النهرين الذي جمع أشلاء ألمانيا ...
- استقالة جديدة في إدارة ترامب.. وزيرة العمل تترك منصبها بعد س ...
- أعمال عنف في مبارة اتحاد العاصمة الجزائري وأولمبيك آسفي المغ ...
- تدريبات عسكرية مشتركة لأول مرة بين الشرق والغرب في ليبيا: خط ...
- الجزائر تطلق عروضا دولية لاستكشاف النفط والغاز
- صورة صادمة من جنوب لبنان.. جندي إسرائيلي يحطم تمثالا للمسيح ...
- ما حيثيات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة في باكستان؟
- برلين تستدعي سفير روسيا وموسكو تعتقل ألمانية بتهمة الإرهاب
- إيلون ماسك يتغيب عن استجواب بباريس بشأن إساءة استعمال -إكس- ...


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه؟