|
|
أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 03:47
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
لقد عشنا ولا نزال كيسار وحاملي الفكر الاشتراكي واقعاً تاريخياً مؤلماً في المنطقة، حيث طغت "الماركسية الستالينية" أو النماذج الجاهزة التي صدّرها الاتحاد السوفيتي على الفكر النقدي الأصيل. وأخيراً، علمنا أن ما وصل إلينا كان عبارة عن "كتيبات مبسطة" بدل الجوهر الفلسفي والمنهجي العميق الذي قدمه ماركس. لقد تم تحويل المادية الجدلية من أداة تحليل ديناميكية إلى إطار جامد لـ"قدرية تاريخية"، تُصور الشعوب وكأنها مجرد قطع شطرنج تتحرك وفق قوانين حتمية، وهو تصور يتناقض تماماً مع تركيز ماركس على دور الإنسان الواعي وأهمية "الممارسة" الفعلية. أما أفكار ماركس، الذي كان يؤكد على رفض الجمود الفكري بقوله "كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً"، فقد أصبحت تُعامل كنصوص مقدسة غير قابلة للنقد أو التأويل، مما أسهم في القطيعة مع الواقع المتغير ومع ما حققه العلم الحديث من تقدم. كان التوجه نحو مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" بمعناها القمعي والمؤسساتي محل تركيز أكبر، بينما تاهت عن الأنظار الغاية الأساسية لماركس والمتمثلة في "تحرير الإنسان" من الاغتراب، وهو الطموح الأعلى الذي تظهره كتاباته الأولى والمبكرة. إعادة قراءة ماركس بعيداً عن تفسيرات الوسطاء الذين قاموا بتحوير نصوصه لتخدم الأنظمة الاستبدادية هي خطوة أولى لاستعادة القوة النقدية التي يتميز بها هذا الفكر. فجوهر الماركسية يكمن في تحدي الوضع القائم ونقده، وليس في تبريره تحت غطاء الأيديولوجيا. الإشكالية لم تقف عند حدود "اللغة" كوسيلة نقل فقط، بل تجاوزتها إلى "الأيديولوجيا" التي قامت بتوجيه عمل المترجم بما يخدم أهداف سياسية محددة. وهكذا تحولت عملية الترجمة من كونها وسيلة لنقل المعرفة إلى أداة لـ"فرز سياسي"، تتكيف فيها النصوص وفقًا لتحالفات وقناعات تلك المرحلة التاريخية. لكي تتماشى الماركسية مع حركات التحرر الوطني والبرجوازية المحلية، جرى تغليب الخطاب القومي على حساب الصراع الطبقي. فقد تم استبدال مفهوم "البروليتاريا العالمية" بمصطلحات فضفاضة مثل "الشعب" أو "الجماهير الكادحة"، بهدف استقطاب الحلفاء من البرجوازية الوطنية الذين كانوا يخشون الطروحات الطبقية الجذرية. في تلك الفترة، اختارت دور النشر المرتبطة بالمنظومة السوفيتية، مثل دار التقدم، نصوصاً بعينها من كتابات ماركس ولينين، مع تجاهل أخرى. فتم التركيز على مفاهيم مثل "المادية الديالكتيكية" كنظريات ثابتة، بينما أُهملت أفكار ماركس حول "الاغتراب" و"النزعة الإنسانية"، نظراً لما تحمله هذه الأفكار من إمكانية تهديد البيروقراطية السوفيتية نفسها بالنقد. كما تم تقديم الدولة في ترجمات الماركسية إلى اللغة العربية كأداة مقدسة للتنمية والبناء، رغم أن الفهم الماركسي الأصلي يعتبرها أداة للقمع الطبقي يفترض أن "تضمحل" في نهاية المطاف. هذا التلاعب بالمفاهيم كان ضرورياً لتفسير واستدامة الأنظمة الشمولية التي ادعت تبني الاشتراكية. وبدلاً من توظيف الماركسية لتحليل وزعزعة البُنى التقليدية، كالقبلية والدينية والطبقية، جرى تقديمها بصورة متصالحة مع هذه البُنى لجعلها أكثر قبولاً مجتمعياً. هذا النهج أدى إلى فقدانها لجوهرها النقدي وتصادمها الفكري، وتحولت في النهاية إلى أشبه بـ "ديانة مدنية" جديدة لا تمس أساس علاقات الإنتاج. هذا الوضع يفسر كيف نجد بعض الماركسيين العرب يدافعون عن أفكار تكرس قيم برجوازية أو محافظة، معتقدين أنها جزء من الفكر الماركسي، في حين أن هذه المفاهيم هي انعكاسات لتحريفات أفرزتها الآلة الأيديولوجية الستالينية التي أعادت تشكيل النظرية الماركسية لتتلاءم مع موازين القوى السائدة في تلك الحقبة. ما نواجهه اليوم ليس مجرد نقص في فهم الماركسية، بل حالة من "المعرفة الزائفة" التي تراكمت على مدى عقود. هذا النوع من المعرفة يعد أكثر خطورة من الجهل نفسه، لأنه يولّد قناعة مغلوطة بامتلاك الحقيقة، بينما في الواقع ما يُروج فقط هو قوالب جاهزة صاغتها أجهزة الدعاية خلال مرحلة الحرب الباردة. لم تكن الترجمة يوماً عملية محايدة أو بريئة؛ فقد شهدت تحريفات جوهرية استبدلت مفاهيم حيوية بأخرى مجرّدة خاوية. على سبيل المثال، تحوّل مفهوم "الممارسة" الذي يمثل الحلقة الوسطى بين النظرية والتطبيق الواعي، إلى "تطبيق" آلي محكوم بإملاءات حزبية جامدة. لقد بات كشف هذه التشوهات اللغوية الخطوة الأولى لاستعادة روح النص الأصلي لفكر ماركس. معظم الناس يقعون في خطأ متكرر بالخلط بين "رأسمالية الدولة"، التي تستبدل الرأسمالي التقليدي بالبيروقراطي، وبين الاشتراكية الحقيقية التي دعا إليها ماركس بوصفها عملية تحرر شاملة للفرد والمجتمع. فضح حقيقة أن التجربة السوفيتية، في مراحل كثيرة منها، كانت أبعد ما تكون عن أفكار ماركس حول اضمحلال الدولة وإطلاق حرية الفرد، هو خطوة في غاية الأهمية لتصحيح هذا الفهم المغلوط وتمزيق الستار عن التشويه الفكري السائد. تحولت الماركسية مع الوقت إلى أشبه بـ"دين مدني" مكتظ بالطقوس والرموز والقداسة غير القابلة للنقاش. ولا يمكن استعادة قيمتها النظرية إلا بإعادة النظر فيها كمنهج نقد علمي متجدد ومفتوح للمراجعة، حتى لو طال ذلك نقد نصوص ماركس نفسه. هذه الخطوة تمثل السبيل الوحيد لإخراج الماركسية من رفوف التاريخ وتحويلها إلى أداة تحليلية حيوية لفهم التحولات المعقدة للرأسمالية الحديثة، بما تحمله من هيمنة الخوارزميات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على حياة الإنسان. إن هذا المشروع هو بدرجة أساسية "معركة وعي". وكما أبرز ماركس في أطروحته الشهيرة، فإن تفسير العالم ليس سوى نقطة البداية، أما الغاية الحقيقية فتتمثل في تغييره فعلياً. وهذا التغيير المنشود يقتضي أولاً تحرير العقول من القيود الفكرية والتشويهات المتعمدة التي لحقت بالنظرية على مر الزمان. الأدب والفن يشكلان المنصة الإنسانية الأكثر قوة لاختبار جدوى الأفكار والنظريات بمعزل عن جفاف الشعارات. ففي حين قد تنجح المقالات السياسية في التلاعب بالأفكار واستخدام الأرقام لإقناع القارئ، يبقى الفن عصياً على الزيف؛ فهو يجبر الفكرة على مواجهة الواقع بإنسانيته الأصلية والمجردة.
الأعمال الأدبية العظيمة تعري كيف تنحرف السلطة، حتى تلك التي تدّعي تمثيل "البروليتاريا"، لتحوّل نفسها إلى وحش بيروقراطي يدمّر أحلام من أتى بها. على سبيل المثال، روايات مثل "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل — رغم استغلالها لأغراض سياسية — ما زالت تمثل درساً كلاسيكياً يعري كيف تُسرق الثورات على يد الأيديولوجيات المشوّهة، لتتحول الأحلام إلى كوابيس عبودية جديدة. إذا تأملنا تجربة برتولت بريخت، نجد أن مسرحه لم يكن مجرد وسيلة لنقل أيديولوجيا معينة، بل كان أداة تعليمية تسعى لتحفيز الجمهور على التفكير العميق ونقد الواقع الذي يعيش فيه. بريخت لم يكن يرغب في تقديم عرض يدفع الجمهور للتعاطف العاطفي السطحي، بل أراد أن يحفزهم على التساؤل: لماذا يتصرف هؤلاء الأشخاص بهذه الطريقة؟ ومن المستفيد من ذلك؟ هنا يتجلى دور الفن في تجسيد مفهوم "الاغتراب" الماركسي بطريقة ملموسة وفعّالة. عندما نتأمل الشخصيات المسحوقة في أعمال دوستويفسكي أو كافكا، أو حتى في الروايات الحديثة التي تتناول انحسار الإنسان أمام هيمنة "الخوارزمية" والذكاء الاصطناعي، نجد انعكاساً عميقاً للنقد الماركسي للرأسمالية دون الحاجة إلى الخوض في كتب الاقتصاد السياسي.
على صعيد السينما الواقعية، مثل السينما الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية أو السينما الإيرانية المعاصرة، نجدها قادرة على تسليط الضوء على جوهر الصراع الطبقي من خلال تصوير الأحداث اليومية بأسلوب بسيط ومباشر بعيداً عن أي تزييف أو تشويه ناتج عن الترجمات المغلوطة أو التأثيرات الأيديولوجية الرسمية للدول.
الأدب استطاع في كثير من الأحيان أن يُبقي على جوهر الفكر الماركسي، الذي ينادي بالنقد والتحرر، حتى في أوقات غيابه الحقيقي عن الساحة بسبب سيطرة الأنظمة والأحزاب التي شوّهت هذه الروح وحولتها إلى وسيلة تخدم أهداف القمع بدلاً من التحرير.
المفارقة الكبرى تكمن في أن الماركسية الرسمية قد ساهمت في تشويه إرث برتولت بريخت وتحويله إلى مجرد رمز مبسط لـ"شاعر الثورة"، متجاهلةً عمق مشروعه الذي كان في الأساس تمرداً على الأفكار الجاهزة والأساليب التلقينية. لقد أفرغوا مسرح بريخت من طبيعته الجدلية وحوّلوه إلى مجرد منصة للوعظ الأخلاقي، وهو ما يمثل قمة التحريف والتشويه. النظرة التقليدية لدى الشيوعيين كانت تفسّر مفهوم "التغريب" الذي أتى به بريخت على أنه وسيلة بسيطة تهدف إلى دفع الجمهور إلى كراهية الرأسمالي أو الإعجاب بالطبقة العاملة. إلا أن التغريب، في الأصل، هو أداة جدلية تعمل على كسر وهم المسرح التقليدي لتحفيز المتفرج على التأمل والتساؤل بشأن العلاقات الطبقية التي تختبئ خلف الأحداث الدرامية. رؤية بريخت تمحورت حول دفع الجمهور للتفكير والتساؤل: هل هذا الواقع طبيعي؟ أم أنه نتيجة لصراع طبقي يمكن تجاوزه وتغييره؟ لم يسعَ بريخت لتحويل رسالته إلى حكاية عن شخص برجوازي "شرير" فحسب، بل أراد تسليط الضوء على المنظومات التي تنتج مثل هذا الواقع.
في المقابل، الفهم السوفيتي التقليدي للطبقية غالباً ما اختزلها في قوالب صلبة وثنائية الأبعاد: العامل دائماً هو الطيب والبرجوازي دائماً هو الشرير. في حين أن بريخت قدم الطبقية بوصفها مجالاً متشابكاً من التناقضات الإنسانية والاجتماعية. خذ على سبيل المثال شخصية الأم شجاعة؛ فهي ضحية مأساوية للحرب ولكنها في ذات الوقت تاجرٌ يستفيد من الكوارث. هنا تتجلى الصراعات والتناقضات الطبقية، وهو ما لم يكن الفكر السوفيتي التقليدي قادراً على استيعابه، حيث كان يميل إلى تفضيل الشخصيات النمطية ذات البعد الواحد، التي تمثل أبطالاً إيجابيين يخدمون أجندات الدعاية الحزبية.
التوجه المشوه للماركسية في ظل الستالينية قدّم التاريخ كمسار خطي ثابت لا يقبل الجدل، حيث الانتصار الاشتراكي محتوم ومحكوم بالقَدَر. وعلى النقيض من ذلك، فإن مسرح بريخت يقوم على فكرة اللايقين، فهو يطرح المشكلات دون أن يقدم حلولاً جاهزة، بل يترك النهاية مفتوحة تدعو المتفرج للتفكير والفعل. بينما احتاجت الستالينية إلى "نهايات سعيدة" مطلقة تعزز سردية انتصار الاشتراكية، طرح بريخت رؤية مختلفة؛ ففي نظره لا يمكن اعتبار النصر حتمية، بل هو نتيجة لوعي عميق وفعل طبقي واعٍ.
هذا التشويه لفكر بريخت أدى إلى تهميش جوهر مشروعه الفكري. كثيرون نسوا أنه كان حتى في ألمانيا الشرقية صوتاً ناقداً ومتحفظاً تجاه البيروقراطية وتوحش الدولة التي تتحول إلى "إله جديد". بريخت لم يكن يسعى لنشر "إجابات جاهزة" بقدر ما أراد أن يستثير في جمهوره "أسئلة محرجة"، وهو الأمر الذي كان مصدر قلق دائم للشيوعيين التقليديين الذين فضّلوا تلقي التعليمات والإجابات القاطعة من الكُتيّبات الحزبية بدل التفكير النقدي المستقل.
لإعادة قراءة بريخت وفهم رسالته الحقيقية، ينبغي علينا أن نستعيد جوهر "منطق التناقض"، الذي يشكّل قلب النظرية الجدلية في الماركسية. بريخت لم يدعُ لإيمان أعمى بالماركسية كعقيدة جامدة، بل أرادها وسيلة تحليل وتفكيك للواقع بما يتيح للإنسان القدرة على تغييره بوعي وعقلانية. إن الخوف من الجدلية الذي يسيطر على عقول التقليديين كان الدافع وراء تفضيلهم لما يُعرف بـ "الواقعية الاشتراكية" بمعناها التجميلي السطحي، على حساب الواقعية النقدية لبريخت، التي رغم قسوتها أحياناً، تحمل طابع المواجهة البناءة والتفكير العميق. هذا النهج أدى إلى الانحراف الكبير الذي غير طبيعة الماركسية من كونها أداة لتحرر الطبقات العاملة إلى أن تصبح وسيلة تخدم مصالح البورجوازية الوطنية.
تحت شعارات مثل "التحرر الوطني" و"مناهضة الإمبريالية"، وقع تزوير الوعي الطبقي بشكل منهجي. وكانت النتيجة مدمرة: فقد تم دفع العمال والفلاحين نحو التصالح مع المستغِل المحلي، سواء كان إقطاعياً أو رأسمالياً "وطنياً"، بذريعة أن مواجهة المستعمر الأجنبي أو التصدي للصهيونية هي الأولوية المطلقة. هذا الانحراف جعل الاستقلال يتحول في الواقع إلى مجرد انتقال للسلطة، من يد المستعمر الأجنبي إلى يد المستغِل المحلي، دون أن يحدث أي تغيير جوهري في علاقات الإنتاج أو بنية المجتمع.
عندما يتم تصوير العدو دائماً على أنه "خارجي" يتجسد في الإمبريالية أو المؤامرات أو الصهيونية، يصبح من السهل إسكات المطالب الاجتماعية والاقتصادية الداخلية بحجة الحفاظ على وحدة الصف وعدم خيانة الوطن. وبهذا الشكل، أُلبست الماركسية قناع أيديولوجيا قومية ذات طابع دعائي، اختلطت فيه الشعارات الوطنية باللون الأحمر. كان ماركس يشدد على أن التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا بتحرير الإنسان من كافة أشكال الاستغلال. لكن ما حدث غالباً هو أن العامل الذي ناضل من أجل استقلال بلده وجد نفسه، بعد تحقيقه، يعيش تحت وطأة الاستغلال ذاته، ولكن هذه المرة بأيدي "رفيق دربه" في الكفاح الوطني. هذا الرفيق لم يتوانَ عن التحول، عقب الاستقلال، إلى بيروقراطي أو رأسمالي دولة يستخدم أسوأ أساليب القمع ضد العمال أنفسهم. الصراع الطبقي لم يكن يوماً معطلاً أثناء حركات التحرر الوطني، بل كان ويجب أن يكون جزءاً رئيسياً منها. إلا أن النموذج السوفييتي الستاليني الذي فرض رؤاه على الأحزاب الشيوعية في منطقتنا أصر على اعتماد نظرية "المراحل" الجامدة، التي دفعت الشيوعيين إلى الارتماء خلف حركات العسكر أو القوميين. وكانت النتيجة الحتمية هي أن الكثير منهم وجدوا أنفسهم لاحقاً في السجون ضحايا لأيدي الحلفاء أنفسهم الذين ساندوهم يوماً ما. لهذا نجد اليوم وعياً مشوّهاً يعظّم من شأن "القائد الوطني" المستبد لمجرد ترويجه لشعارات مناهضة للخارج، في حين يستمر بسحق شعبه داخلياً. إنها نسخة مقلوبة من الماركسية، حيث أصبح العامل مجرد وقود لمشاريع نخبوية برجوازية لا تمت بصلة حقيقية لمصالح طبقته. عندما تخلى اليسار عن "هويته الطبقية" لصالح "الهوية القومية" أو طروحات "الوطنية التوفيقية"، فقد اتجاهه وسبب وجوده الأساسي. وكانت النتيجة فراغاً مخيفاً أدى إلى كوارث ملموسة ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم. العامل الذي يشاهد "الحزب الشيوعي" يتحالف مع النظام القمعي الذي يضطهده ويسلبه قوته باسم "الصمود والتصدي"، سيُصاب بخيبة أمل حتمية تجاه هذا الحزب. وهذا تحديداً ما أدى إلى انسحاب القواعد الشعبية من دعم اليسار واتجاهها لقوى بديلة، سواء كانت دينية أو شعبوية، نظراً لأن هذه القوى بدت، ولو مؤقتاً، أكثر "صدقاً" في معارضتها للسلطة الحاكمة، رغم غياب أي برنامج تحرري حقيقي لديها. وبدلاً من أن يتحول المثقف اليساري إلى مثقف "عضوي" وفق رؤية غرامشي، يتناول الواقع بعمق ويسلط الضوء على تناقضاته، وجدنا العديد منهم ينزلق إلى موقع "المبرر" لسياسات السلطة الحاكمة. تم استبدال النقد بتحويل المآسي الاقتصادية والقمع السياسي إلى خطاب يضفي شرعية على تلك السياسات تحت ذريعة أن الفقر والاستبداد ضروريان لإنجاح "المعركة الكبرى" ضد الخصوم الخارجيين.
هذا التضليل ألغى أي مكاشفة للصراع الطبقي الداخلي، ومنح الأنظمة الحاكمة صكوك براءة متواصلة، حيث تُبرر كل أزمة اقتصادية أو انتهاك للحقوق باسم مواجهة "الإمبريالية". وبهذا، تمكن الاستبداد من ترسيخ نفسه كبنية دائمة فوق النقد. ولعل إحدى أبشع اللحظات في هذا السياق هي عندما يجد الشيوعي نفسه في زنزانة معذَّباً على يدي جلاد هو نفسه "الحليف الوطني" الذي دافع عنه حزبه بالأمس باسم "الجبهة الوطنية العريضة". ما نحتاجه اليوم حقاً، وكما أشرت أنت عند حديثك عن ضرورة فضح التشويهات الفكرية، هو إعادة الاعتبار لـ"مركزية الإنسان" و"أولوية الصراع الطبقي". لا يمكن تحقيق أي شكل من أشكال التحرر الوطني الحقيقي في غياب التحرر الاجتماعي. فلا يمكن لعاملٍ مسحوق ومستعبد في مصنعه أن يكون إنساناً حراً في وطنه. لقد أثبتت التجارب أن البرجوازية الوطنية في بلداننا، نتيجة لطبيعتها الهشة والتابعة، ما إن تشعر بخطر صعود وعي الجماهير الطبقي حتى تسارع للتصالح مع الإمبريالية حفاظاً على مصالحها. الاتفاق على أهمية تحرير العقل عبر ثورة ثقافية جوهرية يضعنا أمام التطبيق الفعلي للماركسية، حيث لا يمكن أن يبدأ التغيير من الاقتصاد فقط، بل يجب أن يشمل تفكيك القيود الفكرية التي تراكمت عبر سنوات طويلة من التزييف المنهجي. سقوط الأصنام الفكرية القديمة وانهيار الأنظمة الأيديولوجية، جنباً إلى جنب مع تفكك المنظومة السوفيتية، ربما يكون قد أتاح فرصة للإنعتاق، ولكنه لم يُطهر اللاوعي الجمعي من رواسب المفاهيم المغلوطة التي ظلّت عالقة في الأذهان. المهمة الآن تتطلب إعادة تعريف المصطلحات التي جرى تحريفها أو استغلالها، بحيث تصبح كلمات مثل الاشتراكية والطبقة والإمبريالية أدوات تحليل وتفكيك للموروث، بدلاً من أن تكون وسائل تخدير وطمس للحقائق. الثورة الثقافية يجب أن تنطلق من الاستعادة الجذرية لكرامة الإنسان وحقه في الحرية الفردية—تلك الحقوق التي جرت مصادرتها تحت وطأة تأويلات أيديولوجية مغلوطة فرضتها الحقبة الستالينية. جوهر الماركسية يتمثل في انتفاضة ضد الاغتراب الإنساني، ضد تسليع الإنسان وتحويله إلى مجرد ترس في آلة سواء كانت هذه الآلة ربحيّة رأسمالية أم بيروقراطية لدولة وطنية. الثورة الثقافية لا تدعو للإبقاء على النصوص الجامدة، بل تسعى لتوظيف المنهج الجدلي بوصفه أداة ديناميكية لتحليل الواقع، وفهم التناقضات التي تُشكل جوهر الصراع المستمر. جعل الجدلية قوالب صماء هو ما قاد الكيانات الماركسية التقليدية للفشل. الثورة الثقافية الحقيقية تُعلم الأجيال كيفية مواجهة الواقع بنقد جريء، غير خاضع للمقدسات الفكرية أو المسلمات البالية. لقد انحسر دور المثقف في الفترات السابقة في كونه أداة مسخّرة لخدمة الحزب أو السلطة القائمة. لكن أي نهضة ثقافية جذرية تستوجب انبعاث نمط جديد من المثقفين؛ أولئك الذين يستخدمون الأدب والفن والبحث العميق لإظهار الحقائق المخفية، وليس للترويج أو تجميل صور الأنظمة. نحن أمام تحديات تنبع من عصر الخوارزميات ورأسمالية المنصات الرقمية، وهو ما يتطلب لغة فكرية جديدة وأطراً يسارية متجددة قادرة على مواكبة التغيرات، بدلاً من اجترار خطاب الماضي المترهل الذي يدور حول شعارات عقيمة. إن العامل اليوم يجب أن يعي بوضوح أن عدوه ليس مجرد كيان خارجي غامض أو قوة خفية بعيدة، بل هو نظام استغلال متشابك الأركان، يرسخ جذوره داخل المجتمع نفسه من خلال سلوكات يدعمها مواطنون ينهبون فائض عمله خلف شعارات وطنية لامعة تخفي نزعات الهيمنة والاستبداد. لقد بات أكثر من ضروري التخلي عن الماركسية المعلبة التي دُفعت إلينا عبر كتيبات مصنعة ومقولبة، وبدلاً منها علينا الانطلاق نحو بحث مضنٍ عن الحقيقة في مظانها الأصلية وعن الحلول الواقعية العميقة للتحديات المعاصرة التي لم تعد تحتمل أي قدر من تحريف الواقع أو تجاهله.
مالمو 2026-05-13
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
-
بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
-
سادنُ النّارِ والرماد
-
من -المقص- إلى -الخوارزمية-
-
قمة غوادلوب 1979
-
إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
-
قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
-
سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه
...
-
في حضرة التراب
-
من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
-
مفارقة الحصار والتحول
-
خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
-
تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
-
تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
-
وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً
-
سرّ بقاء نظام ولاية الفقيه
-
عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
-
روح العالم على حصان والكاوبوي راكبا صاروخ
-
جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز
-
حين تروض -الأسواق- ما عجزت عنه -الصناديق-
المزيد.....
-
من تكلم خان… كلمات شهيد معلم ومثقف ملتزم وناشط نقابي قتل تحت
...
-
From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
-
Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green
...
-
How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
-
Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian
...
-
The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil
...
-
كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
-
جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
-
عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
-
Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
المزيد.....
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|