أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - في محراب العبث














المزيد.....

في محراب العبث


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 16:38
المحور: الادب والفن
    


قداس الثلج والورق الأصفر

في عالم فرانز كافكا، لا تسقط الأقنعة لتكشف عن وجوه، بل لتكشف عن أقنعة أخرى أكثر شحوباً. في روايتيه "المحاكمة" و"القلعة"، تتحول البيروقراطية من مجرد نظام إداري إلى "ديانة سوداء" بلا إله، حيث الورق هو المقدس، والانتظار هو الصلاة، والفساد هو الجوهر الكامن في صمت الردهات.

خنق الجدران وعواء الفضاء

في "المحاكمة"، تبدو السلطة ككائن مفترس يطارد فريسته في سراديب ضيقة؛ الفساد هنا "عمودي"، يهبط عليك من سماء القضاة الغامضين ليطبق على أنفاسك في غرف مغلقة لا نوافذ لها. أما في "القلعة"، فإن الكابوس يتمدد أفقياً؛ إنه "فساد المسافة". السلطة ليست خلفك، بل هي "هناك"، خلف الضباب، فوق التل، في قلعة تراها العين ويحرم منها القدم. الثلج الذي يغطي القرية ليس مجرد طقس، إنه رمز للبرود الإداري الذي يجمد أرواح الغرباء، ويحول صرخاتهم إلى همس يبتلعه البياض.

"برنابا" والرسائل التي ولدت ميتة

يبرز الرسول "برنابا" كأيقونة للضياع الوجودي؛ إنه ليس جسراً بين "K" والقلعة، بل هو "مرآة للعدم". إن تمسك "K" به ليس جهلاً بمعدنه الهش، بل هو تمسك المقامر بآخر ورقة في يده، مدركاً أنها خاسرة، لكنه يلعبها ليؤجل لحظة الاعتراف بالهزيمة. الفساد في عالم كافكا يتجسد في هذا "الأمل السام"؛ أن تُعطى رسالة لا تُقرأ، وأن تُمنح موعداً مع شخص لا يأتي، وأن تظل "غريباً" في مكان يصر على أنه دعاك إليه.

صيرورة "K".. من إنسان إلى ملف

المأساة الكبرى ليست في الظلم، بل في "الذوبان". في دهاليز البيروقراطية الكافكاوية، يتوقف الإنسان عن كونه لحماً ودماً ليصبح "إجراءً". الفساد الحقيقي هو هذه الآلة التي لا تتوقف عن الدوران لإنتاج اللا شيء. إن "K" لا يحارب أشخاصاً، بل يحارب "أطيافاً" قانونية واجتماعية، حيث المسؤول ليس سوى صدى لمسؤول آخر، والحقيقة هي ما يقرره الأرشيف، حتى لو نطق الواقع بغير ذلك.

لقد رسم كافكا مأساة الإنسان المعاصر الذي يطرق باب "العدالة" فيجدها محكمة مغلقة، ويطرق باب "الانتماء" فيجده قرية من الجليد. إنها البيروقراطية حين تصبح قدراً؛ حيث العقوبة تبدأ قبل الجريمة، والوصول مستحيل لأن الطريق نفسه يتآكل تحت أقدام السائرين.

تخيل كافكا ليس كأديب متفرغ في مقهى بوهيمي، بل كموظف يسابق الزمن. كان كافكا يعمل في "مؤسسة التأمين ضد حوادث العمال" في براغ، وهو ما أطلق عليه بتذمر لقب "مكتب الشقاء".
هنا نكتشف أن "الكابوس الكافكاوي" لم يأتِ من وحي الخيال المحض، بل كان تقريراً يومياً يكتبه بجسده وأعصابه.
في "المحاكمة"، كان الموت قطعياً، حاداً كالسيف، ومنهياً للمعاناة. أما في "القلعة"، فالقسوة تكمن في أن السلطة لا تقتلك، بل تتركك "تقتل نفسك" بالانتظار. هي تمنحك الأمل فقط لكي تضمن بقاءك داخل اللعبة، ثم تمنحك ما تريد في اللحظة التي لم تعد فيها موجوداً لتستمتع به.
إنه الانتصار الساخر للبيروقراطية: أن تحصل على "الورقة" وتفقد "الحياة".

مالمو
2026-06-05



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول
- خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
- تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
- تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران


المزيد.....




- بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و ...
- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...
- مشاركة قطرية لافتة في الدورة الـ39 من معرض موسكو الدولي للكت ...
- في مشهد يبرز ملامحها الثقافية.. السعودية في معرض موسكو الدول ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - في محراب العبث