أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - ما وراء هرمز















المزيد.....

ما وراء هرمز


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 16:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جدلية الريع، استدامة "النظام العميق المنهك"، ومأزق التغيير

مضيق هرمز لا يُعتبر مجرد ممر مائي دولي فحسب، بل يمثل أحد أهم المحاور الهيكلية في الاقتصاد السياسي العالمي. تكمن أهمية هذا الممر في موقعه الجغرافي الذي يمكن أن يتحول إلى مصدر للريع الاقتصادي، والنفوذ الدبلوماسي، والقوة الرادعة، والسلطة السياسية الداخلية.

في الظروف الحالية، أدت العقوبات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية إلى تعزيز أهمية هذا الريع بالنسبة للنظام الإيراني، وبالأخص الحرس الثوري. ويمكن اعتبار السعي لزيادة التحكم في هرمز جزءًا من استراتيجية لتحويل الموقع الجغرافي إلى رأس مال سياسي ووسيلة للمساومة مع القوى الأجنبية.

ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهرمز تكمن في قدرته على خلق حالة من عدم اليقين الهيكلي أكثر من الإمكانية الفعلية للسيطرة الكاملة عليه أو إغلاقه؛ وهي قدرة تؤثر على الحسابات الاقتصادية والأمنية للقوى العالمية.

في نهاية المطاف، يُبرز الاقتصاد السياسي لهرمز أن الجغرافيا، مثل النفط، يمكن أن تُولِّد ريعًا في العالم الحديث. لكن كما يمكن للريع النفطي أن يؤدي إلى "لعنة الموارد"، فإن الاعتماد المفرط على الريع الجيوسياسي قد يُشكل ما يُعرف بـ "الدولة الريعية الجغرافية". دولة تستمد قوتها وبقاءها من موقعها الاستراتيجي وقدرتها على زعزعة النظام الإقليمي والدولي بدلاً من التنمية الاقتصادية والتنظيم.

يمكن النظر إلى هرمز كمثال على "جدلية القوة والقيود"، حيث تمثل الجغرافيا في الوقت نفسه مصدرًا للقوة والضعف، والميزة الاستراتيجية يمكن أن تتحول إلى مأزق استراتيجي لإيران في ظل ظروف معينة.

إن مضيق هرمز مثالٌ حي على اعتباره "أصلًا استراتيجيًا" في الاقتصاد السياسي الإيراني. لقد لجأ النظام إلى "الريع الجغرافي" كبديل عن التنمية المستدامة، مُحوِّلًا الجغرافيا إلى وسيلة للضغط الدولي. لكننا نمر بلحظة تحول جوهري؛ حيث بدأت المزايا الاستراتيجية تتحول إلى تحديات، مما يغير معادلات البقاء في ظل نظام دولي جديد يفرض "قواعد اشتباك" تتحكم فيها حسابات "البقاء المريرة".

دبلوماسية حافة الهاوية: مأزق الغرب في مواجهة عقيدة "عليّ وعلى أعدائي"

إيران تسعى للتحول من دولة تسيطر على "مضيق واحد" إلى دولة تدير "شبكة تهديدات مائية". ومع ذلك، فإن نجاح دول الخليج في تطوير مسارات بديلة يقلل من فعالية هذا النوع من الابتزاز الاستراتيجي. رهان إيران على باب المندب قد يكون "خيارًا أخيرًا" لتعويض تقليص نفوذها في هرمز، ولكنه في الوقت ذاته يعمّق عزلتها الدولية ويضعها في مواجهات مباشرة مع مصالح اقتصادية عالمية معقدة ومترابطة.

طالما يعتمد الاقتصاد الإيراني على "الريع الجغرافي" كوسيلة للبقاء السياسي، فإن أي اتفاق قد تستخدمه طهران لترميم قدراتها ثم العودة لسياسة التهديد عندما تشعر بضعف موقفها التفاوضي.

إذا كانت الدول الغربية ترى الحرب "مكلفة جدًا"، فإن إيران تراهن على هذا الرأي للظفر بمزيد من المكاسب، مما يجعل "الاستدامة" مرهونة بمدى التزام إيران بالترتيبات الأمنية الجديدة، ومدى قدرة دول الخليج على الاستمرار في تنويع طرق نقل طاقتها للتقليل من "الريع الإيراني".

النظام الإيراني، رغم بروز قوته الظاهرية، هو في جوهره نظام "تفاعلي" يتحرك ببطء وحذر لتفادي السقوط. وسيصبح الاعتدال في مرحلة ما ليس "خيارًا" بل "ملاذًا أخيرًا" لتجنب المصير الذي شهدوه في دول أخرى انهارت بسبب الصلابة وعدم الاستجابة للتغيرات.

من المهم إدراك أن القوى الغربية تعاني من "فوبيا التكلفة". أي مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران تحمل مخاطر سياسية واقتصادية تتجاوز قدرة الإدارات الغربية على استيعابها، بدءًا من تأثيرها على أسواق الطاقة وصولاً إلى الحروب الاستنزافية غير المتكافئة. هذا "الإنهاك الاستراتيجي" تستغله طهران ببراعة؛ فهي تتبنى عقيدة تحول بها تهديدها بإغلاق الممرات المائية إلى "ورقة سياسية" تجبر الغرب على التفاوض. الغرب لا يتفاوض مع إيران لثقته بها، بل لأن البديل (الحرب) يشكل كارثة اقتصادية وسياسية؛ لقد صار الغرب يمارس "التطبيع مع التهديد"، مكتفيًا بإدارة الأزمات بدلًا من حلها.



الفاعلون الإقليميون: مهندسو "الاعتدال الإجباري"

لم يعد دور القوى الإقليمية مقتصراً على التحصن الدفاعي، بل انتقل إلى استراتيجية "تفريغ الأداة الإيرانية من محتواها". عبر الاستثمار الضخم في ممرات نقل برية وبحرية تتجاوز هرمز، نجح هؤلاء الفاعلون في سحب البساط من تحت "الريع الجغرافي" الإيراني. لقد حولوا التهديد الإيراني إلى "تهديد لشيء لم يعد يملك احتكاره". هذا الواقع الجديد يفرض "اعتدالاً إجبارياً" على طهران؛ فهي إما أن تندمج في النظام الإقليمي كدولة طبيعية، أو أن تظل "منبوذة تقنياً واقتصادياً" في إقليم يسبقها بسنوات ضوئية، مما يزيد من تكلفتها السياسية والداخلية.

"النظام العميق" ومأزق التناقضات

تدرك النخب الإيرانية، بحنكتها الاستراتيجية، أن النظام ليس كتلة صماء. نحن أمام مثلث متصارع:
• الجناح الأمني (الحرس الثوري): يسعى لتحويل إيران إلى "دولة عميقة" لها تسيطر على مفاصل الاقتصاد وتسمح بـ "فسحة حرية اقتصادية" كصمام أمان، لضمان البقاء بعيداً عن مغامرات الحروب المكلفة.
• النخبة التكنوقراطية: تدفع نحو "الاعتدال الإجباري" كضرورة للبقاء والاندماج الوظيفي في الاقتصاد العالمي.
• القوى التقليدية (الحوزة): تعيش أزمة شرعية، وتدرك أن انهيار النظام الاقتصادي يعني زوالها.


هذا التعدد لا يعني ديمقراطية، بل "شللاً استراتيجياً"؛ فالتنافس بين هذه الأجنحة يجعل القرار الوطني رهينة لابتزاز داخلي متبادل، مما يفسر التذبذب في السياسة الإيرانية.

"الكتلة الصامتة": القوة التي تكسر "احتكار الفضاء العام"

تبرز "الكتلة الصامتة" كمتغير استراتيجي حاسم. هذا الجيل، العابر للأيديولوجيا، لم يعد يرى في "الاستبداد البراغماتي" طموحاً مقبولاً. ومع انهيار الريع النفطي، انقطع "عقد الولاء" الذي كان يربطهم بالنظام. إن صمت هذه الكتلة هو "تراكم نوعي" للمطالب؛ فهم يستخدمون أي "فسحة اقتصادية" يمنحها النظام كبوابة للربط مع العالم، مما يفرض على النظام معضلة: القمع الشامل (الذي يهدد بانهيار الاقتصاد) أو القبول التدريجي بالانفتاح (الذي يهدد بانتهاء سيطرتهم الأيديولوجية).

الحرب كعامل تشتيت: لماذا فشل "الإسقاط من الخارج"؟

أثبتت التجربة أن الحرب تمنح النظام شرعية "المقاومة" التي توحد حولها النخب قسراً، بينما تشتت المعارضة بين خيارين كلاهما مر: السيادة الوطنية أو التدخل الخارجي. هذا التشتت ليس ضعفاً في المعارضة فحسب، بل هو فشل في تقديم "بديل هيكلي" يخاطب مصلحة التكنوقراط والكتلة الصامتة على حد سواء، مما يترك النظام في حالة من "التعثر الدائم".

نحو مستقبل "الواقعية القسرية"

إن إيران المنهكة مقبلة على مرحلة من "الواقعية القسرية"؛ لن يكون هناك سقوط دراماتيكي ولا استقرار نهائي. سيكون النظام أسيراً لموازناته الخاصة، حيث تحاول المؤسسة الأمنية مأسسة الاقتصاد لتتحول إلى "دولة داخل دولة"، بينما ينهش التآكل الهيكلي شرعيتَه من الداخل. إن المعركة الحقيقية ليست في هرمز، بل في قدرة هذا النظام على التحول من "دولة ريعية قائمة على التهديد" إلى دولة قادرة على إدارة التناقضات، قبل أن تستهلك هذه التناقضاتُ ما تبقى من مقومات بقائه، مدفوعةً بضغط فاعل إقليمي لا يرحم، وكتلة صامتة لم تعد تقبل بالوعود.

2026-07-17



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ


المزيد.....




- وكالة: إيران قد تستهدف 5 موانئ رئيسية في دول الخليج.. ما هي؟ ...
- شركة هندية خاصة تخطط لاختبار صاروخها الفضائي الجديد غدا
- هجوم على ناقلة نفط بالقرب من محطة لـ-خط أنابيب بحر قزوين- في ...
- روسيا.. فحص دم مدعوم بالذكاء الاصطناعي يميز بين السل والسارك ...
- قرارات مثيرة للجدل في آخر جلسة.. الكنيست يصوّت على حل نفسه و ...
- ما الذي يدفع إيران إلى الحرب مجدداً؟ - في الفايننشال تايمز
- النهائي الثالث.. آخر فصول ملحمة ميسي العالمية
- حبة واحدة يومياً بدل الحقن.. أمريكا تعتمد أول دواء فموي من ف ...
- 6 ملايين ليرة و35 خروفا.. عرس تركي يحطم الأرقام القياسية ويث ...
- -سبيس إكس- تلغي تجربة إطلاق نموذج Starship في اللحظات الأخير ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - ما وراء هرمز