أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حميد كوره جي - الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 2















المزيد.....


الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 2


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 22:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


«إن الشهيد هو قلب التاريخ. الحسين صرخة في ضمير الزمن. الاستشهاد في ثقافتنا ليس موتاً، بل هو اختيار واعي للفناء من أجل أن تحيا العقيدة. إن الشهيد لا يموت ليُهزم، بل يموت ليفضح يغرس المخرز في عين الطاغوت، ليكون دمه أشد فتكاً من سيف الظالم.»
— علي شريعتي، كتاب "الحسين وارث آدم"


تحولت واقعة الطف التاريخية (680 م) من حدث عزائي بكائي إلى "مبدأ سياسي دائم". شعار "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء" الذي رفعه الخميني هو تجسيد حي لعقلنة الأسطورة؛ حيث أُخرج الحسين ويزيد من سياقهما التاريخي ليصبحا "بُنيتين ذهنيتين" تتكرران في كل عصر.
[الثنائية الزرادشتية] ---> (النور ضد الظلام)
+ ====> [الخطاب الأيديولوجي الحالي]: (المستضعفون ضد المستكبرين)
[البنية الشيعية] ---> (الحسين ضد يزيد)
لكي يعمل هذا التقسيم الوجودي في عالم السياسة الحديثة، قام النظام بعملية "ترجمة أيديولوجية" للمفاهيم الدينية التقليدية، مستفيداً من الأدبيات اليسارية وحركات التحرر في الستينيات والسبعينيات، ليخلق معجماً سياسياً فريداً. فقد تم استبدال الصراع الطبقي الماركسي (بروليتاريا ضد برجوازية) أو الصراع القومي بصراع لاهوتي-أخلاقي. "الاستكبار العالمي" (وعلى رأسه أمريكا "الشيطان الأكبر") هو التجسيد الحديث ليزيد أو لأهريمن، بينما يمثل النظام وحلفاؤه "المستضعفين" وحراس الحق.ولا تعد "المقاومة" في هذا الخطاب خياراً جيوسياسياً قابلاً للمراجعة أو الخسارة والربح، بل هي واجب تكليفي، إذ إن التفاوض أو التراجع يُفسَّر هنا كنوع من "الخيانة العقائدية" أو التخاذل الأشبه بتخلي أهل الكوفة عن الحسين.

هذه النظرة تخلق طاقة تعبئة اجتماعية وعسكرية هائلة (تجلت في حرب الثماني سنوات وفي صياغة شبكة النفوذ الإقليمي)، ولكنها تحمل في أحشائها تناقضاً مدمراً لآليات الدولة الحديثة:

معضلة "أبلسة الخصم":
عندما تُترجم المنافسة السياسية الداخلية أو الخلافات الدبلوماسية الخارجية إلى لغة "الخير ضد الشر"، يُحكم على المجال السياسي بالانسداد. فالخصم الداخلي (الذي يطالب بالإصلاح أو التغيير) لا يعود "مواطناً ذا رأي آخر"، بل يصبح "طابوراً خامساً" أو "منافقاً" يحارب الحقيقة الإلهية، والحل معه هو الاستئصال لا الحوار.
أما خارجياً، فإن النظام يجد نفسه دائماً في مأزق ممارس ذي وجهين: وجه الثورة (الذي يرفض العالم المستكبر ويطلب مناجزته)، ووجه الدولة (المضطرة للتفاوض مع ذات "الشيطان الأكبر" لحل ملفات العقوبات والاقتصاد). هذا الصراع بين "التكليف الإلهي المعصوم" و"الضرورة البراغماتية الأرضية" هو الشقاق الفكري الأعمق الذي يجعل النظام يعيش حالة طوارئ وأزمة شرعية مستدامة.
إن هذا التوظيف السياسي للمقدس الأخلاقي يضعنا أمام مفارقة: فبقدر ما يمنح النظام صلابة في مواجهة الضغوط الخارجية، فإنه يحرمه من "المرونة البنيوية" اللازمة للتطور والتعايش مع مجتمعه ومع العالم على المدى الطويل.

محرك الاحتراق الداخلي الذي يمدّ هذه العقلانية الأيديولوجية بطاقتها القصوى. فإذا كانت "الإمامة" هي العقل المدبّر للنظام، و"المهدية" هي أُفقه المستقبلي، فإن "الاستشهاد" (Martyrdom) هو وقوده العاطفي والميداني الذي يحوّل الأفكار التجريدية إلى قوة مادية كاسحة على أرض الواقع.
في العلوم السياسية الحديثة، تُبنى استراتيجيات الدول على حسابات الكلفة والعائد، وتجنب الخسائر البشرية؛ أما في الإطار الأيديولوجي الشيعي المعاصر، فقد جرى "عقلنة الموت" وتحويله من نهاية بيولوجية مفجعة إلى أداة ردع استراتيجية ورأس مال رمزي للدولة.
تكمن القوة الرهيبة لثقافة الاستشهاد في أنها تكسر المنطق العسكري التقليدي. في الحروب العادية، ينهزم الطرف الذي يتلقى خسائر بشرية تفوق قدرته على الاحتمال. لكن، بإعادة قراءة واقعة عاشوراء، جرى قلب هذه المعادلة. ففي السردية الرسمية للثورة، الحسين هُزم عسكرياً وقُتل، لكنه انتصر تاريخياً وأخلاقياً لأنه فضح زيف السلطة الظالمة.وعندما تواجه قوى حديثة (تعتمد على التوفير الصارم للأرواح وتعتبر الموت خسارة مطلقة) نظاماً يعتبر فيه الجندي أن قتله في المعركة هو "فوز بالجنة وبداية الحياة الحقيقية"، تفقد أدوات الردع التقليدية الكثير من فعاليتها. هذا بالتحديد ما منح إيران تفوقاً غير متناظر في حرب الثماني سنوات مع العراق، ولاحقاً في بناء شبكة الفصائل الإقليمية التي تدار بذات العقيدة.

لم تترك الجمهورية الإسلامية "الاستشهاد" كشعور روحي عفوياً، بل قامت بـ "مأسسته" بالكامل ودمجه في بنية الدولة الحديثة. تأسست "مؤسسة الشهداء وشؤون المضحين" (بنياد شهيد) كواحدة من أضخم المؤسسات السيادية والاقتصادية في البلاد. لم يعد الشهيد مجرد ذكرى، بل أصبح حياً في الهيكل الاجتماعي إذ إن عائلته تتلقى رواتب، وأبناءه يملكون حصصاً ومقاعد مضمونة (Quotas) في الجامعات والوظائف الحكومية والبرلمان.
هذه المأسسة صنعت شبكة أمان اجتماعي-اقتصادي وفي نفس الوقت ولّدت "طبقة اجتماعية وفية" عقائدياً ومصلحياً لاستمرار النظام، حيث ترتبط شرعية المنظومة بقدسية التضحية التي قدمها آباؤهم.

تستمر الأيديولوجيا في تجديد دمائها عبر استدعاء الشهادة في تفاصيل الحياة اليومية، بحيث لا تُنسى الحرب؛ بل تُعاش كحالة طوارئ وجودية مستمرة. الشوارع، الأزقة، الساحات، ومحطات المترو في المدن الإيرانية لا تحمل أسماء شعراء أو علماء كلاسيكيين إلا نادراً، بل تغطيها أسماء وصور "شهداء المحلة" أو "شهداء الدفاع عن العتبات".
يمثل مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي و شخصيات مثل قاسم سليماني ذروة هذه العملية. فالنظام لم يتعامل مع خسارتهم كضربة أمنية، بل حوّلهم فوراً إلى "أيقونات متسامية" تُضاف إلى إرث كربلاء. "الشهيد سليماني" أصبح بالنسبة للأيديولوجيا أقوى وأكثر مرونة في التعبئة من "الجنرال سليماني" الحي، لأنه تحول إلى رمز عابر للنقد والمحاسبة السياسية.

«إن الجمهورية الإسلامية ليست نهاية المطاف، بل هي الخندق الأول والحجر الأساس لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة التمهيدية. إن كل مساعينا، ودبلوماسيتنا، وقوتنا الدفاعية، وبنائنا الداخلي، يهدف إلى أمر واحد: تمهيد الأرضية السياسية والجغرافية لظهور ولي العصر والزمان (المهدي المنتظر).»
— آية الله علي خامنئي، بيان "الخطوة الثانية للثورة" (بيانية كام ثانى)


إن "العقلانية الأيديولوجية" نجحت في تحويل الاستشهاد إلى درع يحمي النظام من الانكسار في الأزمات الكبرى. لكن، هذا الاعتماد المفرط على تمجيد التضحية والموت يضعه اليوم في صدام سيكولوجي حاد مع الأجيال الشابة (Generation Z) في إيران.
هذه الأجيال، التي انفتحت على العالم عبر الفضاء الرقمي، لم تعد تنجذب إلى وعود "النصر الأخلاقي عبر الفناء"، بل تطالب بـ "الحياة العادية الحاضرة": الرفاه، الحريات الفردية، الاقتصاد المستقر، والاندماج في العالم.
هنا يتكشف التناقض الأعمق إذ إن الثقافة التي أنقذت النظام عسكرياً في ثمانينيات القرن العشرين، تتحول بالتدريج إلى لغة غريبة وجافة لا تجد صدى في قلوب شبان يريدون العيش للحاضر، لا الموت من أجل التاريخ.
بتقديم مفهوم "الانتظار المهدوي" كأفق مستقبلي، تتشكل الحلقة الزمنية الأيديولوجية للنظام بطريقة ديناميكية تتكامل أبعادها الثلاثة: الماضي يُستدعى من خلال الاستشهاد وكربلاء، الحاضر يُدار عبر نظام ولاية الفقيه والإمامة المؤسسية، والمستقبل يُنظم وفق فلسفة انتظار المخلّص الموعود. ويعكس هذا الدمج بين الميثيولوجيا والسياسة كيفية تفادي النظام لمعايير التقييم البراجماتية الحديثة، من خلال تحويل مفهوم "الانتظار" من كونه حالة سلبية جامدة إلى "استراتيجية للتعبئة والبناء". لدى هذا التحوّل مرتكزات عميقة تستمد أصالتها من إرثين جوهريين هما:

1. التناص الكوزمولوجي: من "سوشيانت" إلى "المهدي المنتظر"
التشابه العقائدي بين مفهوم "سوشيانت" في الزرادشتية ونظرية المهدي المنتظر في الفكر الشيعي ليس مجرد لقاء عرضي بقدر ما يمثل أحد المحدّدات الأساسية لقبول العقل الثقافي الإيراني لفكرة التاريخ الشيعي الموجه. ففي التصورات الإيرانية الكلاسيكية، يُنظر إلى التاريخ كعملية تتجه نحو "فرشکرد"، أي عملية تجديد العالم وتخليصه من الشر على يد المنقذ الثالث، "سوشيانت". ومع تسييس العقيدة الشيعية، ظهر "الإمام الغائب" ليحتل الموقع البنيوي ذاته؛ ذلك المنقذ الذي سيملأ الأرض عدلاً بعدما امتلأت جوراً وظلماً. هذا الانسجام بين الإرثين يزوّد الأيديولوجيا الإيرانية المعاصرة بحس قوي بالحتمية التاريخية التي تؤكد على النهاية السعيدة للتاريخ، ضماناً لاهوتياً.

تسييس المهدوية: من "الانتظار السلبي" إلى "التمهيد الثوري"

على المستوى التاريخي، وقبل تشكيل الجمهورية الإسلامية عام 1979، كان مفهوم الانتظار لدى أغلبية الفقهاء الشيعة يعكس نمطاً انعزالياً يعتمد على التقية وعدم التورط في بناء أنظمة حكم خلال غياب الإمام المعصوم. غير أن العقلانية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية أحدثت تحوّلاً جذرياً أو ما يمكن تسميته بـ"ثورة كوبيرنيكية" في هذا المفهوم عبر نمذجة جديدة للانتظار:
الانتظار الإيجابي الحركي: أصبح الانتظار يحمل معنى ديناميكياً يرتكز على فكرة "التمهيد" (زمینه‌سازی). حيث تم إشعار الجماهير بأن ظهور الإمام مرتبط بإعداد قاعدة ونموذج يستقبلانه.
توسيع الأفق المسؤولياتي: في هذه الرؤية، لا يُطلب من الحكومة تحقيق كفاءة إدارية فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية أو الاجتماعية اليومية (كالتحكم بالتضخم أو تحسين الخدمات)، بل تُحاسب على دورها في إطار مشروع "معركة التمهيد الكبرى"، وهو ما يجعل النظام يعيد صياغة معايير المساءلة الحالية نحو تلك المرتبطة بتحقيق الوعد المستقبلي المثالي المطلق.

الجيوسياسة المهدوية: الدلالات اللاهوتية لـ"المحور"

استناداً إلى الرؤية المثالية القائمة على فلسفة "الانتظار"، تُشكّل الجوانب الجيوسياسية جزءاً أساسياً من استراتيجية النظام الذي يؤطر نفسه كفاعل أساسي في إعداد الظروف المواتية لظهور الإمام الغائب. وهذا التوجه يترك بصمته المباشرة على سياسات الدولة الخارجية والإقليمية، حيث لا تقتصر هذه السياسات على تحقيق مصالح مادية عاجلة بقدر ما تعكس طموحاً عابراً للزمن يُستمد من تصور ديني للرسالة الأيديولوجية.
ة:
الشرعنة العابرة للحدود:

إن تشكيل ما يُعرف بمحور المقاومة، الذي يمتد عبر مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، لا يتم تقديمه في الخطاب الداخلي للنظام الإيراني على أنه مجرد تحالف سياسي أو أمني تقليدي يهدف إلى حماية الأمن القومي. بل يجري إعادة صياغته وإبرازه على أنه جزء من خريطة لاهوتية تستعد لأمر مهيب. في هذا السياق العقائدي، تصبح المعارك في مدن مثل دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء بمثابة أحداث رمزية تجسد "علامات" تسبق الظهور الموعود.

معضلة التاريخ المؤدلج:

عند التعمق في هذا النظام الفكري الذي يبدأ من فكرة الإمامة ويتصل بالكاريزما الإلهية، ويمر بثنائية الخير والشر ومعاني الشهادة، وصولاً إلى الانتظار المهدوي، ندرك أننا لسنا أمام "حكومة" بالمفهوم الغربي القائم على البراغماتية السياسية. بل نحن أمام بنية وجودية متكاملة تُمزج فيها عناصر التراث الشيعي، والثقافة الفارسية، والدولة الأيديولوجية الحديثة.

ومع ذلك، تكشف طبيعة هذا النظام عن معضلة جوهرية تنبع من "الطابع الزمني للأيديولوجيا". فالأنظمة التي تستند شرعيتها على وعد مستقبلي مقدس وتؤله قيم الاستشهاد والتضحية، تجد صعوبة متزايدة في التعامل مع الحاضر المعاش وحاجات مجتمع يبحث عن حياة يومية مستقرة. ومع امتداد فترة الانتظار وتزايد الأزمات السياسية والاقتصادية المعيشية، تبدأ الهالة القدسية التي كانت تغلف هذا العالم الفكري في التلاشي تدريجيًا. ومعها تتحول أدوات الحشد المقدس إلى مجرد أدوات للإكراه تفتقد للروح الإيمانية التي كانت تجمع الناس.

وبذلك يظهر التناقض الأصيل داخل هذا النظام: فقد استطاع بناء نظام سياسي مستند إلى أساس ديني وتاريخي عميق ومتسامي، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من تفجر شروخ فلسفية وواقعية متأصلة فيه تؤثر على استمرارية نسقه العقائدي وسلطته الزمنية.

وينبثق مفهوم "الدولة كمهمة تاريخية" باعتباره نقطة محورية للتفريق بين نموذجين متميزين للوجود السياسي. يتمثل النموذج الأول في "الدولة التنفيذية" الحديثة، التي تنحصر وظيفتها ضمن حدود العقد الاجتماعي وتهدف بشكل أساسي إلى تحسين ظروف معيشة مواطنيها. أما النموذج الثاني، فهو "الدولة الرسالية" أو "الخلاصية"، التي تتجاوز إدراكها للجغرافيا والحدود وحدود الأوطان، مُعطيةً طابعاً كونياً مقدساً لرؤيتها ودورها التاريخي.

إن هذه الرؤية المكثفة تسلط الضوء على نقطة ارتكاز النظام السياسي المذكور، حيث تنبع قوته من تحويل السياسة من كونها "فن الممكن"، موجهاً نحو التسويات والواقع العملي، إلى "هندسة الحتمي"، التي ترتبط بتصور مطلق للضرورة التاريخية والغاية النهائية. ومع ذلك، يشكل هذا التحول في الوقت ذاته تحدياً تاريخياً للمشروع، إذ ينطوي على مخاطر تقييد السياسة ضمن نسق مغلق من الضرورات العقائدية والتصورات الماورائية التي قد تفقدها مرونتها وقدرتها على التكيف مع تغيرات الواقع.

تكشف هنا دراستناعن البنية الفكرية للعقلانية الأيديولوجية في جمهورية إيران الإسلامية من خلال تحليل ثلاثة محاور جوهرية تسلط الضوء على طبيعة النظام وتفاعلاته الداخلية والخارجية، وهي الزمن الدائري في مواجهة الزمن الخطي، شرعية التضحية بدلًا من الإنجاز، والمعضلة البنيوية للنظام في صياغة هوية شمولية متماسكة.

يستعرض المحور الأول مفهوم "الزمن الدائري" الذي يهيمن على العقلانية الشيعية الإيرانية، حيث يُعاد إنتاج الأحداث التاريخية والمعاناة كحلقات مترابطة ضمن إطار زمني مقدس غير خطي. تُستخدم رمزية معركة كربلاء كإسقاط على الحوادث الراهنة في مختلف المناطق مثل لبنان أو بغداد أو غزة، مما يعزز استمرارية السرد التاريخي ويعمق إحساس الأتباع بمعاني الصبر والثبات في مواجهة التحديات، متجاوزًا بذلك مفاهيم الزمن السياسي التقليدي القائم على التقدم الاقتصادي والتحول المجتمعي. يكرّس هذا التصور العقائدي رؤية متفائلة لمستقبل يوتوبي يتمثل في ظهور الإمام وتحقق العدالة المطلقة، ما يجعل النظام غير قابل للتقييم بمعايير الأداء الحكومي المعتادة ويغفر له الأزمات الاقتصادية والمجتمعية بوصفها محطات مؤقتة ضمن المسار الأيديولوجي.

أما المحور الثاني، فيتناول تحويل التضحية إلى اللبنة الأساسية للشرعية السياسية، حيث لم تعد شرعية النظام قائمة على الإنجاز المادي أو الأداء الحكومي الفعال كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية، بل ترتكز على تضحيات ضخمة تُصوّر كركائز أيديولوجية لا تقبل التأويل أو المساومة. هذا التوجه يعزز لدى القاعدة الشعبية وفاءً مطلقًا للأهداف الأيديولوجية وينفر منها أي محاولة للمراجعة أو التكيف مع المتغيرات. يصبح الحكم مرتبطًا برمزية الدماء والتضحيات بدلًا من التحسين المعيشي والتنمية.

يتناول المحور الثالث المعضلة الهيكلية للنظام الإيراني المتمثلة في تناقض العناصر الثلاثة الأساسية التي تشكّل بنيته الأيديولوجية: التراث الشيعي ذو الطابع العالمي، الثقافة الإيرانية ذات النزعة القومية والمحورية الحضارية، ونمط الدولة الحديثة الذي يتطلب مؤسسات بيروقراطية تسير وفق قوانين ونظم ثابتة. هذه العناصر تفرز صراعًا داخليًا مستمرًا: كيف يمكن للنظام تحقيق التوازن بين مطالب الأمة الشيعية العابرة للحدود والخصوصية الثقافية الوطنية لإيرانشهر، إلى جانب إدارة نموذج الدولة العصري؟ هذه التوترات تفسر جزئيًا ديناميات السلطة داخل إيران، حيث تتراوح الهيمنة بين الروحانية، القومية، والأمن المؤسساتي.

في سياق القرن الحادي والعشرين، تتصاعد التحديات التي تواجه العقلانية الأيديولوجية الإيرانية عندما تبدأ الأسئلة الوجودية حول جودة الحياة بالظهور في مجتمع شبابي مليء بالطموحات والآمال. بات يُنظر إلى السرد المقدس، الذي نجح تاريخيًا في توفير دافع مقنع للتضحية والانتماء، على أنه عبء ثقيل يقيد طموحات الحاضر لصالح صورة ماضٍ بعيد ومستقبل غائب. هذا التحوّل الأنثروبولوجي يفرض ضغطًا غير مسبوق على النظام للتأقلم مع طلبات جيل جديد قد لا يجد في السرد المقدس مبررًا لاستمرار التضحية. إن قدرة الجمهورية الإسلامية على إعادة تعريف سردها الأيديولوجي بما ينسجم مع مطالب عصرها ستحدد بصورة كبيرة قدرتها على الاستمرار ومواجهة تحديات الزمن الحديث.
لقد اصبحنا أمام نهج متقدم يعكس مفهوم "الواقعية البنيوية القائمة على الهوية". وتمكنا من تسليط الضوء بدقة على نقطة العمى الجوهرية التي تعاني منها مراكز الأبحاث الغربية ودوائر صنع القرار في واشنطن، والتي تكررت تاريخيًا نتيجة لـ"الأحادية البراغماتية"، التي تفترض أن تسوية الخلافات في السياسة الدولية ممكنة دائمًا بمجرد إيجاد "السعر المناسب"، سواء عبر تقديم الحوافز الاقتصادية أو ممارسة الضغوط العسكرية.


صدمة الهوية بين ترامب وطهران
إن المشكلة مع ظاهرة مثل دونالد ترامب ليست في "جوهر المطالب الجيوسياسية"، بل في "سيكولوجية الإخراج السياسي".
يعتمد ترامب على فلسفة كتابة فن الصفقات (Art of the Deal)، والتي تتطلب في نسختها السياسية إعلاناً صريحاً عن "استسلام الطرف الآخر" وجلوسه طائعاً على طاولة المفاوضات تحت وطأة "الضغط الأقصى". هذا العرض الاستعراضي هو وقوده السياسي الداخلي أمام ناخبيه.
في المقابل، فإن البنية الفكرية للجمهورية الإسلامية مستعدة لـ "تجرع السم" (كما فعل الخميني عند قبول وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988) إذا اقتضت الضرورة القصوى لحفظ النظام، ولكنها غير مستعدة على الإطلاق لـ "إعلان الهزيمة". لأن الانكسار الرمزي أمام "الشيطان الأكبر" يعني تفكيك الركيزة الأساسية لشرعية النظام منذ عام 1979، وهي عقيدة الاستقلال والممانعة.
لذلك، عندما يطالب طرف بـ "صورة النصر العلني"، ويرى الطرف الآخر في هذه الصورة "إعداماً لهويته"، يصبح الاتفاق مستحيلاً حتى لو تطابقت المصالح المادية تحت الطاولة.

تاريخ الالتفاف على الأيديولوجيا
تاريخ إمكانية توصل الدول الأيديولوجية إلى اتفاقات مع أعدائها الوجوديين يثبت أن الأيديولوجيا ليست قيداً مصمتاً، بل هي أداة مطاطية يمكن إعادة تأويلها عند حافة الهاوية.
لقد صاغ المرشد الأعلى السابق خامنئي مصطلحاً فقهياً وسياسياً عبقرياً في عام 2013 يمثل التجسيد الحي لما وصفناه بـ "سرد الاتفاق"، وهو مفهوم "المرونة البطولية"(نرمش قهرمانانه). هذا المصدر اللغوي تم استدعاؤه لتبرير الدخول في المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015.

صياغة السرد المزدوج:
المفاوض الإيراني لم يذهب إلى جنيف وفيينا كطرف "مستسلم" يطلب رفع العقوبات؛ بل جرى تصوير الأمر داخلياً على أن "إيران فرضت اعترافاً دولياً بحقها في التخصيب على الدول الست الكبرى"، وأن المرونة هي تاكتيك للمصارع الشجاع الذي يتراجع خطوة ليسدد ضربة أقوى. هنا نجحت "عقلانية الهوية" في إدارة التنازل المادي دون خسارة الرأسمال الرمزي.
العلاقات الدولية ليست مجرد لعبة شطرنج تُحسم من خلال حسابات القوة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل هي أيضًا مسرح تُستعرض فيه الكرامة السياسية والرغبة في تحقيق الاعتراف الدولي. يتجلى ضعف الإدارات الأمريكية في فهم طبيعة الجمهورية الإسلامية من خلال الفشل المتكرر في استيعاب أن "الهوية وسرد المقاومة" بالنسبة لنظام ديني ليست مجرد شعارات تُرفع للاستهلاك المحلي، بل هي جزء جوهري من أمنها القومي، قد يتجاوز في أهميته أحيانًا الحسابات المادية للربح والخسارة. لذا، لن يكون هناك اتفاق ممكن ما لم يظهر في واشنطن صانع قرار يمتلك من الفهم ما يمكّنه من إدراك أن إعطاء طهران "مخرجًا رمزيًا يحفظ كبرياءها الأيديولوجي" لا يُعد سوى ثمنًا بسيطًا بالمقارنة مع المكاسب الاستراتيجية الكبرى.

في هذا الإطار، لم تكن الجمهورية الإسلامية هي المخترعة لفلسفة "رفض الهيمنة الأجنبية"، بل هي وريثة تاريخ طويل من الجروح النفسية والجماعية التي ترسخت في الوجدان الجمعي الإيراني. تاريخ إيران الحديث حافل بأحداث جسدت الصراع على السيادة، حيث لم يكن التنافس على السلطة محصورًا في شكل النظام فحسب، بل امتد أيضًا إلى التساؤل حول "من هو الحارس الحقيقي للسيادة الإيرانية في وجه التدخلات الأجنبية". تحمل الذاكرة الإيرانية إرثًا من الصدمات التي أنتجت شعورًا دائمًا بالريبة إزاء النوايا الخارجية، بداية من معاهدتي غلستان (1813) وتركمانجاي (1828) مع روسيا القيصرية، حيث خسرت إيران بموجبهما أجزاء واسعة من أراضيها التاريخية، مرورًا بمعاهدة التبغ واتفاقيات الامتيازات النفطية البريطانية.


تظل الإطاحة بحكومة محمد مصدق الوطنية عبر التخطيط المشترك للاستخبارات الأمريكية والبريطانية (عملية أياكس) نقطة تحول فارقة، إذ عززت الاعتقاد الراسخ لدى النخبة السياسية الإيرانية، سواء الليبرالية أو القومية أو الدينية، بأن أي تقارب وثيق أو ثقة بالغرب تؤدي حتمًا إلى فقدان القرار السيادي. عندما اندلعت ثورة عام 1979، لم يكن شعار "لا شرقية ولا غربية" اجتهادًا جديدًا، بل جاء كمحاولة لتقنين المظلومية التاريخية وتجسيدها في قالب إيديولوجي ومذهبي. سقوط الشاه لدى قطاعات كبيرة من الشعب لم يكن بسبب فشله في تحديث البلاد، بل بسبب انطباع ارتباطه بالإرادة الأمريكية وتصويره كمنفذ خاضع. ومن هذا المنطلق، فإن أي تراجع أو استرضاء للمواقف الدولية يُعد من منظور السلطة الإيرانية بمثابة "نكوص تاريخي" يعيد للأذهان زمن التبعية إبان حكم الشاه، ويُثير شبح العودة إلى تلك العقدة القديمة التي لطالما سعت إيران إلى تجاوزها.



هذا النزاع ليس مجرد خلاف حول "أجهزة الطرد المركزي" أو "عقوبات بمليارات الدولارات"، بل هو مواجهة أعمق بين ثقافتين ورؤيتين متباينتين للعالم. ترى واشنطن في الاتفاقات وسيلة لـ"ترويض سلوك الدول المارقة"، حيث تميل الدبلوماسية الأمريكية، لا سيما في فترات الهيمنة أو في ظل الإدارات الشعبوية، إلى تقديم الاتفاقات باعتبارها "صك إذعان" تم تحقيقه من خلال "الضغط والإجبار".
يتبع



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-


المزيد.....




- ميدفيديف: روسيا عازمة على توسيع تعاونها مع الجمهورية الإسلام ...
- ميدفيديف: الاتحاد الروسي سيواصل دعم الحقوق والمصالح المشروعة ...
- بين الحداد والسياسة.. طهران على موعد مع أكبر مراسم وداع في ت ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يوسع هجماته في منطقة الساحل الأفريق ...
- غالبيتها بالقدس.. 83 اعتداء إسرائيليا على مسيحيين خلال 3 أشه ...
- إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان المرشد الأعلى السابق علي ...
- وصول جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي إلى مصلّ ...
- رئيس مؤسسة الدعاية الإسلامية الشيخ محمد قمي: هناك أخوة مع ال ...
- سوريا: إدراج الجامع العمري بقوائم إيسيسكو يرسخ مكانته التاري ...
- عشرات الآلاف من المصلين يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ا ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حميد كوره جي - الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من الميتافيزيقا إلى البيروقراطية- الجزء 2