أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حميد كوره جي - من -الزمهرير- إلى -القيظ-














المزيد.....

من -الزمهرير- إلى -القيظ-


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية
    


كيف يعيد التغير المناخي صياغة لغة الشمال؟

لطالما كانت اللغةُ مرآةً للجغرافيا، والبيئةُ هي التربة التي نبتت فيها استعاراتنا. لطالما صاغ الغربيون، في شمالهم البارد، مفرداتهم وبلاغتهم بناءً على علاقة صراع أو احتفاء مع الشتاء والجليد. كان "الزمهرير" هو الاستعارة القصوى للموت والعدم، وكان "الدفء" هو الحلم الذي يطارد قصائد شتائهم الطويل. ولكن، مع تسارع وتيرة التغير المناخي وذوبان الثوابت الجغرافية، نحن اليوم بصدد "زلزال لغوي" لا يقل خطورة عن التغيرات البيئية نفسها.

انقلاب الاستعارات: حين يصبح الجحيم حاراً

في العهود السابقة، كان الأدب الشمالي يرى في الشمس والحرارة "خلاصاً". ولنتأمل سونيتا شكسبير الثامنة عشرة، التي ترجمها الراحل العلامة محمد عناني برهافةٍ وضعت الإصبع على عمق الإشكالية، حين قارن المحبوب بنسيم ليلة الصيف:
"أأُشبِّهكَ بنسيمِ ليلةِ صيف؟
بل أنتَ أبهى وألطفُ منهُ وألين،
ففي الصيفِ تعصفُ رياحٌ عاتيةٌ تُسقِطُ براعمَ مايو الزاهية،
وليلةُ الصيفِ قصيرةُ الأمدِ لا تلبثُ أن تزول."

لقد كان "صيف شكسبير" في المخيال الإنجليزي ذروة الجمال والاعتدال. أما اليوم، فالواقع المعاش يفرض "انقلاباً دلالياً"؛ فذلك الصيف الشكسبيري، الذي كان يُحسد عليه الشمال، بدأ يتحول إلى قوة غاشمة. إن اللغة التي بُنيت على "استقرار الفصول" تجد نفسها الآن عاجزة أمام الظواهر المتطرفة؛ حيث بات "القيظ" يهدد الشمال، وحيث لم يعد الصيف مجرد فصلٍ للبهجة.


وهذه ترجمة أخرى أراها أفضل من ناحية اللغة الشعرية نظراً إلى أن من قامت بترجمتها

هي الشاعرة ( فطينة النائب ) و نشرت في كتاب فن الترجمة للدكتور ( صفاء

خلوصي ) عام 1986 م إلا أن الشاعرة أضافت الكثير و غيرت نوعاً ما في

معاني القصيدة الأصلية لتقدمها بهذا الأسلوب الشعري الجميل :


من ذا يقارن حسنك المغرى بصيف قد تجلى
وفنون سحرك قد بدت فى ناظرى أسمى وأغلى
تجنى الرياح العاتيات على البراعم وهى جذلى
والصيف يمضى مسرعا اذ عقده المحدود ولى


كم أشرقت عين السماء بحرها تلتهب
ولكم خبا فى وجهها الذهبى نور يغرب
لابد للحسن البهى عن الجميل سيذهب
فالدهر تغير واطوار الطبيعة قلب


لكن صيفك سرمدى ما اعتراه ذبول
لن يفقد الحسن الذى ملكت فيه بخيل
والموت لن يزهو بظلك فى حماه يجول
ستعاصرين الدهر فى شعرى وفيه أقول:

ما دامت الأنفاس تصعد والعيون تحدق
سيظل شعرى خالداً وعليك عمراً يغدق.


من "برد القلوب" إلى "عطش الشمال"

في الثقافة العربية، التي صاغت وعيها في بيئة قاسية، كان "البرد" دائماً مرادفاً للرحمة. حين نقول "الله يبرد قلبك، مثل ما بردت قلبي!"، بينما في الغرب الشمالي يقوان " الله يدفيء قلبك". نحن نستحضر البرد كفعلِ إنقاذٍ للروح من لظى القلق أو الحزن. وحين نطلق صرخة "أوفّيش.. ع الهوا البارد!"، أو "الهوا عذيبي!" فنحن نعيش طقوس التلذذ بنعمةٍ كانت هي الأثمن.

هذه التعابير التي كانت تبدو "شرقية بامتياز" بدأت تتسرب اليوم إلى وجدان الغربي الشمالي، ليس كاستعارة أدبية، بل كحاجة فيزيائية ملحة. إن الشخص الذي كان يخشى "الزمهرير" (برودة الشمال القاتلة) أصبح اليوم يلهث بحثاً عن نسمة باردة، وصار "البرد" في لغته هو العملة النادرة التي يتمنى استعارة تعبيراتها من أهل المناطق الحارة.

نحو "بلاغة الطوارئ"

إننا نشهد ما يمكن تسميته بـ "تصحّر البلاغة الشمالية". فالمصطلحات التي كانت تشكل جوهر الوجدان الشمالي، مثل "الجليد الأزلي" أو "ثبات الأنهار"، بدأت تفقد قوتها الإقناعية مع زوال هذه الظواهر فعلياً. هذا الفقد المادي يترجم إلى "فراغ لغوي"؛ فالمبدع الغربي اليوم يقف أمام "مشهد طبيعي يتفكك"، ولا يجد في قاموسه التقليدي ما يصف به الغابة التي تحترق أو النهر الذي يجف، مما يجعله ينظر بعين الانبهار -ربما- إلى لغتنا التي ألِفت الحرارة وتكيفت مع قسوتها.
إن اللغة القادمة لن تكون لغة توصيفية للجمال الطبيعي فحسب، بل ستكون "لغة طوارئ" تعترف بالطبيعة كـ "كائن مضطرب". قد نجد أدباء الشمال يستعيرون من الحكمة العربية القديمة استعارات "الصمود" في وجه الحر، لا كنوع من الفلكلور، بل كأدوات بقاء.
في نهاية المطاف، إن تغير المناخ ليس مجرد أزمة بيئية، بل هو "إعادة ضبط" لوعينا بالعالم. وبينما تعيد الأرض رسم خرائطها، فإن اللغة تتبعها، ببطء وألم، لتكتب قصة كوكبٍ لم يعد يعرف الاستقرار، كوكبٍ صار فيه "الزمهرير" ذكرى بعيدة، وصار "القيظ" هو العنوان الجديد لحكاية العصر، وبات الجميع، شمالاً وجنوباً، يتوقون للحظةٍ صادقة يهمسون فيها: "الله يبرد قلوبنا".

مالمو
2026-07-12



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...
- عقارب في موجة مشلولة
- كريم كابان يغنّي وصية العاشق الهائم
- عن التنمّر الثقافي ومحاولات التجهيل الجبانة
- أعيدوا للماركسية جوهرها الجدلي!
- المادة بين -قبضة- لينين و-سيولة- الفيزياء الحديثة
- بشتآشان: مأساة التحالفات وحسابات الجبل المعقدة
- سادنُ النّارِ والرماد
- من -المقص- إلى -الخوارزمية-
- قمة غوادلوب 1979
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...


المزيد.....




- سيول تطلب من بيونغ يانغ المساعدة في البحث عن عنصر مفقود من ا ...
- رئيس وزراء بولندي أسبق: أوكرانيا ستستمر في تكريم أنصار باندي ...
- ترامب ينشر صورة لقاذفة نووية بالتزامن مع غارات جديدة على إير ...
- تحالف أوروبي لتعزيز الاستقلال الدفاعي
- -نوفوستي-: إسقاط 4830 طائرة مسيرة أوكرانية فوق روسيا خلال ال ...
- اجتماع في سرت بين حفتر والنمروش
- بعد مسؤولتين من الأرجنتين وباراغواي، تصريح -عنصري- من رئيس و ...
- مخطط إسرائيلي لبناء أكبر مشروع استيطاني في القدس
- صحف أمريكية وبريطانية: مؤسس قطر الحديثة وإرث من الدبلوماسية ...
- إيران ترسل تحذيرًا لدول الجوار بعد الضربات الأمريكية


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حميد كوره جي - من -الزمهرير- إلى -القيظ-