أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اللقاء الأخير














المزيد.....

قصة قصيرة: اللقاء الأخير


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 00:16
المحور: الادب والفن
    


لم يكن بينهما ذلك اللهيب الذي يسبق الزواج، ولا تلك النظرات المفعمة بالشغف التي تسبق العقد. بل كان الحبُّ طفلاً وُلد بعد ميثاق الغصن، نما في ظلِّ التآلف، وتغذّى على مرور الأيام. روحيهما تشابكتا كما تشتبك جذور شجرتين في باطن الأرض، وصارت كل نفسٍ منهما تشتاق إلى الأخرى وكأنها قطعةٌ مفقودة. كان حباً استثنائياً، قائماً على العطاء بلا حساب، والإيثار بلا تردد، والثقة التي لا تزعزعها ريح.
لكن للحياة وجهاً آخر، تخفي خلف دفئها صقيعاً، وفي ضحكاتها مكابدات. وفي لحظة ظنّا فيها أن مركبهما يمخر عباب الأمان، وإذا بالغيْرة تتسلل خفيةً من قلوب بعض الكنّات، وكالأفاعي تنساب كلماتهن المسمومة، لتتسع كالفجوات في جدار كان يبدو متيناً. ودون أن يشعرا، وجدا نفسيهما في دوامة شك لم يكونا يحسبان لها حساباً، دوامة تمتص الأمان، وتُخرِس الألفة.
حاول الزوج أن يُدير ظهره لكل تلك الهمسات، أن يتعامل معها كما يتعامل المرء مع سراب. لكن الدلائل كانت تُلقى أمامه كالحجارة، والمقارنات كالسهام، حتى صار كل يوم يحمل دليلاً جديداً، وكل لقاء يترك شكاً آخر.
أما هي، فاختارت الصمت سلاحاً. كانت تراه حائراً، تائه البال، كأنما يحمل هماً لا يفصح عنه. اعتمدت على عامل الوقت، ظنت أن الأيام ستمحو الغبار، وأن الحب سينتصر كما انتصر من قبل. لكن الزمن خانها، ولم يسعفها بفرصةٍ كافية، إذ تضاغط عليها ضغط العائلة كالسقف المتهاوي، وحدث ما كانا يخشيان منه: لم يعد أمامهما سوى فراق قسري، كالجرح الذي لا يندمل.
في نهارٍ في أواخر الربيع، كانت تحمل حزمة حطبٍ على ظهرها، تعود إلى بيت أبيها، حين وقع نظرها عليه. كان هو طليقها، واقفاً هناك كطيف من ماض بعيد. توقفتْ، لم تعد قادرةً على الحركة، قدماها كأنهما صُبَّتا بالرصاص، ودموعها انهمرت كشلالٍ لا ينقطع.
أما هو، فلم يكن أقل تأثراً، حاول أن يتمالك نفسه، أن يسيطر على انفعاله، لكن الحب كان أقوى من كل الظروف والأعراف، يجره إليها كالمغناطيس.
دون وعيٍ منه، اقترب منها، وخطواته كانت ثقيلة كمن يمشي فوق جمر. رفعت عيناها المغرورقتان بالدموع، وسألته بصوتٍ ينكسر:
- لماذا؟ لماذا كل هذا؟
يجيب وقد بح صوته:
- لم يكن بيدي... لم أستطع أن أوقف زحف الشكوك. كانت كالرمل المتحرك تحت قدمي.
- ألا تعرف بأني أحبك؟ أن حبي لك كان نبتاً نمى في قلبي بعد الزواج، لا قبله، لكنه أصبح أعمق من كل الجذور؟
- بلى... أنا واثق من ذلك. لا أرتاب بك، بل أرتاب بالدنيا من حولي.
- إذاً لماذا؟ لماذا سمحت لهم بأن يفرقوا بيننا؟
- كانت هناك غشاوة أمام عيني، غبارٌ أثاره الآخرون، ضبابٌ جعلني أرى الشبح مكان الجسد، والوهم مكان الحقيقة.
في تلك اللحظة، وتحت أنظارٍ لا تؤمن بغريزة الحب، ولا باندفاع العاطفي دون وعي، تدخلت الأعراف الصارمة كجدارٍ من حديد. النظرة بين طليق وطليقته ممنوعة، والكلمة تُفسَّر شراً، والخطوة تُحسب جريمة.
وسرعان ما تدخل الحاضرون، لم يمهلوهما فرصةً ليتنفسا، أو ليشرحا، بل سارعوا إلى تفسير المواقف بعيونٍ لا ترى غير المحرمات. وحدث ما كان سيحدث: أبرحوه ضرباً، وكالوا له التعنيف، وصفعوه بكل ما تيسر من قبضات وكلمات. وما هي إلا لحظات حتى افترقا على غير إرادتهما، هو يُجر بعيداً وهي تُسحب، فلم يعد يرى كل منهما الآخر في زحمة الأيدي والصيحات. ولم يعد يرَاها بعد ذلك اليوم، ولم تعد تراه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: تحت رماد الغيوم
- قصة قصيرة: الصدفة
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة


المزيد.....




- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى
- من اليمن إلى كابل.. معلمون عرب يدرّسون اللغة العربية من جذور ...
- مثقفون بلا حدود ..خريطة جديدة بالإذاعة الثقافية المصرية  
- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: اللقاء الأخير