أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الحمار الأبيض... حكاية لا تموت














المزيد.....

الحمار الأبيض... حكاية لا تموت


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:29
المحور: الادب والفن
    


أنا الراوي، حارس ما تبقى من حكايات القرية، أجمع من بين غبار السنين ما سقط من ذاكرة الناس، وأعيد للكلمات وجوها رحلت، وأصواتا خفتت، وأياما كانت تمشي على مهل فوق تراب الأرض.

في صندوق الذاكرة الذي أحمله، ليست هناك قصص العظماء فقط، بل قصص أولئك الذين عاشوا بيننا بصمت، وخدمونا دون أن يطلبوا منا شيئا. ومن بين هذه الحكايات، تخرج حكاية الحمار الأبيض، ذلك الرفيق الذي كان يعرف طرق القرية أكثر مما يعرفها أهلها.

في كرمة بن سالم، حيث كانت عين جعفر، أو "العنصر" كما يسميها أهل المكان، تروي العطشى وتسقي الحقول، كان الحمار الأبيض جزءا من يوميات الناس. لم يكن مجرد حيوان مربوط في زاوية من الدار، بل كان وجها مألوفا من وجوه الحياة.

كان يحمل الماء، ويحمل الحطب، ويحمل أكياس القمح والزيتون، ويحمل الحجارة التي ارتفعت بها جدران البيوت. كان يحمل تعب الناس فوق ظهره، لكنه لم يحمل ضيقا في قلبه، لأن الكائنات الصامتة أحيانا تعرف معنى الوفاء أكثر من الذين يتكلمون كثيرا.

كان أهل القرية يعرفونه، وكان يعرفهم. يأتي الرجل إلى دارنا، يفك العقدة المربوطة حول رجله، ويأخذه معه لقضاء حاجته، ثم يعيده عند المساء. لم يكن الحبل هو الذي يربطه بنا، بل كانت الألفة. فالذي يعيش بين الناس طويلا يصبح جزءا من ذاكرتهم، حتى لو لم ينطق بكلمة واحدة.

أما أنا، فقد كان لي معه موعد آخر. كنت طفلا صغيرا أجد في صحبته عالما من الطمأنينة. كنت أرافقه إلى دكان المرحوم، المسمى قيد حياته عمي سلام الفقير، وهناك كانت تبدأ حكاية أخرى. أشتري الحلوى التي كنا نسميها "فانيد جبح"، وبعض قطع البسكويت، ثم أمنحه نصيبه منها. كان يأكل بهدوء، وكأنه يقول لي إن الفرح لا قيمة له إذا لم نتقاسمه مع من نحب.

لم أكن أراه حمارا فقط، بل كنت أراه صديقا يعرف الطريق إلى قلبي. كانت خطواته البطيئة تعلم طفلا صغيرا أن الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى سرعة، وأن بعض الرفقة تبقى معنا حتى بعد أن يغيب أصحابها.

لكن الزمن، ذلك المسافر الذي لا يتوقف عند باب أحد، وصل إليه أيضا. انحنى ظهره الذي حمل أثقال القرية، وضعفت قوته التي خدمت الناس سنوات طويلة. وحين لم يعد قادرا على العطاء كما كان، تغيرت مكانته في عيون البعض.

هكذا انتهت رحلته إلى حديقة الحيوان، نهاية لم تكن تشبه حياته. ذلك الذي عاش يخدم الإنسان، أصبح هو نفسه محتاجا إلى من يرعاه، ويحميه. وكان مصيره بين الأسود والضباع، في مشهد بقي عالقا في ذاكرة طفل لم يكن يملك يومها إلا الحزن.

كنت صغيرا، ولم تكن لي سلطة على ما حدث. كنت تحت رعاية إخوتي الكبار، أراقب العالم من مكان لا يسمح لي بتغيير شيء. لكنني احتفظت بصورته، وكأنني كنت أخبئه من الموت داخل حكاية.

واليوم، وأنا أروي هذه القصة، لا أستعيد حمارا فقط، بل أستعيد زمنا كاملا. زمنا كانت فيه الأشياء البسيطة تحمل معنى كبيرا، وكانت فيه الكائنات التي ترافق الإنسان تصبح جزءا من العائلة والبيت والذاكرة.

أنا الراوي، حارس حكايات السلام، أشهد أن بعض الأرواح لا ترحل حين تغيب، بل تبقى في الأماكن التي أحبتها، وفي القلوب التي عرفت قيمتها.

وحين أفتح دفتر ذاكرتي، أرى شبح الحمار الأبيض واقفا في صفحته الأولى؛ لا كحمار، بل كرفيق كان الوفاء يمشي فيه على أربع قوائم.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأشرعة التي تبحث عن السلام
- ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة
- حين حوكم الضوء وتوارى الظلام
- أنا... صوت الحكاية الأولى
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية


المزيد.....




- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن
- حب وصداقة وشغف بالثقافة .. لماذا يتعلّم الألمان اللغة الكردي ...
- لماذا توارت السينما الإيرانية وراء عيون الأطفال؟
- فيلم يحكي عن عائلة ثرية ومهووسة بالموضة.. كيف تحولت أزياؤها ...
- سوريا تودّع الأديب مازن المبارك.. 7 عقود في خدمة اللغة العرب ...
- متحف رويريخ في موسكو يفتتح معرضا جديدا يضم 250 قطعة فنية
- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الحمار الأبيض... حكاية لا تموت