أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان














المزيد.....

جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 13:12
المحور: الادب والفن
    


لا يحتاج الشاعر الحقيقي إلى ضجيجٍ ليُسمَع، ولا إلى غموضٍ ليبدو عميقًا. يكفيه أن يكتب من المكان الذي تلتقي فيه التجربة بالصدق، فتغدو القصيدة أثرًا لا ينتهي بانتهاء القراءة. ومن هذا المكان، تحديدًا، يكتب القس جوزيف إيليا؛ شاعرًا لا يستعير اللغة من معجم البلاغة، بل من خبرة حياةٍ عاشت الألم والرجاء، والإيمان والحنين، والمحبة التي لم تفقد قدرتها على مقاومة القسوة.

والحديث عن جوزيف إيليا لا يستقيم إذا بدأ من صفته الكنسية وحدها، كما لا يكتمل إذا اقتصر على تجربته الشعرية مجردةً من سياقها الإنساني. فهو لم يكتب الشعر بوصفه امتدادًا للكهنوت، ولم يجعل الكهنوت إطارًا يحدّ من حرية القصيدة. ترك لكل منهما مجاله، حتى التقيا في مساحة أرحب؛ مساحة الإنسان، حيث تصبح الكلمة فعلًا أخلاقيًا، ويغدو الجمال طريقًا إلى المعنى، لا غايةً مستقلة عنه.

ومنذ عناوين دواوينه يلوح مشروع شعري يبحث عن الهوية قبل الزخرفة. ففي «أنا لغة أخرى» لا تبدو اللغة أداةً للتعبير، بل صورةً للكينونة، وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا يُعرَّف بما ينطق به، بل بما يتركه من أثر في العالم. أما «نمضي ولا نمضي» فتختزل مفارقة الزمن والذاكرة؛ نمضي بأجسادنا، بينما يظل شيءٌ منا مقيمًا في الأمكنة الأولى، وفي الوجوه التي صنعتنا، وفي الكلمات التي لا تكف عن العودة.

وتنعكس هذه الرؤية بوضوح في قصائده. فهو لا يطارد الصورة الغريبة، ولا يثقل النص بالمجازات المتكلفة، بل يراهن على صفاء العبارة وقدرتها على حمل المعنى. والوضوح الذي يختاره ليس بساطةً ساذجة، بل ثمرة ثقة بالنص؛ إذ يبدو مؤمنًا بأن العمق لا يولد من الغموض، وإنما من صدق التجربة وشفافية الرؤية.

في قصيدته «هو الشعر» يقدّم جوزيف إيليا رؤيته للكتابة من غير تنظير. فالشعر، في نظره، ليس مهارةً لغوية، ولا تمرينًا على البلاغة، بل قدرة على إعادة الحياة إلى ما يوشك أن ييبس في الداخل. ويقول:

«ويخضرُّ ما فينا وننسى جفافَنا

هو الشِّعرُ عنوانٌ لخُلدٍ نريدُهُ
فبالشِّعرِ وحشُ الموتِ فانٍ ومزدَرى.»

فالشعر هنا قوة حياة، وفعل مقاومة للجفاف الروحي، ومحاولة دائمة لاستعادة الإنسان من قسوة العالم. ولعل هذه النظرة هي التي تمنح قصائده ذلك الهدوء الواثق؛ فهي لا تصرخ لأنها تثق بقوة الكلمة.

وفي قصيدة «أعرف» يبرز وجه آخر للشاعر؛ وجه الباحث الذي لا يدّعي امتلاك الحقيقة. يبدأ باعتراف يذكّر بالحكمة السقراطية:

«أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف يغنّي هذا العصفورُ على شجري المكسور…
لكنّي أسمعُهُ
وأحاولُ أن أجعلَ من نغمتِهِ مزمورًا.»

لا يقف الشاعر عند حدود الاعتراف بالجهل، بل يحوّل السؤال إلى بداية تأمل، حيث يتجاور الإيمان مع التواضع، والمعرفة مع الإصغاء، في توازن نادر لا تنقلب فيه القصيدة إلى خطاب وعظي، بل تبقى مساحةً إنسانية للتفكير.

أما في قصائده الوجدانية، ولا سيما «أتحبني؟»، فإن المرأة لا تظهر بوصفها موضوعًا للغزل التقليدي، بل شريكًا في اكتشاف المعنى. يقول:

«ما أنتِ ملهمةً لقافيتي
بل أنتِ أكبرُ حين أذكرُها
أنتِ الحقيقةُ نبضُ أوردتي
لا شيء في دهري يزوّرُها.»

فالحب عنده ليس انفعالًا عابرًا، ولا انتصارًا للأنا، بل فعل ارتقاء يحرر الإنسان من قسوته الداخلية. ولهذا تأتي لغته رقيقةً من غير ضعف، وعميقةً من غير تعقيد، لأنها تنطلق من احترام الإنسان قبل الاحتفاء بالصورة.

وربما كانت هذه السمة هي الأكثر حضورًا في مجمل تجربته؛ فالمحبة ليست موضوعًا يكرره، بل البنية الخفية التي تنتظم عالمه الشعري. إنها حاضرة في نظرته إلى الإنسان، وإلى الوطن، وإلى المعرفة، وحتى إلى الشعر نفسه. لذلك لا تبدو القصيدة عنده وسيلةً للهروب من الواقع، بل محاولة لإصلاح شيء فيه، ولو كان ذلك الشيء قلبًا واحدًا أرهقته الخيبات.

ولم يكن المنفى، الذي فرضته ظروف الحياة على كثير من السوريين، مجرد انتقال جغرافي في تجربة جوزيف إيليا، بل تحوّل إلى اختبار للذاكرة، وإلى مساحة يتجدد فيها معنى الانتماء. لكنه لم يكتب الغربة بلغة الرثاء، ولم يجعل الوطن شعارًا عاطفيًا. ظل الوطن عنده ذاكرةً أخلاقية، وحضورًا يسكن اللغة أكثر مما يسكن الخرائط.

وقد يقال إن جوزيف إيليا لا ينتمي إلى المغامرة الحداثية التي تقوم على تفكيك البنية الشعرية أو الإغراق في الرمز، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. غير أن القيمة الأدبية لا تُقاس دائمًا بمدى المغامرة الشكلية، بل بقدرة الشاعر على أن يخلق صوته الخاص. وقد اختار جوزيف إيليا طريقًا مختلفًا؛ طريق القصيدة التي تثق بالمعنى، وتؤمن بأن الجمال لا يحتاج إلى صخب كي يبقى.

إن ما يمنح هذه التجربة فرادتها ليس أنها تجمع بين الشعر والإيمان، فهذه التجربة عرفها الأدب العربي في أكثر من محطة، وإنما لأنها تجعل الإيمان قيمةً إنسانية تتجلى في أخلاق النص، لا في شعاراته. فلا يشعر القارئ أنه أمام قصيدة تريد أن تلقنه حقيقة، بل أمام شاعر يشاركه أسئلته، ويمنحه شيئًا من الطمأنينة التي اكتسبها عبر رحلة طويلة مع الحياة.

بعد قراءة شعر جوزيف إيليا، لا يبقى في الذاكرة بيتٌ واحد بقدر ما يبقى أثرٌ إنساني كامل. وهذا، في النهاية، هو الامتحان الأصعب لكل شاعر؛ أن تنتهي القصيدة، ويبقى الإنسان حاضرًا فيها. وقد نجح جوزيف إيليا في ذلك لأنه لم يكتب عن الإنسان من الخارج، بل كتب من داخله.

وهذه، في تقديري، هي القيمة الأجمل في تجربته.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...
- باب الأسرار
- حين يفقد المجتمع ثقته
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...


المزيد.....




- لوحات فنية بقيمة مليار روبل تُطرح في مزاد علني بموسكو
- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...
- من معرة صيدنايا إلى قرية السودا.. -خارج التغطية- ينسج حكاية ...
- الموسيقى العراقية تودع -فاروق هلال- بعد مسيرة فنية حافلة
- لوحة تذكارية للنحات الروسي ستيبان إرزيا في الأرجنتين تكريما ...
- المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ ...
- الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
- مصطفى الخاني يجتمع برونالدو ولويس فيغو خلال افتتاح -متحف الأ ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان