أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 11














المزيد.....

الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 11


السمّاح عبد الله
شاعر

(Alsammah Abdollah)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 10:07
المحور: الادب والفن
    


كانت الجلسة على هيئة دائرة تضم أكثر من ثلاثين رجلا، وكان كل منهم يتمتم في سره بكلام ما، أما هو فكان يتابعهم بعينيه، ولما رآني قادما، فرد ساقيه، ومد يديه على اتساعهما ورفعهما وخفضهما مرتين متتاليتين، لم يقل شيئا، وإنما ابتسم ابتسامته المعهودة، فابتسمت له، وأشار لي بالجلوس، فوسع لي اثنان مكانا بينهما فتربعت وجلست.
لاحظت أنهم جميعا ينظرون لي باستغراب، وربما بفرح، فتنحنح ذو الجلباب الأزرق الباهت فعاد كل رجل إلى صمته، هو نفسه عاد إلى صمته مرة أخرى بعد ترحيبه بي، كان الصمت مبالغا فيه، وطال أكثر مما كنت قد قدرت له، ومع مرور الوقت تأكدت أنها جلسة صمت، فلا كلام ولا نظرات، وإنما تمتمات صغيرة يحركون بها الشفاه، وكلمات غير تامة يتفوهون بها بصوت هامس، وبين الحين والحين يهتــف رجل بصوت خافت:
حي.
ويعودون لصمتهم.
كنت، في أوقات سابقة وفي لحظات مشابهة، قد عرفت بعض قوانين الحال، فالصمت كلام، والخلوة صحبة، والنوم ترحال، والأشياء حوالينا ليست جمادا كما يظنها غير العارفين، إن لها أرواحا ساكتة، تنتظر لمسة من العارفين فتصحو وتحوم حولنا.
فجأة رفع الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت وجهه الغارق في الصمت، وقال :
لا تقترب من الغلال ثانية في ظلام الليل، الغلال منذورة لأصحابها، والسارق وجهه أسود وعيناه كالحتان ويداه تدلان عليه، وقد ستر الله عليك فانتبه.
كان صوته متقطعا كخطواتـه في شارع الجرجاوية، لكنه كان واضحا ومفهوما، وكان حنونا، فإذا بأحد الرجال ينخرط في بكاء شديد، وإذا برجل يهم بالقيام إليه، فينهره بشدة ذو الجلباب الأزرق الباهت، فيعود لمكانه ثانية، ويصمت الباكي.
عاد الصمت مرة أخرى، وكأنه لم يقل شيئا، وكأن أحدا لم يبكِ، وبعد فترة طويلة رفع رأسه مرة أخرى، وقال:
طلقها ودعها لحال سبيلها، فلا ولاية لك عليها من الآن، وارع ولدك واصرف عليه.
الذي بجوار الذي بجواري نظر في الأرض وهو يقول بصوت خفيض:
ولكنها قليلة الأدب يا مولانا، وطماعة، ودائمة النظر لما في يد غيرها، و....
قاطعه ذو الجلباب الأزرق الباهت بإشارة من يده قائلا بحسم:
طلقها ودعها لحال سبيلها، فلا ولاية لك عليها من الآن، وارع ولدك واصرف عليه.
وعاد الصمت إلينا، لكنه هذه المرة طال أكثر مما يجب، لكنني كنت مرتاحا في جلستي، وكان ثمة هدوء غريب يخيم عليّ حتى تمنيت ألا يطلع صباح هذا اليوم، لكنه التفت إلى الذي بجواري وقال له:
هل أنهيت وردك؟
قال له:
نعم يا مولانا.
قال:
فأعطه لمن بجاورك.
ألقى مسبحته في حجري.
لم أكن منذ وسع لي مطرحا قد نظرت إليه، فلما ألقى مسبحته في حجري، رفعت عينيّ إلى وجهه لأشكره، عيناه هما نفس العينين الصارمتين اللتين يعرفهمـا كل طلاب المدرسة وعابرو شارعها، إنه ضابط شارع المدرسة، ولكن في الهيئة التنكرية التي رأيته عليها من بلكونة زميلي.
وضعت المسبحة في كفة يدي اليمنى، وظللت أرفعها وأهبطها وأنا أنظر إليه وإليها، ثم رفعت عينيّ إليه وقلت له:
ما هذا؟
همس بصوت خافت:
لتقرأ الورد.
حدقت في عينيه تماما، وكأنني آخذ بثأر كل زملائي في المدرسة وأنا أقول له بصوت حاسم وحازم:
وهل تظنني لم أقرأه؟ لا بد وأنك لم تفهم كلام مولانا جيدا، إنه لا يقصدني أنا، وألقيت المسبحة في حجره فانزلقت إلى الأرض، ورحت أواصل تمتماتي الخافتة وكلماتي غير التامة كما يفعلون.
كان ذو الجلباب الأزرق الباهت يتابعني أثناء حواري مع الضابط، كنت أقدر أنه لم يسمع الحوار، لكنني كنت متيقنا من أن جميع من بالحضرة متأكدون أنه سمعه، ليس هذا فحسب، بل إنه قادر على سماع ما يدور بخلدك دون أن تنبس به، وإلا ما كان يرد على ما تفكر فيه دون أن تقوله، ظلت عيناه مركزتين عليّ فيما يشبه الابتسام، وكان يهز رأسه فيما يشبه الموافقة، فألتقط الضابط المسبحة من الأرض، وألقاها في حجر الذي على يسـاره، فالتقطها فرحا وربّــع رجليه وراح يتمتم.



#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)       Alsammah_Abdollah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 10
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 9
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 8
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 7
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 6
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 5
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 4
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 3
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1
- أنا علقت بها، لكنها علقت بغيري!
- الشعراء والمرأة
- أم كلثوم نعمة الدنيا
- مائة قرش
- أحمد أمين يعاصر المخترعات كلها
- فتحي محفوظ يكتب عن قصيدة الزائر للشاعر السمّاح عبد الله
- قراءة في قصيدة إجابة للشاعر السمّاح عبد الله.
- قراءة في قصيدة نذر
- قراءة في قصيدة حواف الحرقة
- افتراض الحديقة


المزيد.....




- لوحة تذكارية للنحات الروسي ستيبان إرزيا في الأرجنتين تكريما ...
- المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ ...
- الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
- مصطفى الخاني يجتمع برونالدو ولويس فيغو خلال افتتاح -متحف الأ ...
- من -التخبط- إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خ ...
- مزيد من دور السينما تسعى للحصول على تراخيص لتقديم المشروبات ...
- الجمهور الياباني يحتفي بنجوم الباليه الروس في يوكوهاما
- مهرجان فينيسيا يكشف أفلام دورته الـ83.. وروبرت ميردوخ في فيل ...
- التخشبوش: رواية تاريخية من العصر المملوكي
- تركي آل الشيخ ينتشل نادر نور من -النسيان- بأغنية في ألبوم عم ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 11