أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1














المزيد.....

الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1


السمّاح عبد الله
شاعر

(Alsammah Abdollah)


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


كان الجو باردا جدا، وكنت أفرك يديّ استجلابا للدفء في شارع الجرجاوية العريض في سوهاج، هذا الشارع الذي تتفرع منه شوارع جانبية صغيرة متعددة، ما إن أبتديء في المرور من أمامها حتى يلفحني تيار هواء ساقع يُحَمِّرُ أذنيّ ويلهب أرنبة أنفي، وما إن أنتهي من المرور أمامها حتى يفاجئني شارعٌ جانبي آخر يُسَرِّبُ البرد من فتحات ملابسي إلى سائر أرجاء جسدي الغض النحيل، فأشعر بقشعريرة تنتفض لها كل حجرات القلب، أزرر جاكتتي وأفرد ياقتها وألفها حول رقبتي.
كان الشارع طويلا ولا يريـد أن ينتهي، وكنت أفكر:
لماذا يقع بيتنا في أطراف المدينة؟، وما كان ضر أبي لو انه كان اختار لنا سكنا في هذا الشارع الطويل ذي البنايات العديدة والبلكونات البارزة المربعة، والذي لا يريد أن ينتهي.؟
في هذه الأثناء لمحته لأول مرة، كان شيخا كبيرا متغضن الوجه محني الظهر شديد النحولة، يتعكز على عصًا لم تكن غير فرع شجرة معوج، كانت خطواته بطيئة جدا، حتى ليُخَيَّل لك أنه واقف، بل إن ثمة اهتزازا يعتري جسده كلما هم بتحريك إحدى رجليه، يجعله أحيانا كثيرة يرجع إلى الوراء بدلا من التقدم للأمام، فإذا ما خطا خطوتين للأمام يعود خطوة للوراء، مع ميل واضح في جسمه يشعرك أنه واقع لا محالة، أما حذاؤه الذي ينتعله فلم يكن غير "بُلغة" متهرئة تبين منها أصابع قدميه، وكان جلبابه الأزرق الباهت خفيفا جدا، وممتلئا بالفتحات، وفي كثير من قماشته ثقوب ورقع غير تامة التخييط، وأزرار جلبابه واقعة من أماكنها، حتى أن صدره كله مكشوف للتيار الثلجي، ومع هذا لم يكن يبدو عليه الابتراد.
هالني منظره، وحينما رآني أطيل النظر إليه، ابتسم لي، فاقتربت منه، وما إن حاذيته حتى تجاهلني تماما، ونظر للجانب الآخر، لم أكن أعرف لماذا اقتربت منه، ولا ماذا يمكنني أن أقدمه له، فقط، افترضت أنه ربما يطلب مني مساعدة ما.
عندما ابتعدت عنه، هانت عليّ حالتي الابترادية جدا بالقياس لحالته، وأشفقت كثيرا عليه، وفكرت: ترى كيف يحتمـل هذا الشيخ الكبير الضعيف شدة برودة شهر طوبة القاسية؟، وهو بهذه الهلاهيل البالية؟ وتساءلـت تـرى متى يصل إلى بيتـه والساعة تجاوزت العاشرة مساء؟.
فيما بعد، وعلى فترات متباعدة، وفي أكثر من مكان، كنت أصادف هذا الرجل ذا الجلباب الأزرق الباهت، هذا الرجل الذي قُدر لي أن أكون فصلا في سيرته العريضة، وأن يكون هو علامة فارقة في حياتي كلها، والذي كان بالنسبة لي حجر الزاوية لكثير من بناياتي السردية والشعرية والحياتية، أحاول بين الحين والحين استرجاع هذه الساعات التي درت فيها في فلكه، فتصيب جسمي قشعريرة، وتصيب قلبي رجفة تعود بي لهذه الخُطا الخفيفة التي كنت أخطوها في اتجاه الحضرة.
الغريب أنني لم أعرف له اسما على الإطلاق رغم محاولاتي المستميتة في معرفته، ولا أحد ممن كان معنا كان يعرف اسمه الحقيقي، كنا نسميه "عم الشيخ" وفقط، وكانت هذه الصفة تعنيه وحده رغم كثرة الأعمام والشيوخ، فإن قالها واحد منا فهو يعنيه هو، وإلا فهو مطالب بإكمال الكــلام كأن يقول "عـم الشيخ فلان" فنفهم قصده.
كنت أصادفه في السوق، وأحيانا في نفق الأوبرا، وأحيانا في أطراف المدينة، وأحيانا على سطح قطار، وأحيانا على سور الكوبري، فإذا ما رآني ألتفت إليه، تبسم ابتسامته الخفيفة، وكنت أتساءل:
كيف يمشي على السور دون أن تنزلق قدمه المهتزة بطبيعتها؟ بل كيف يصعد ويهبط من السور أصلا؟، أما صعوده لسطـح القــطار فكان يمثل لي لغــزا كبيرا.
أما أصدقائي فإنهم كانوا يصدقون هذه الروايات عنه بسهولة، بل إن كثيرا منهم كانوا يشاركون في روايتها بيقين كبير، مؤكدين أنه ذو ملكات خاصة وقدرات ليست ممنوحة لنا نحن البشر العاديين، كانوا يؤكدون رؤيته وهو يطير في الجو، أو وهو يحول جلبابه إلى خيمة تظلل كثيرا من الخضرة والزروع، فتهرع إليه القطاط والجواميس والأبقار وكلاب الطرقات الشريدة، أحد أصدقائي أكد لي أن والده رآه في موسم الحج يطوف معهم حول الكعبة المشرفة، كانوا كلهم بثياب الحج البيضاء إلا هو فقد كان مرتديا جلبابه الأزرق نفسه، العام قبل الماضي، في نفس الوقت الذي كان فيه في حضرة السيد البدوي بطنطا، أحدهم أتى بشهود عدول ليأكد لنا أنه رآه يمشي على الماء.



#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)       Alsammah_Abdollah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا علقت بها، لكنها علقت بغيري!
- الشعراء والمرأة
- أم كلثوم نعمة الدنيا
- مائة قرش
- أحمد أمين يعاصر المخترعات كلها
- فتحي محفوظ يكتب عن قصيدة الزائر للشاعر السمّاح عبد الله
- قراءة في قصيدة إجابة للشاعر السمّاح عبد الله.
- قراءة في قصيدة نذر
- قراءة في قصيدة حواف الحرقة
- افتراض الحديقة
- أحلام الثراء
- صوت الروح .. محمد أبو المجد
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 4 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 3 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 2 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 1 – 6
- لتحطمهم مثل الإبريق الخزف
- فِي نَامُوسِ الرَّبُّ مَسَرَّتَهُ
- الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت
- عن ضرورة البطل


المزيد.....




- ماريا بالاندينا تتولى إدارة متحف موسكو خلفا لآنا ترابكوفا
- توم كروز كما لم ترونه من قبل في الفيلم المرتقب -DIGGER-
- فرد حجاية: أم كلثوم في بغداد.. حكاية الزيارة الثانية بعد نصف ...
- فرد حجاية: الجانب المنسي من حياة الشاعر الكبير معروف الرصافي ...
- في عيدها الخمسين.. بوتين يشيد بمسيرة راقصة الباليه ديانا فيش ...
- الإقبال على موسيقى البوب الروسية يقفز سبعة أضعاف في ثلاثة أش ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة من العصر الرعامسي في الضفة الغربية للأقصر ...
- خبر ثقافى كتاب جديد للدكتور ياسر الجمال
- استطلاع روسي يكشف موقف الجمهور من استخدام الذكاء الاصطناعي ف ...
- بعد التشكيك في أصوله.. متحف روسي يدافع عن الكوكوشنيك كرمز لل ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1