السمّاح عبد الله
شاعر
(Alsammah Abdollah)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 00:12
المحور:
الادب والفن
سأل صحفي "نجيب محفوظ" عن "أم كلثوم"، ففكر بعض الشيء، ثم قال بهدوء رزين:
نعمة الدنيا.
بداية تعرفه عليها عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وتشاجر مع صديقه لاعب الكرة من شلة العباسية حول عظمة صوت "منيرة المهدية"، التي كانت سقف الغناء في ذلك الوقت، فإذا بصاحبه لاعب الكرة يقول له بحدة:
أنت تقول ذلك لأنك لم تسمع "أم كلثوم".
فسأله:
ومن "أم كلثوم" هذه التي تريد أن تقارنها بالسلطانة؟.
فأجابه بحسم:
اسمعها، وتعال وقل لي رأيك.
وذهب لحفلتها، وقطع تذكرة، واستمع إليها، ومن يومها وهي خاطفة لبه.
كانت "أم كلثوم" بالنسبة له نعمة الدنيا بالفعل، فقد أحب الطرب على أنغامها، وكان يتحجج بمذاكرة دروسه مع أصدقائه بعد ثورة 1919، ويذهب إلى حفلاتها في مسرح الماجستيك الذي هدم وطلعت بدلا منه عمارة ضخمة في أول شارع فؤاد الذي أصبح اسمه شارع 26 يوليو بعد ثورة 23 يوليو، وبسببها قرر أن يصبح مطربا، فانتسب إللى معهد الموسيقا العربية ليتعلم العزف، وكان من أساتذته في هذا المعهد "العقاد" الكبير، أشهر عازف للقانون في مصر، وأحد أعضاء فرقة "أم كلثوم".
عندما تقدم "نجيب محفوظ" للامتحان في معهد الموسيقا العربية، كانت اللجنة التي ستختبره مكونة من أساتذة المعهد الأكاديميين، وبعض الهواة والسميعة من خارج المعهد، في ذلك الوقت كان للسميعة مكانة مرموقة في حياة الموسيقيين والمطربين، وكان المعلم "دبشة" الجزار الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة واحدا من أعضاء اللجنة التي ستمتحن الطلاب، يجلس مع كبار الأكاديميين، ويقول الرأي ويشير بالمشورة، وما يقوله يؤخذ بعين الاعتبار، مثله مثل رئيس اللجنة، وقد أجازت هذه اللجنة الطالب "نجيب محفوظ" ليدرس في المعهد.
المعلم "دبشة" هذا له كرسي مخصوص في الصفوف الأولى لحفلات "أم كلثوم" كلها، وهي كانت تخصه بعنايتها في الغناء، وتستجيب لطلباته لما يتسلطن، ويطلب منها إعادة الكوبليه، حتى أنه في إحدى المرات ظل يطلب إعادة الكوبليه مرة ومرة ومرة، وفي المرة الأخيرة قالت "أم كلثوم" مرة أخرى لأجل خاطر عيون المعلم "دبشة"، ولما تغيب عن إحدى حفلاتها، أرسلت سائقها إلى بيته في حي بولاق الدكرور حاملا بوكيه ورد، لأنها عرفت أنه مريض، ولهذا السبب، تقرب منه "نجيب محفوظ"، وأحبه، فهو واحد من الأسس التي تقوم عليها حفلات الست.
في سينما جوسيه بشارع عماد الدين، التي هدمت وأقيم بدلا منها عمارة، يحتل الطابق الأرضي منها الآن فرع بنزيون، كان "نجيب محفوظ" يقطع تذكرة، ويجلس في الصفوف الأخيرة ليستمع إلى "أم كلثوم" التي كانت تقيم حفلاتها ذلك الوقت فيها، السينما وسيعة، تتسع لأكثر من ثلاثة آلاف سميع، وهي كانت قادرة على إسماعهم جميعا بدون ميكرفون، فيما بعد، كان يستمع إلى هذه الأغاني التي استمع إليها في سينما جوسيه ولكن فى اسطوانات حديدية، وكان يجد فارقا كبيرا، لأن الواقع أكثر روعة آلاف المرات.
لما ابتدأت الإذاعة المصرية الحكومية بث أثيرها في عام 1934، خصصت حفلتين لأم كلثوم يومي الإثنين والخميس، فانتقلت من خصوصية الحفلات العمومية ألى الشوارع والبيوت، وأصبحت ملكا مشاعا للناس كلهم، بعد أن كانت ملكا خاصا لسميعتها الخلصاء، الأمر الذي ضايق "نجيب محفوظ" جدا، فتكرار أغانيها للناس كلهم مرتين في االأسبوع، سيجعلها عادية ومكرورة وربما يملها الناس، فأرسل إليها خطابا قليل الكلمات موقعا من فاعل خير، يقول لها فيه:
من فضلك، عززي نفسك، ولا تكرري الغناء مرتين في الأسبوع، واكتفي بمرة واحدة في الشهر، حتى يشتاق إليك المحبون.
ويبدو أنها لم تستمع لنصيحته، أو ربما لم تقرأ خطابه أصلا، لأنها استمرت تغني كل اثنين وكل خميس.
وهو لا يستطيع أن يكتب إلا بعد أن يستمع إلى أغنية لها، يضع اسطوانتها على جهاز الجرامافون، الذي له بوق كالميكروفون، وإبرة تلتصق بالاسطوانة في دورانها البطيء، وينساب صوتها حنوانا قويا جوابا، ويظل يتمشى في الطرقة والصالة طوال الأغنية، ويترنم بشفتيه بالكلمات المموسقة، وعندما يتسلطن، يصرخ بالآهة المعجبانية، ويظل يروح ويجيء في الصالة حتى تنتهي الأغنية، فيخلع الاسطوانة، ويعيدها لكرتونتها، ثم يتوجه لمكتبه، ليكمل اشتجاره اليومي مع شخوصه الفنيين الذين يؤرقه مصيرهم المأساوي.
في جريدة الأيام، نهايات عام 1943، كتب "نجيب محفوظ" مقالة عن "أم كلثوم"، قال فيها:
ما من جمود مثل أن تقارن أي صوت من الأصوات المصرية بهذا الصوت المتعالي، فقل في غناء أسمهان وليلى مراد ونور الهدى ما تشاء إلا أن تقارنه بصوت أم كلثوم فتضره من حيث أردت أن تنفعه، وتهينه من حيث أردت أن تكرمه، وتمرغه في التراب وقد أردت أن تسمو به إلى السماء.
وعندما أنجب ابنته الأولى، أصر أن يسميها "أم كلثوم"، لكن السيدة عطية الله زوجته، نبهته إلى أن الدنيا تغيرت، وأن أسماء البنات هذه الأيام مختلفة عن أسمائهن في الجيل الماضي، ولفتت انتباهه إلى أن أسماء كثيرة مثل "رمش العين" و "سلسبيل" و "بذر الرمان" قد اندثرت تماما من قاموس سجل المواليد في النصف الثاني من القرن العشرين، كما أنه لم يعد من اللائق أن تسمى البنت باسم يبتديء بأم، هو اقتنع بالكلام من حيث المبدأ، فمنحها في الأوراق الرسمية اسم "هدى"، وهو من الأسماء التي شاعت هذه الأيام بديلا عن الأسماء الأخرى التي اندثرت، لكنه ظل يناديها بـ "أم كلثوم"، حتى نسيت الأسرة والأهل والجيران والزملاء اسمها الرسمي.
أما ابنته الثانية، فقد منحها اسم "أم كلثوم" في آخر أفلامها (فاطمة)، ولأنه يحب العدل، فكما منح ابنته الكبرى اسما رسميا، واسما حركيا، منح ابنته الصغرى اسما حركيا هو "فاتن".
وهكذا، ظلت "أم كلثوم" بالنسبة له تعيش في منطقة الحلم غير المتحقق، حتى نهايات عام 1961، عندما بلغ عامه الخمسين، فقرر أصدقاؤه الاحتفال به على طريقتهم الخاصة، لكن "صلاح جاهين" منسق الاحتفال، اكتشف حجم الورطة الكبيرة، عندما رأى أن من سيحضرون أكبر من ركنهم الخاص في كازينو قصر النيل، فاتجه لرئيس تحرير الأهرام "محمد حسنين هيكل" عله يجد له مكانا أكثر اتساعا يقيمون فيه حفلهم بالنجيب الخميسيني، فهو صاحب خبرة كبيرة بالأماكن التي تسهر، وتصلح لمثل هذا الاحتفال، لكن "هيكل" نفث دخان سيجاره الكوبي ذا الرائحة النفاذة في سقف حجرة مكتبه، وقال لـ "صلاح جاهين".
الأهرام أولى بهذا الاحتفال.
وتولي "هيكل" تنظيمه بطريقته البروتوكولية الرسمية، "نجيب محفوظ" ابن الشارع، ورفيق الحرافيش، ولا يرتدي الكرافتات أبدا، فلم يسترح للأمر، هو يفضل كازينو قصر النيل، الذي يتيح له هواء أكثر حرية من هواء الأهرام المكيف، لكن "محمد حسنين هيكل" همس في أذنه:
سأدعو "أم كلثوم".
فوقع قلبه في رجليه.
"هيكل" البروتوكولي العتيق، لم يدع "أم كلثوم" وحدها، بل دعا معها "محمد عبد الوهاب" و "فاتن حمامة"، ولم يشأ أن يحرمه من جوه الذي اعتاده، فدعا أصدقاءه الحرافيش، حتى بلغ عدد المدعويين قرابة المائتي شخص، لدرجة أن "توفيق الحكيم" أبخل خلق الله في الأرض، قدم له صينية من الفضة الخالصة، ظل "نجيب محفوظ" محتفظا بها طوال حياته، يفرجها للزوار فلا يصدقون، ويحكي حكايتها للجيران فيصابون بالدهشة، توفيق الحكيم؟، ومن حر ماله؟.
لما حانت اللحظة الكبرى، ووجد "نجيب محفوظ" نفسه وجها لوجه أمام "أم كلثوم"، ظل يتأمل قسمات وجهها، وكان يسأل نفسه:
أتأتي "أم كلثوم" خصيصا من أجلي أنا، وتغني لي في عيد ميلادي، وأنا الذي كنت أدور حولها في الحفلات؟
ولما مدت يدها لتسلم عليه، أحس بقشعريرة تنتاب جسده كله، كانت المرة الأولى التي يلمس فيها أصابعها، وكان كأنه يحلم.
ليس هذا فحسب، بل إنها لما قدمها "هيكل" لتتكلم، قالت جملة ألجمته من الفرحة:
لقد أسعدني "نجيب محفوظ" برواياته وقصصه في الخمسين عاما الأولى من عمره، واتمنى أن يسعدني خمسين عاما أخرى.
هنا، لم يتمالك "نجيب محفوظ" نفسه، فوقف ورد عليها بصوت مرتجف لكنه هاديء، وقال:
إذا كانت كتاباتي قد أسعدت "أم كلثوم"، فماذا يستطيع إنسان أن يفعل إزاء إحساسه بأنه أسعد مصدر سعادته.
في إحدى الجلسات التي ضمت بعضا من قصاصي وروائيي الستينيات، لاحظ "نجيب محفوظ" أن بعض كتاب اليسار يشتمون "أم كلثوم"، ويقولون عنها كلاما مؤذيا، من عينة أنها مطربة لكل العصور، ومادحة لكل الرؤساء، حتى اشتط أحدهم في الرأي وأعلن أنها السبب المباشر لنكسة 1967، عندها، نهض "نجيب محفوظ" غاضبا، تاركا المكان كله، "جمال الغيطاني" لحق به، وحاول استرضاءه، لكن "نجيب محفوظ" قال له بحدة:
قل لأصحابك يا "جمال" ألا يمسوا "أم كلثوم" بسوء في وجودي.
كانت مقابلته لها في عيد ميلاده الخمسيني، هي المرة الوحيدة التي قابلها فيها، لكنها ظلت بالفعل مصدر سعادة له طيلة عمره، غير أن المشكلة الكبرى التي عانى منها في سنواته الأخيرة، هي ضعف سمعه الذي ظل يتزايد عاما بعد عام، حتى كاد لا يسمع، فلم يعد قادرا على سماع أغانيها، ولم يعد مستطيعا أن يتبين اللحن الموسيقي، وكان أغرب ما يدهشه أنه لا يستطيع الاستماع إلا إلى لحنين فقط من أغاني "سيد درويش"، هما (سالمة يا سلامة) و (شد الحزام)، الأمر الذي جعله يستشير طبيبه الخاص في هذه الحالة العجائبية، الطبيب الخاص نفسه كان يتعجب من هذا الأمر، فالشعيرات الخاصة بالاستماع للموسيقا في أذنيه، قد ضمرت تماما، ولا بد أن "نجيب محفوظ" كان يتمنى لو انه يستطيع الاستماع لأغنيتين من أغاني "أم كلثوم" مثل (انت فاكراني ولا ناسياني) و (أمانا أيها القمر المطل)، بدلا من (سالمة يا سلامة) و (شد الحزام)، حتى يستطيع أن يستمتع بنعمة الدنيا.
#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)
Alsammah_Abdollah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟