أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2














المزيد.....

الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2


السمّاح عبد الله
شاعر

(Alsammah Abdollah)


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 14:38
المحور: الادب والفن
    


أما زميلي "علاء الجنايني" فقد أقسم لنا أن عمه عندما فتح المقبرة ليدفن جده، وجده داخل المقبرة يتحمم بليفة وصابونة، وبمجرد أن دخلوا عليه، انقطع اندفاق الماء الذي لم يعرفوا مصدره أبدا، فارتدى جلبابه الأزرق الباهت، وفرد يديه على اتساع المقبرة كلها، وسألهم:
لماذا تأخرتم؟
لم يكونوا يعرفونه مطلقا، ظنوه عفرينا،لكنه أكمل كلامه لهم بشكل عفوي:
أنا في شغل ومواعيدي مرصودة، وعلامات صاحبكم أضاءت المقبرة ثلاث مرات متتاليات، حتى خلت أن الأمانة خُطِفَتْ وأن السراقين ترصدوكم في الطرقات، فلماذا تأخرتم كل هذا الوقت؟.
واستلم منهم جثة جده، وأنامه على جانبه الأيمن، ومرر يده اليمنى على قماشة الكفن، وخرج معهم ليتقبل العزاء، وكأنه واحد من أقاربه.
لم يكن الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت ذا عمر تستطيع تكهنه، فهو يبدو ضاربا في الشيخوخة وذا جسد ضعيف مترهل كما رأيته أول مرة، وفي أحيان أخرى يبدو فتيا قوي البنيان شديد البأس، ولا أثر للتجاعيد في وجهه نهائيا، وثمة روايات لا آخر لها ترصد قوته الجبروتية التي يستطيع بها أن يمسك شباك قطار الصحافة فلا يستطيع سائق القطار أن يحركه، كما ترصد هذه الروايات بطشه بستة من البلطجية المسلحين حاولوا اغتصاب سيدة، فعجنهم في بعضهم بيده اليسرى فقط، واستخرج من بينهم السيدة سالمة من غير أذى بيده اليمنى، ليس هذا فحسب، بل إنه – حسب هذه الروايات – قادر على إيقاف السيارة السائرة بنظرة العين.
أحيـانا كثيرة كنــت أرى الشارع فارغا تماما ليس به أحد على الإطلاق، ثم تنشق الأرض عنه، أمامي مباشرة، بلا أي سبب منطقي، وأراه يمشي مشيته المرتبكة المعهودة، ويبتسم لي، فأبادله الابتسام وأواصل خطوي، وأعود لألتفلت إليه مرة أخرى، فلا أراه في البقعة التي كان يمشي فيها، وأرى الشارع فارغا تماما كما كان، وكأن الأرض لم تنشق عنه، أو كأنها انشقت مرة أخرى وابتلعته.
لكنني في أغلب الأحيان، كنت كلما رأيته في شارع ما، أتوقف لأراقبه وأتأمل حركاته البطيئة واهتزازاته، فلا أراه إلا رجلا هرما نحيلا ذا هلاهيل بالية، لا تقوى قدماه على حمله، وكثير من العابرين كانوا يمدون له أيديهم ليعبروا به الطريق، أو ليتعكز عليهم، وفي كل مرة كان ينظر لي ويبتسم، وكان كما رأيته أول مرة، يتقدم للأمام خطوتين ويعود للخلف خطوة، حتى ليُهَيَّأ لرائيه أنه يستغرق اليوم كله من شروق الشمس لمغربها في الوصول لبيته الذي لم يفلح أحدٌ أبدا في معرفته، أو ان أحدا لم يهتم بالأمر، لكنه كان في كـــل مـــــرة يرانـــــي فيهـــــا يبتســـــم لي، وكنـــــت أرد عليه ابتسامته بابتسامة صامتة.
كان يأتيني كثيرا، حتى في أحلامي، حتى أيقنت أن خطواتي مرصودة، ونظراتي مقصورة، وأفقي يحتويه.
مرة أعطاني ليمونة ذابلة، كنت ذاهبا للمدرسة في الصباح الباكر، وقابلته، مرت بجواره عربة حنطور مبطئة، كانت العربة بحصانين، وأبطأت كثيرا عندما اقتربت منه، ولما تجاوزته، اقتربت منه، خفت أن يكون قد أصابه أذى ما، فابتسم لي لما رأى هلعي عليه، وأخرج من جيبه ليمونة، أعطانيها، وربت على كتفي بحنو بالغ، وقال لي:
ازرعها في حوش المدرسة، ستكبر، وستحمل اسمك، وتصبح شجرة ليمون خضراء وصفراء، وستمنحك الخير الوفير، وسترعى أيامك، وستفرح بظلالها الوارفة.
أنا من ناحيتي، لم أكذب خبرا، حفرت حفرة صغيرة بملعقة وقلم رصاص على قد ليمونته وغطيتها بالتراب المبلل، وكنت كل فترة أحرص على رشها بالماء، دون أن يراني أحد، وكأنها سري الخاص، وتخيلتها وهي شجرة ليمون كبيرة تثمر وتظلل الحوش كله، حاملة اسمي، وتخيلت كيف أن ناظر المدرسة سيقول في طابور الصباح للطلاب الذين يأتون دائما من قراهم البعيدة متأخرين، وهو يؤنبهم ويزجرهم في الميكروفون، مشيرا إلى شجرتي:
قفوا عند شجرة السمّاح عبد الله، حتى أنظر في أمركم.
لكنها لم تنبت على الإطلاق، بل إن المكان الذي زرعتها فيه بنوا عليه حجرة خشبية صغيرة، يبيعون لنا فيها ساندويتشات الفول والطعمية والبطاطا.



#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)       Alsammah_Abdollah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1
- أنا علقت بها، لكنها علقت بغيري!
- الشعراء والمرأة
- أم كلثوم نعمة الدنيا
- مائة قرش
- أحمد أمين يعاصر المخترعات كلها
- فتحي محفوظ يكتب عن قصيدة الزائر للشاعر السمّاح عبد الله
- قراءة في قصيدة إجابة للشاعر السمّاح عبد الله.
- قراءة في قصيدة نذر
- قراءة في قصيدة حواف الحرقة
- افتراض الحديقة
- أحلام الثراء
- صوت الروح .. محمد أبو المجد
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 4 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 3 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 2 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 1 – 6
- لتحطمهم مثل الإبريق الخزف
- فِي نَامُوسِ الرَّبُّ مَسَرَّتَهُ
- الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت


المزيد.....




- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟
- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2