أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 10














المزيد.....

الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 10


السمّاح عبد الله
شاعر

(Alsammah Abdollah)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:55
المحور: الادب والفن
    


كان ثمة صفان طويلان متوازيان ومتواجهان، وكان المنشد متعاجبا بشاله القطني وجلبابه الناصع البياض وصوته الذي كان آسرا بالفعل، كان يقف في صدارة المشهد بين الصفين، يزيح الشال على كتفه ويتمايل وهو يغني فاردا يديه وقابضهما حسب مقتضى الكلام، وكان بين الحين والحين ينظر للنسوة المتعلقات في شبابيك البيوت المحيطة، ويبتسم لهن عندما يكون كلام غنائه حاملا لمعنى يوحي بشيء ما، وغناء المنشدين في الحضرة حمّال أوجه بطبيعته، حيث يمكن للمنشد أن يقول معاني شديدة الحسية والجرأة، ويمد يديه وعينيه إلى ما شاءت له يداه وعيناه، وبراءة الأطفال في عينيه، ويبدو من ابتساماتهن وإشاراتهن أنهن كن يفهمن تماما مرامي مقصده الفني.
كان الصفان يتمايلان في حركة إيقاعية واحدة متوافقة مع إيقاع المنشد المعجباني، وسَّعْتُ لي في منتصف أحد هذين الصفين المتفابلين مطرحا، واصطففت معهم وتمايلت على إيقاع المزمار وترانيم المنشد:
و الله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا و حبك مقرون بأنفاسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتك محزونا ولا فرحا
إلا وأنت بقلبي بين وسواسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الكاسِ
ولو قدرت على الإتيان جئتكم
سعيا على الوجه أو مشيا على الراسِ
ويا فتى الحي إن غنيت لي طربا
فغنني أسفا من قلبك القاسي
ما لي وللناس كم يلحونني سفها
ديني لنفسي و دين الناس للناسِ
و الله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا و حبك مقرون بأنفاسي
بعد فترة لفت بي الدنيا كلها، ولم أعد أرى غير جلابيب دوارة بلا رءوس، شعرت بدوار شديد، وبرغبة في القيء، فتسللت وأنا أتسند على أيدي وأكتاف من يقابلني، حتى أصبحت خارج الحلقة، تنسمت بعض الهواء الطازج، واستندت على جدار ما، لقيتني أمام سيدة عجوز بدينة دائمة الابتسام، وعن يمينها رجلان شديدا الضخامة، كانت تصب لهما الشاي، ظننتها تبيعه، فجلست بجوارها على قفص جريدي، وطلبت منها كوبا فصبت لي وشربته، مددت لها يدي بقرش ونصف، فضمت على النقود أصابعي، وقالت بابتسامة حانية:
بالهنا يا ولدي، نحن هنا كلنا في خدمة مولانا، ونأكل ونشرب من خيره الوافرـ
ونظرت في اتجاه المسجد الذي بداخله مقـام سيدي العارف بالله.
كان الشاي قد فعل فعله في دماغي وأوصالي فتيقظت، وتفتحت عيناي، واستعدت عافيتي بعض الشيء، شكرت السيدة التي أعطتني الشاي بامتنان كبير، ووجدتني أتجه صوب المقام.
حول المقام كان أناس كثيرون يقفون ويمسكون بالحديد الذي يسوِّر المقام بتشبث واضح، يقولون له أشياء كثيرة، بعضهم كان يبكي، وبعضهم كان يلح على قضاء حوائجه بصوت مرتفع، حتى أنك تستطيع أن تستمع بوضوح تام لموضوع شكواه، وتستطيع أن تتبين أنه غير صاحب حق على الإطلاق في كثير من الأحيان، وبعضهم كان يعاتبه بشدة، بل ويؤنبه لأنه – رغم وفائه بالنذور كلها – لم يصلح له الحال.
اصطففت معهم، وأمسكت بالحديد، وقلت له أشيائي.
كانت أشيائي كثيرة ومتلخبطة فحاولت ترتيبها، ابتدأت بالأمور الخاصة جدا، حيث كانت الفتاة الرقيقة الخجول "أشجان" شقيقة زميلي "عبد الباسط" تملأ عليّ وجداني وعقلي وكياني، وتُسهّرني مع طيفها الليالي الطوال، ومع ذلك لا تكاد تراني على الإطلاق، رغم زياراتي المتعددة لأخيها في أوقات متباينة، تكتفي فقط بمد يدها للسلام، وتبادل كلمات التحية والترحيب، مع أن هناك أشياء أخرى أكثر أهمية يمكن لنا أن نتبادلها.
وأنا أخاطب سيدي العارف بالله، وقعت عيناي عليه، حدقت فيه جيدا في دهشة كبيرة، كان يبين بالكاد من بين الرءوس الكثيرة حول المقام، جالسا في صحن المسجد على ما يشبه المصطبة الصغيرة، مربعا رجليه، وأمامه رجال كثيرون.
الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت، يا إلهي، أهو يتبعني أم أنا أتبعه؟!، أم ان خطانا مرصودة على مسلك واحد ومشرب وحيد؟!، يا إلهي، كيف ترى أتى إلى هنا؟! وماذا يصنع في هذا الليل وفي هذا المكان؟!، يا إلهي كيف صغر فجأة وأصبح بكل هذا النضرة؟!
تركت على سور المقام الحديدي أشيائي منقوصة في فمي قبل أن يكتمل قولها، وقبل أن تبتسم لي "أشجان"، وتتبادل معي أشياء أكثر أهمية من التحية والترحيب، واتجهت إلى جلسة الرجل ذي الجلباب الأزرق الباهت.



#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)       Alsammah_Abdollah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 9
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 8
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 7
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 6
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 5
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 4
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 3
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1
- أنا علقت بها، لكنها علقت بغيري!
- الشعراء والمرأة
- أم كلثوم نعمة الدنيا
- مائة قرش
- أحمد أمين يعاصر المخترعات كلها
- فتحي محفوظ يكتب عن قصيدة الزائر للشاعر السمّاح عبد الله
- قراءة في قصيدة إجابة للشاعر السمّاح عبد الله.
- قراءة في قصيدة نذر
- قراءة في قصيدة حواف الحرقة
- افتراض الحديقة
- أحلام الثراء


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 10