أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 3














المزيد.....

الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 3


السمّاح عبد الله
شاعر

(Alsammah Abdollah)


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 09:24
المحور: الادب والفن
    


لكن أغرب ما روي لي عنه هو حكايته مع "زنوبة البيضا" .
كانت "زنوبة البيضا" ابنة أحد تجار الفاكهة في القاهرة، تزوجت من برتقالي سوهاجي واسع الرزق، لديه عربتا نقل كبيرتان، يشتري بساتين البرتقال من قرى "كفر الشيخ" و"القليوبية"، ويبيع بضاعته لتجار التجزئة في "طما" و"المراغة" و"طهطا"، ويقبض ثمن المحصول فلوسا يبني بها بيوتا ومنادر، وانتقلتْ للحياة معه بعد الزواج في سوهاج، وعاشا حياتهما بشكل طبيعي، وأنجبا ابنا وبنتين، حتى قابلت الرجل ذا الجلباب الأزرق الباهت، وهي تقلب في طماطم السوق لتشتري بقرشين وتطبخ لزوجها طبلية الغداء.
اقترب منها في هدوء، ترك كل النسوة الكثيرات اللواتي يقلبن في الطماطم وينوين أن يطبخن لأزواجهن الكثيرين، أخذ منها حبة طماطم صغيرة، وانتزع منها عروتها الخضراء، وقطم منها قطيمة صغيرة، وأشار إليها فقربت أذنيها منه، ورفعت عينيها في عينيه، فأمسك بطرف ثوبها، وهمس لها بصوت قديم، بعيد، حنون، صافٍ، كأنه مُحَوَّشٌ من أيام طفولتها البعيدة:
ما أحلى طماطمك يا صبية.
ومضى.
قالت لها النسوة المقلبات في الطماطم عندما
سألتهن عنه، بأنه لم يمر من هنا أصلا، فتركت السوق كلها والطماطم التي دفعت ثمنها، كان الصوت القديم مازال حنونا في أذنيها، وعادت للبيت.
كثير من الرواة يقررون أنها لم تنتبه جيدا لحالتها، ولم تأخذ الحذر الكامل لتفويت خطفة القلب واستلاب الحشا، فهي غريبة على المطرح، وجديدة على المقام، ولم ينبهها أحد إلى كيفية تلقي مثل هذا النوع من الإشارات، لأنها عندما رفعت عينيها في عينيه، شرّبها سره الغامض، مجرد لحظة خاطفة، يظنها غير العارف عادية ومكرورة لا تختلف كثيرا عن اللحظات الأخرى، لكنها كافية لتذويب الروح وتجويع البدن طول العمر.
قال لها زوجها، وأين الطماطم يا ولية؟ فقلبت الطبلية في وجهه، وكسرت الأطباق الصيني على الأرض، وغادرت البيت، ومضت وراء من حوّش كلماته لها من أيام طفولتها البعيدة، لا أحد في الدنيا كلها يعرف لماذا تركت الطماطم والبيت والزوج والعيال ومضت وراءه، ربما هي نفسها لا تعرف.
كانت تجده في شارع ما يسرع الخطا فتجري خلفه، ويبطئها فتلحق به، كان يختفي فجأة، فتدور برأسها باحثة عنه، ويظهر في الجانب الآخر من الشارع، فتعبر نهر الشارع مهرولة إليه، نسيت بياعين الطماطم، ونسيت عنوان بيتها، ونسيت اسم زوجها، ونسيت ضحكات أطفالها، ولم تعد تتذكر غير تتبعها له، من سوق الخضار لحواري نجع "أبو شجرة"، ومن حضرةٍ دوارة في مندرة نائية لصلاة جماعة في جامع كبير، ومن حديقة مثمرة لمقبرة موحشة، ومن دار مهجورة لقصر عامر على أطراف المدينة.
يقولون كانت تريد أن تكمل حكايتها منقوصة الفصول معه، ويقولون كان يريد أن يُكَمّل نقصان خطواته غير تامة المقصد باكتمال جريها خلف خطاه.
أما هو فلم يكن يعيرها أي اهتمام في باديء الأمر، فقط كان يبتسم لها كما يبتسم لكل من يقابله، لكنها، لأنها غريبة على المطرح، اقتربت منه مرة، واستطاعت أن تمسك بجلبابه، فأمسكها جلبابه، وسارا معا كأنهما عاشقان متمرسان، يختلسان اللمسات الحانية والأنفاس العطرة، أناس كثيرون رأوهما وهما يمشيان معا مبتسمين، غير متكلمين، وأناس كثيرون رأوهما وهما يتكلمان، لكنهم جميعا كانوا يؤكدون أنه كان شابا وبلا تجاعيد، وهي كانت غارقة في السعادة، وذائبة في النعيم، العارفون ببواطن الأمور أشفقوا عليها كثيرا، فلم يحدث من قبل لأحد كائنا من كان، أن اقترب منه هكذا، الاحتراق الكامل حتمي في هذه الحالة، أو التجمد البارق، أن تصير ذهبا مصهورا، تعاني وحدك الغليان المكتمل، تماما كالمهل الذي يشوي الوجوه ويحرق الحشا، أو تمثالا ثلجيا، تظل طول الوقت بلا قدرة على الحراك، وأنت راغب في الطيران، الاقتراب عذاب، والعذاب في الأصل كان غراما، إنه المعنى الحرفي للغرام كما يعرفه أهله، لا حال ثالثة بين الحالين، ويتساءلون مندهشين، لماذا لم تسلم بحشاها سالما، فالهوى ليس سهلا على الإطلاق، ولماذا لم تعش خالية؟، ألا تعرف أن الحب عناء متصل، أوله سقم مقيم، وآخره قتل أكيد، ويختمون كلامهم قائلين:
قولوا لها أيها الناس، إن سلطان العاشقين يقول إن الغرام له أهل.



#السمّاح_عبد_الله (هاشتاغ)       Alsammah_Abdollah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 2
- الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 1
- أنا علقت بها، لكنها علقت بغيري!
- الشعراء والمرأة
- أم كلثوم نعمة الدنيا
- مائة قرش
- أحمد أمين يعاصر المخترعات كلها
- فتحي محفوظ يكتب عن قصيدة الزائر للشاعر السمّاح عبد الله
- قراءة في قصيدة إجابة للشاعر السمّاح عبد الله.
- قراءة في قصيدة نذر
- قراءة في قصيدة حواف الحرقة
- افتراض الحديقة
- أحلام الثراء
- صوت الروح .. محمد أبو المجد
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 4 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 3 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 2 – 6
- أنا امرأةٌ قديمةٌ 1 – 6
- لتحطمهم مثل الإبريق الخزف
- فِي نَامُوسِ الرَّبُّ مَسَرَّتَهُ


المزيد.....




- مؤسسة البحر الأحمر تختتم مشاركتها في مهرجان أفلام السعودية
- مصر.. نقيب الموسيقيين يرد على الفيديو المسرب المثير للجدل
- في -روزا خوتور- بجبال سوتشي.. السياح العرب يكتشفون موسيقى ال ...
- شاهد.. فن الفسيفساء من ركام المنازل المدمرة في غزة
- فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل ...
- أوكرانيا.. شجار بسبب موسيقى روسية يطيح بقاض من كييف
- لبنان.. المحكمة العسكرية ترفع قرار منع السفر عن فضل شاكر
- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - الحكاية الأولى من سيرتي الذاتية، 3