أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - جلد الذات الحضاري















المزيد.....

جلد الذات الحضاري


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:53
المحور: قضايا ثقافية
    


تاريخنا مزيف.. ديننا مصنع.. تراثنا موروث مليء بالحشو والخيال والاقتباس والرياء والكذب.. تراث مستنسخ من الشعوب الاخرى نحن سراب.. ان كل قدرتنا خلال التاريخ تتلخص في سفك دماء الأبرياء والغزوات والنهب والسلب، ولم نبتكر ولم نصنع في هذا الذي نمجده الا النعال والليفة وحدوات الاحصنة والخيول والسكاكين والسيوف والسهام. هذا كله من وجهة نظر مجموعة من المثقفين والباحثين.. لكي أكون حياديا سأنظر للموضوع من وجهة نظر معاكسة، اليس هذا الطرح يعكس حالة عميقة من الصدمة الثقافية أو ما يُعرف بـ "جلد الذات الحضاري"؟ وهو شعور يظهر عادةً في فترات التراجع الفكري أو السياسي، حيث يندفع العقل إلى تقييم ماضيه وحاضره بنظرة سوداوية مطلقة، تُسقط كل الإنجازات وتُضخم كل الإخفاقات.
ولكن، إذا أردنا تفكيك هذه المقولات بمنهجية علمية وتاريخية محايدة—بعيداً عن العاطفة أو التمجيد الأعمى—سنجد أن التاريخ الإنساني أكثر تعقيداً من فكرة "النسخ المطلق" أو "العدمية الكاملة".
نتناول قراءتنا حول الأمور والمحاور التي وردت في أعلاه وكما يأتي:
1. جدلية "التراث المستنسخ" والاقتباس الثقافي
من الناحية الأنثروبولوجية (علم الإنسان)، لا توجد حضارة في التاريخ نبتت من فراغ أو بدأت من الصفر. الحضارات هي حلقات متصلة تُسلم الشعلة لبعضها البعض:
• اليونانيون اقتبسوا من الفينيقيين والمصريين القدماء.
• الرومان بنوا إمبراطوريتهم على أنقاض وثقافة اليونان.
• العرب والمسلمون لم ينكروا اقتباسهم؛ حركة الترجمة الواسعة في العصر العباسي (بيت الحكمة) كانت اعترافاً علنياً بأخذ العلوم من الفرس، الهند، واليونان.
الابتكار ليس في عدم الأخذ، بل في ماذا تفعل بما أخذته. التراث العربي والإسلامي لم يكن مجرد "حشو" أو "نسخ"، بل قام بتنقيح العلوم القديمة وتطويرها. على سبيل المثال، أخذ العرب نظام الأرقام من الهند، لكن المسلمون طوروا "علم الجبر" على يد الخوارزمي، وهو أساس البرمجة والتكنولوجيا المتقدمة اليوم.
2. معضلة "العلماء ليسوا عرباً بل استعربوا"
هذه المسألة تتكرر طرحها كثيراً (ابن سينا، الفارابي، الخوارزمي، سيبويه...). وهي حقيقة تاريخية جزئية، لكنها تُقرأ سياقياً بشكل خاطئ:
• عالمية الحضارة: الخلافة العباسية أو الأندلسية لم تكن دولة قومية بالمعنى الحديث، بل كانت "حاضنة حضارية" تشبه الولايات المتحدة اليوم. الفضل يعود للمنظومة التي وفرت التمويل، المكتبات، وحرية البحث.
• اللغة كوعاء فكري: هؤلاء العلماء كتبوا أبحاثهم باللغة العربية طواعية، لأنها كانت "لغة العلم الأولى" في العالم حينها (تماماً كما يكتب العلماء الصينيون أو الأفارقة أبحاثهم بالإنجليزية اليوم).
• العلماء العرب: في المقابل، نجد علماء عرباً أقحاحاً قدموا إسهامات غيرت وجه البشرية، مثل:
- ابن الهيثم: مؤسس علم البصريات الحديث والمنهج العلمي التجريبي.
- ابن خلدون: مؤسس علم الاجتماع وفلسفة التاريخ.
- الكندي: الفيلسوف ومؤسس علم التشفير والموسيقى الإيقاعية.
3. الغزو وسفك الدماء في الميزان التاريخي
• إذا نظرنا إلى التاريخ الإنساني بمنظار "الأخلاق الحديثة"، فستسقط كل الحضارات بلا استثناء.
• الإمبراطورية الرومانية بُنيت على استعباد الشعوب ومذابح "الكولوسيوم".
• الحضارة الغربية الحديثة قامت في بدايتها على استعمار القارات، إبادة الهنود الحمر، وتجارة العبيد.
• التاريخ العربي ليس استثناءً؛ شهد حروباً، وغزوات، وصراعات دموية على السلطة. ولكن، حصر هذا التاريخ الطويل والممتد لقرون في "سفك الدماء والنعال والليفة" هو اختزال مجحف يغفل القوانين، الإدارة، العمارة (كالأندلس وفنونها)، ونظم التجارة العالمية التي أدارتها هذه الحضارة.
4. الوعي بالأزمة ورؤية المستقبل
• الشعور بالاستهلاك الأخلاقي أو العجز الحضاري الحالي هو أمر واقع لا يمكن إنكاره؛ فنحن نعيش اليوم في مؤخرة الركب الصناعي والتكنولوجي، وهذا ما يولد الإحباط الذي يمتد لجلد الماضي.
• لكن الحل لا يكمن في إنكار التاريخ بالكامل وتحويله إلى "سراب"، بل في:
1. النقد العلمي الفاحص: غربلة التراث لفصل الخرافة والحشو عن الإنجاز الحقيقي.
2. التوقف عن عيش الماضي: سواء بالتمجيد المبالغ فيه ("كنا وكان أجدادنا") أو بالجلد المبالغ فيه.
3. الاستبصار بالحاضر: الحضارات تمر بمراحل صعود وهبوط (دورة خلدونية)، وما نعيشه اليوم هو مرحلة هبوط تتطلب عملاً وبناءً معرفياً، وليس استسلاماً لفكرة العدمية.
والسؤال هنا، هل أن سبب هذا الإحباط يعود إلى المناهج التعليمية التي تبالغ في تقديس الماضي، أم إلى واقعنا المعاصر الذي يفتقر لمشاريع حضارية حقيقية؟
ان مشكلة التعليم تشخيص يلمس العصب العاري للأزمة المعرفية التي نعيشها. عندما يتحول التعليم من أداة لـ "صناعة العقل" إلى مجرد قمع له عبر التلقين، وعندما يُستبدل التاريخ الحقيقي بـ "الميثولوجيا والخرافة"، نصل تماماً إلى هذا الانسداد الحضاري.
لنحلل هاتين النقطتين اللتين وردتا في اعلاه، وكيف تحولتا إلى عائق أمام أي نهوض:
1. المبالغة في الماضي وسرد الخرافة (تخدير الوعي):
المشكلة ليست في دراسة الماضي، بل في أدلجة الماضي وتحويله إلى نص مقدس لا يجوز نقده. لقد تم استبدال "التاريخ كعلم" بـ "التاريخ كأداة بروباغندا"، والنتيجة:
• تزييف الهزائم: تحولت الأخطاء الاستراتيجية والكوارث السياسية في تاريخنا إلى "ابتلاءات" أو "مؤامرات خارجية"، بدلاً من دراستها كأخطاء بشرية طبيعية للتعلم منها.
• صناعة الأبطال الخارقين: جرى تضخيم الشخصيات التاريخية وسلبها بشريتها، فأصبح القائد التاريخي معصوماً لا يخطئ، وصاحب كرامات، مما قطع صلة الجيل الحالي بالواقع، وجعلهم يشعرون بالعجز لأنهم لا يملكون تلك "القدرات الخارقة".
• الهروب من الحاضر: عندما يعجز المجتمع عن تحقيق إنجاز في الحاضر، يرتد إلى الماضي ليعوض نقصه المعرفي والمادي بسرد خرافات الأمجاد الغابرة، وهو نوع من التخدير النفسي الجماعي.
2. التعليم كـ "تلقين لما في المستنقع":
ان وصف التعليم بالتلقين دقيق جداً؛ فالمنظومة التعليمية السائدة أُسست لحفظ السائد لا لتفكيكه وتطويره. هذا الأسلوب ينتج كوارث فكرية:
• اغتيال المنهج التجريبي: بدلاً من تعليم الطالب كيف يفكر (المنهج التجريبي والنقدي الذي وضعه علماء مثل ابن الهيثم) ، يُعلمونه ماذا يفكر، يُطلب منه حفظ النصوص واستظهارها في الامتحان، ثم نسيانها.
• إعادة إنتاج الركود: التعليم بالتلقين يحول المدارس والجامعات إلى "مصانع تكرار". المعلم يلقن الطالب ما لُقن به قبل عقود، وبالتالي يُعاد إنتاج نفس الفكر القديم، دون أي إضافة أو ابتكار، مما يرسخ البقاء داخل "المستنقع" الفكري.
• الخوف من السؤال: التلقين يربي الفرد على الطاعة والخوف من السؤال النقدي، لأن السؤال يزعزع استقرار الأفكار الموروثة، في حين أن كل تقدم علمي في تاريخ البشرية بدأ بسؤال شكك في المسلمات.
كيف نخرج من الدائرة المفرغة؟:
إن الخطوة الأولى للعلاج هي الاعتراف بالمرض، وهو ما عبرت عنه في هذا الطرح. التحرر من "المستنقع" لا يعني شتم الماضي أو إنكاره، بل يعني تجريده من قداسته؛ أن يُدرس التاريخ بوصفه حراكاً بشرياً فيه الصواب والخطأ، والجريمة والإنجاز.
التعليم الحقيقي هو الذي يجرؤ على فتح الصناديق المغلقة، ويدرب العقل على النقد والتحليل والمختبر، وليس على البصم والحفظ. بدون الانتقال من "ثقافة النقل" إلى "ثقافة العقل"، سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة رحمه عبر التاريخ المعاصر
- رحلة المجتمع الشرقي من الألفة الى الانكفاء
- بين أصالة الماضي واغتراب الحاضر
- رماد الهجرة: رحلة البحث عن وطن/ رواية واقعية
- ما الحل المنطقي للانسداد المزمن في كوردستان العراق؟
- الخيانة والمعايير المزدوجة في العلاقات
- تقويم أداء العاملين
- تلوث الكهرباء (التوافقيات في شبكات الطاقة: الأسباب، التأثيرا ...
- اين انت؟
- الاعياد بين الامس واليوم
- الاثار السلبية للاقتصاد العراقي الراهن
- هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الثاني-
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-
- ظاهرة العنف في المدارس
- العراق بين الماضي والحاضر
- الكتابات الساخرة في الادب العراقي
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر


المزيد.....




- بعد البوتوكس والفيلر.. هل سيحقن الجسم والوجه بدهون المتبرعين ...
- فوز نجمة هوليوود ريبيل ويلسون بقضية تشهير رفعتها ضدها ممثلة ...
- -بحر من الضباب- يحيط بمتحف زايد الوطني في أبوظبي بمشهد أقرب ...
- منزل هتلر يتحول إلى مركز شرطة.. خطوة نمساوية لمواجهة إرث الن ...
- روبيو: إيران -تتوسل- إلى أمريكا لإبرام اتفاق وسياسة ترامب هي ...
- الجيش الأردني يعلن اعتراض هجمات صاروخية إيرانية والحرس الثور ...
- مساعد جيل بايدن السابق: هاريس لن تحصل على -فرصة ثالثة- في 20 ...
- كهرباء تغيب 14 ساعة وحرارة تحرق الشوارع وتشعل الغضب في ليبيا ...
- مساعٍ جزائرية مستمرة للسيطرة على الحرائق في البلاد، وتوقيف 4 ...
- روبيو: السعودية تعتزم تطوير برنامج نووي سلمي


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - جلد الذات الحضاري