أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - بين أصالة الماضي واغتراب الحاضر














المزيد.....

بين أصالة الماضي واغتراب الحاضر


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 15:43
المحور: قضايا ثقافية
    


رحلة المجتمع الشرقي من الألفة إلى الانكفاء:
ليس من قبيل النوستالجيا المفرطة (الحنين للماضي)، ولا من باب البكاء على الأطلال، أن نحنّ إلى الماضي؛ بل هي مقارنة حتمية يفرضها واقع مأزوم. فمن عاش في مجتمعاتنا قبل عقود، يدرك أن "البساطة" لم تكن مجرد نمط عيش، بل كانت سياجاً يحمي قيمنا النبيلة. كان التآلف والمحبة والرحمة والتعاون هي العملة السائدة؛ بيوتٌ مفتوحة، وقلوبٌ متسعة، وجيرةٌ تُقاسمك الرغيف والهمّ والمسرة. كان المجتمع، على قلة إمكانياته المادية، غنياً برأس ماله الأخلاقي.
أما اليوم، فنحن نقف بوجل أمام مشهد مغاير تماماً. لقد تحول المجتمع إلى كيان "متناشز" ومتباعد، تآكلت فيه تلك الخصال النبيلة لتفسح المجال لظواهر هجينة. وبتنا نشهد تصاعداً مقلقاً في معدلات الجريمة، واستسهالاً للمظاهر الإباحية، وتفشياً للفساد بمختلف أشكاله الإدارية والأخلاقية والمالية، حتى غدا وكأن الرابط الفكري والإنساني الذي يجمع الناس قد انفرط.
وأمام هذا السيل الجارف من التسطيح، وبروز طبقة من "أشباه المثقفين" والغوغائيين الذين تصدروا المشهد العام ونشروا ثقافة الزيف، لم يجد أهل العلم والفكر والمثقفون الحقيقيون ملاذاً سوى "الانكفاء". لقد انزوت العقول الواعية والمثقفة إلى بيوتها، ليس ضعفاً، بل كبرياءً وترفعاً؛ وصار اعتزال الاختلاط بهكذا أصناف شكلاً من أشكال المقاومة السلمية للحفاظ على بقايا القيم والنقاء الفكري. إن هذا الانكفاء للمثقفين هو ناقوس خطر يوجب المراجعة؛ فالمجتمع الذي يغيب عنه حكماؤه ويتقدمه غوغائيوه، هو مجتمع يسرع نحو مجهول بلا هوية.
كانت القيم الفنية تنتقل بين شعوب المنطقة بحرية قبل ان يصطنع الحدود السياسية الجغرافية، اجمل الاشعار واعذب الالحان والموسيقى والمقامات وغيرها من الفنون الجميلة وحتى الرياضة بكل أنواعها، كل تلك الفنون كانت متحررة واقتصصتها السياسة، فرسمت الحدود ورمت بها في سجون الاوطان.. إن هذه الرؤية تعكس واقعاً تاريخياً وثقافياً عميقاً؛ فالحدود السياسية المصطنعة لم ترسم فواصل على الأرض فحسب، بل بترت شرايين التواصل الحضاري والإبداعي بين شعوب الشرق الأوسط، وحوّلت الفضاء الثقافي المشترك إلى جزر معزولة. هذا الحصار الجغرافي أدى بالفعل إلى تراجع النمو الثقافي المشترك واستبدال حوار الثقافات بأسوار التوجس والعداء الراهن. الخص هذا التآكل الثقافي والفكري بفعل السياسة في الاتي:
جغرافيا البتر:
كيف قيدت الحدود السياسية روح الشرق الأوسط الثقافية؟ كان الشرق الأوسط، في تاريخه القريب، يعيش حالة من السيولة الثقافية التي لا تعترف بالخرائط السياسية. كانت القوافل لا تحمل البضائع وحدها، بل تنقل معها المقامات الموسيقية، وقصائد الشعر، والأفكار الفلسفية، والتراث الشعبي من بغداد إلى دمشق، ومن القاهرة إلى بيروت والقدس، ومن تبريز والاستانة الى قونية والحلب والموصل، ومن الحجاز الى الشام بسلاسة ويسر. هذا التلاقح المستمر لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان الوقود الحقيقي لنمو ثقافي مضطرد وقائم على المقارنة، والتبادل، والتنوع الإبداعي الحُر.
سجون الهوية المصطنعة:
ومع فرض الحدود السياسية الحديثة وتقسيم المنطقة، تحولت هذه الحدود إلى جدران عازلة حبست تراث كل مجتمع في بؤرة ضيقة. وبدلاً من أن يكون التنوع مصدراً للإثراء، سعت الأنظمة السياسية الراهنة إلى تنميط الثقافة وتأميمها لخدمة "الدولة الوطنية" الضيقة. هذا الانكفاء على الذات أدى إلى:
• قمع الإبداع القائم على المقارنة: عندما عُزلت المجتمعات عن جيرانها، فَقَد المبدعون فرصة الاحتكاك بالآخر والمقارنة التي تولّد الأفكار المبتكرة، مما جعل الإنتاج الثقافي يدور في حلقة مفرغة.
• استهجان التعابير المتبادلة: تحولت المشتركات اللغوية والتراثية التي كانت تجمع الشعوب إلى أدوات للتمايز والاقصاء، وجرى "تسييس" اللهجات والفنون وتجريدها من أبعادها الإنسانية المشتركة.
خفض سقف الثقافة وصناعة "الآخر":
إن التأثير الأشد خطورة للسياسة الراهنة يتجلى في تحويل الشعوب التي كانت تتقاسم الغناء، والمقام، والفلسفة إلى "أعداء" مفترضين. لقد تم توظيف الآلة الإعلامية والتعليمية لرسم صورة نمطية سلبية عن الجار، مما أدى إلى تراجع سقف الثقافة العام من الانفتاح الكوني إلى الانغلاق الحمائي والعدائي. وبدلاً من أن تسهم الثقافة في جسر الهوّات، أصبحت تُستخدم كأداة لشحن النفوس وتبرير الصراعات السياسية. إن التآكل الثقافي الذي يشهده الشرق الأوسط اليوم هو نتيجة مباشرة لتغليب الهواجس السياسية والأمنية على الروابط الحضارية الإنسانية. وعودة الروح إلى هذا الفضاء الإبداعي تتطلب أولاً اختراق هذه الأسوار الفكرية المصطنعة، واستعادة الذاكرة المشتركة التي أثبتت يوماً أن الفن والأدب لا يحتاجان إلى تأشيرة مرور. على سبيل المثال، الأدب الرومي والفارسي، وخاصة الأدب الصوفي والفلسفي، مليء بالتأملات العميقة التي تلمس جوهر الوجود، وتقلبات الدنيا، والشكوى العميقة (التي تأتي أحيانًا في صورة عتاب دافئ أو حيرة فلسفية أمام الخالق). سوف اختار في مقال قادم باقة من أجمل أبيات كبار شعراء وفلاسفة ذلك الزمن مثل (الخيام، وحافظ الشيرازي، ومولانا جلال الدين الرومي) مع ترجمتها وشرحها.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رماد الهجرة: رحلة البحث عن وطن/ رواية واقعية
- ما الحل المنطقي للانسداد المزمن في كوردستان العراق؟
- الخيانة والمعايير المزدوجة في العلاقات
- تقويم أداء العاملين
- تلوث الكهرباء (التوافقيات في شبكات الطاقة: الأسباب، التأثيرا ...
- اين انت؟
- الاعياد بين الامس واليوم
- الاثار السلبية للاقتصاد العراقي الراهن
- هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الثاني-
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-
- ظاهرة العنف في المدارس
- العراق بين الماضي والحاضر
- الكتابات الساخرة في الادب العراقي
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟


المزيد.....




- تدمير أكثر 40 مسيرة أوكرانية متجهة إلى موسكو
- مسؤول أمريكي: لا أضرار جسيمة لحقت بقاعدة الأمير حسن في الأرد ...
- اتفاق مرتقب بين واشنطن وبغداد ودمشق.. خط أنابيب نفطي يتجاوز ...
- نتنياهو يأمر -الشاباك- بفتح تحقيق بشأن تسريب موعد بدء الحرب ...
- زيلينسكي يعتزم تغيير الحكومة الأوكرانية
- هيئة النزاهة: ماضون بملاحقة الفاسدين
- زاخاروفا: لا أساس قانونيا لمحاولات الغرب تعيين كريشوك -ممثلا ...
- السودان.. مفاوضات للهدنة وتصعيد بالميدان
- هل انهارت المفاوضات بين أمريكا وإيران؟
- وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام: رحيل -الصقر الجمهوري- ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - بين أصالة الماضي واغتراب الحاضر