أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمد رياض اسماعيل - رماد الهجرة: رحلة البحث عن وطن/ رواية واقعية















المزيد.....



رماد الهجرة: رحلة البحث عن وطن/ رواية واقعية


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 14:08
المحور: القضية الكردية
    


الفصل الأول: زحف السلاحف في ميناء الفكر
في السادس والعشرين من آذار عام 1991، لم يكن الصمت في مدينة كركوك هادئاً أو وادعاً، بل كان صمتاً جنائزياً ثقيلاً، تشقه بقسوة قذائف المدافع وتؤز فيه قنابل الطائرات. كان المهندس الشاب يقف وسط دوامة الموت الهوجاء، تتنازعه مشاعر الذهول والمسؤولية، وعيناه معلقتان بأفق المدينة الذي غطته غيوم الدخان الأسود. كان يعد الثواني بين القذيفة والأخرى بقلب واجف: *واحد.. اثنان.. ثلاثة.. * لتسقط مجموعة جديدة من المتفجرات، وتختلط أصواتها المرعبة بعنف مع لعلعات رشاشات الكلاشينكوف الكثيفة التي تبددت معها أوهام الاستقرار.
بدأت الأسئلة تزحف كالسلاحف الثقيلة إلى ميناء فكره المثقل بالهموم: *"هل يعقل أن تشتعل أرض المعركة مجدداً هنا في كركوك؟ ألم يرتوِ هذا التراب بالدم بعد؟"*. تمنى في تلك اللحظات لو يصم أذنيه عن سماع الشائعات المتناقضة التي تملأ الأجواء كالنار في الهشيم. لم يكد الشعب يتنفس الحرية لعشرة أيام قصيرة حتى تلاشت الأوهام كسراب؛ رحل "البيشمركة" عن المدينة، وعاد الأهالي كالأيتام يفترشون أرصفة الوطن المنهك، بانتظار عودة القبضة الحديدية لأجهزة الأمن والاستخبارات. كان الخوف ينهش الصدور، وتساوت الخيارات في قسوتها: إما رصاص الطغاة المتربصين، أو قنابل الراجمات والصواريخ العشوائية.
كان الملجأ القريب ممتلئاً بالمياه القذرة التي تنبعث منها رائحة الرطوبة والعفن، وكان الأهالي المحتمون فيه يعانون من أعراض الإسهال والإنهاك الناشئ عن شدة الخوف وبرودة الجو القارس. جلس المهندس الشاب مع عائلته على مصاطب خشبية متهالكة، ملتفين ببطانيات صوفية رثة لا تكاد تقي رجفة أجسادهم. ومع اقتراب الساعة التاسعة مساءً، أمطرت السماء صواريخ مجنونة بمعدل قذيفة في كل ثانية، حتى اهتزت الأرض من تحتهم. كانت الأصوات تتعالى بالدعاء وقراءة القرآن، وتتماوج مع كل خفضة ورفعة تهز أركان الملجأ المظلم. أحس الشاب في تلك اللحظات الرهيبة بأن جنائزهم محمولة على الأكتاف تسير وسط الرصاص. كره الحرب بكل جوارحه، وكره أرضاً يُباد فيها البشر لمجرد رغبتهم في العيش، وتمنى في سِره الهرب بعيداً.. بعيداً جداً إلى مكان عذري لا يسمع فيه سوى زقزقة الطيور وخرير المياه الصافية.
مع بزوغ الفجر، حزم الشاب أمره وجمع بقايا قواه، وخرج وسط القصف يلتمس طريقه نحو المنطقة النفطية المحمية، مستعيناً بمولدة الديزل لضخ زيت الغاز وإعادة تجهيز المنطقة بالكهرباء. كانت درجات الحرارة منخفضة، والأطفال يرتعشون خوفاً من الدوي المستمر. تجمهر حوله جيرانه، والتفت إليه أحدهم وعيناه مغرورقتان بالدموع قائلاً: *"أرجوك يا مهندس، لا تقطع عننا شريان الحياة، أطفالنا يموتون رعباً وبرداً في الظلام"*. كان جبل الألم الذي يحمله الشاب في صدره ثقيلاً، لكنه لم يتردد ثانية واحدة؛ تقدم نحو الآلات ويداه تتحديان الموت، محاولاً لأجل إسعاد أولئك الأبرياء وإبعاد شبح الفناء عن وجوههم الشاحبة.
الفصل الثاني: رحيل مكره نحو المجهول
عاد الشاب إلى البيت والأنفاس تكاد تنقطع من هول المشاهد في الخارج، ليجد القصف قد تصاعدت وتيرته الجنونية ليصبح بمعدل قذيفة كل ثلاث ثوانٍ، مرسلاً هبّات من الغبار والشظايا التي تقرع الجدران. كانت والدته تقف وسط الصالة، تجمع ما خفّ وزنه وغلا ثمنه بحزم وعينين تملؤهما الدموع، وهي تصر على مغادرة المنطقة فوراً والتوجه نحو السليمانية.
اندفع نحوها وعلامات العتب والذهول تكسو وجهه، وقال بصوت متحشرج:
*"يا أمي، كيف نترك بيتنا بهذه السهولة؟ هذا الأثاث، هذه الجدران التي تحمل تفاصيل عمرنا وذكرياتنا.. إن الانسلاخ عن الدار كأنما هو سلخ الفروة عن الشاة وهي حية! لن يرحمنا التشرد في الجبال"*.
التفتت إليه الوالدة، ونبرتها مزيج لاهب من الخوف والإصرار الأبوي المرير:
*"يا ولدي، الجدران تُعوّض أما الأرواح فلا! نفسي أعز عليّ من المال والبيت. إذا تركتنا البيشمركة ورحلت، فماذا بقي لنا هنا؟ أتريد أن ننتظر مقاصل الأمن والاستخبارات لتقطف رؤوسنا؟"*.
حاول إقناعها بصوت متهدج:
*"لكن السيارة لا تحتمل هذا الحمل، والطريق وعر ومجهول"*، فقاطعت حديثه وهي تخطو نحو الباب بعزم يكسره البكاء:
*"إن بقيتَ هنا، سأمتد في هذا الطريق وحدي على قدمي... فلن أموت ذليلة تحت سقف ينتظر قذيفة راجمة"*.
أمام هذا الإصرار الجارف، انحنى الشاب صامتاً لرغبتها. خرج مثقلاً بالهموم ليرى جاره ويخبره بأن وقود المولدة يكفي لثلاثة أيام فقط، داعياً إياه إلى الاقتصاد الشديد في الطاقة. كان الحي يعيش حالة من الانقسام والتمزق؛ أهل كركوك الأصلاء يستعدون للرحيل بوجوه واجفة، بينما القادمون من المحافظات الأخرى يفضلون البقاء بانتظار ما ستؤول إليه الأقدار. حين رأى الوالدة قد حزمت أمرها وخرجت تمشي في الزقاق وهي تتمتم بمرارة: *"النفس أغلى من الطابوق"*، أدرك أن لا مفر من الرحيل.
أسرع الشاب لتجهيز السيارة، مكدساً اللوازم المعيشية الضرورية، ولم ينسَ تلفزيوناً صغيراً وجهاز فيديو كاسيت تحت إلحاح ابنه الصغير الذي كان يتشبث بألعابه كدروع ضد الخوف. صعد ثمانية أشخاص في جوف السيارة المزدحمة، منطلقين نحو مصير يلفه الضباب. مروا بدارهم الأخيرة في أطراف كركوك، فتفطر قلبه حين رأى الشبابيك متهشمة والأبواب مخلعة بفعل عصف القصف؛ جلبوا بعض الملابس على عجل ثم تولوا شطر السليمانية.
كانت لوحة الطريق مروعة؛ الدخان الأسود يتصاعد من كل حدب وصوب كأعمدة من جحيم، والمروحيات العسكرية تحلق بانتظام قاصفة الشوارع الخاوية، بينما ترتفع أصوات العائلة داخل السيارة بالدعاء والاستغفار كلما دوت فرقعة قريبة. كانت الجثث ملقاة على أرصفة الشوارع كأشياء منسية، والناس المذعورون يحاولون رفعها على عجالة فوق العربات والجرارات الزراعية والدموع تغسل وجوههم المغبرة.
عند حدود المدينة، واجهوا سيطرة مقاتلي "البيشمركة". لم يفتشوهم ولم يمانعوا مغادرتهم؛ كانت لغتهم الكوردية المنسابة من الشفاه هي هويتهم الرسمية وعلامة الأمان التي يثق بها المقاتلون وسط الفوضى. كان وقود السيارة شحيحاً يهدد بالتوقف في أي لحظة، فضلاً عن غيار فني في المحرك يحتاج إلى إصلاح عاجل. ومع وصولهم ببطء قاتل إلى منطقة "قره هنجير" الوعرة، حيث بدأت الطبيعة الجبلية تفرض هيبتها، بدأ الدم يسري في العروق مجدداً بعد ساعات من حبس الأنفاس، وسط تساوت حائرة تتردد في صمت السيارة: *"هل ستهدأ هذه العاصفة يوماً.. ونعود؟"*.
الفصل الثالث: في رحاب السليمانية
دخلت السيارة شوارع مدينة السليمانية وسط أجواء ملبدة بغيوم الوجوم الخانق، وكانت المشاهد التي استقبلتهم مروعة تصدم الأبصار؛ سجون "الأمن" المقتحمة والأبنية الحكومية المهدمة كانت تكشف عارية عن فظائع النظام وجبروته، بينما جثث الشهداء تملأ جنبات الطرقات كشواهد على ثمن الحرية الباهظ. تطلعت الوالدة من نافذة السيارة بوجنتين شاحبتين، وفي تلك اللحظات القاسية، عادت بها الذاكرة عقوداً إلى الوراء، وتذكرت فيضان عام 1954 الأسود الذي أغرق أثاثهم ومقتنياتهم الثمينة في طرفة عين، فتمتمت بحسرة: *"كلما بنينا عشاً، هدمته الرياح يا ولدي"*.
شقّت السيارة طريقها بصعوبة حتى وصلت أخيرًا إلى بيت شقيقتيه؛ هناك تعانق الأهل مع الأقارب في مشهد أبكى الحاضرين، واختلطت دموع الفرح بالنجاة بدموع الخوف من الآتي. لم يدم الاستقرار طويلاً، فقد توالت العوائل النازحة من كركوك وأربيل على ذلك البيت الصغير، حتى غصّ بخمس عوائل كاملة افترشت الغرف والممرات؛ زادت المصاريف وضاق المكان بالأنفاس والهموم. اضطر الشاب للخروج مع نسيبه إلى أسواق المدينة لشراء ما تيسر من المؤن والنايلون السميك، تحسباً للظروف الأسوأ التي قد تلجئهم إلى ترك البيوت وافتراش الصخور في أعالي الجبال.
قرب المساء، استقرت نفسية الأطفال قليلاً بفعل براءتهم، تنفسوا الصعداء فخرجوا يركضون ويلعبون في الساحات الترابية المجاورة، بينما كان الكبار يقبعون داخل الغرف المظلمة. ومع حلول الليل، كان الجميع يلتفون حول جهاز راديو صغير، يستمعون بشغف المذعور وبأنفاس محبوسة إلى بث إذاعتي "صوت أمريكا" و"مونت كارلو" لالتقاط أي بارقة أمل، بينما كانت الشائعات المرعبة تتقاذفهم في الصباح كأمواج البحر الهائج.
جلس الشاب في زاوية الغرفة يسترجع شريط ذكرياته تذكر محطة عزل وكبس الغاز وضخ النفط الخام العملاقة التي أمضى فيها سنتين قبل الرحيل، يشرف على إنشائها جنباً إلى جنب مع المهندسين الفرنسيين واليوغسلاف، وتذكر شوقه العارم لأصدقائه وصديقاته القدامى الذين تفرقت بهم السبل. لكن صفو الذكريات تشتت كالغبار؛ ففي يوم الإثنين، دوت أصوات المدافع الثقيلة بغتة قرب منطقة "طاسلوجة" ومن ثم اقتربت من "سرجنار" مغبرة الأفق. أدرك المهندس فوراً بحسه الفني أن قذائف الجيش تقترب ليقتنص الموت ما تبقى لهم من حياة.
حاول الشاب جاهداً إقناع العائلة بالبقاء والتحصن داخل السليمانية قائلاً: *"المدينة كبيرة ولن تسقط بسهولة، وبقاؤنا هنا آمن من الطرقات"*، لكن الوالدة والأقارب عارضوا رأيه بشدة وصراخ الخوف يعلو في المكان، خصوصاً بعد أن تناهت إلى مسامعهم الأخبار المروعة عن الإعدامات الجماعية البشعة التي نفذها الجيش بحق مئات الرجال والشباب في كركوك والتون كوبري، فضلاً عن الفظائع والانتهاكات التي طالت النساء. وتحت وطأة الذعر الجماعي، حُسم الأمر، واتفق الجميع على حزم الحقائب والتوجه فوراً في الفجر نحو مدينة حلبجة.
الفصل الرابع: مدينة الأحزان وحلم النجاة
في فجر الثالث من نيسان عام 1991، انطلقت أربع سيارات محملة بأربعين شخصاً من الأقارب نحو حلبجة، يلاحقهم شبح الموت خلفهم والضباب الكثيف أمامهم. اعترضت سيطرة السليمانية طريقهم في شارع ضيق ومزدحم بآلاف الهاربين والسيارات الفارهة التي تكدست في مشهد جنائزي؛ كان الحرس يرفضون خروج أي عائلة إلا إذا كانت من ساكني القرى والنواحي التابعة للمنطقة لحصر الناس داخل المدينة.
حينها، ترجل نسيب الشاب من السيارة متكئاً على عكازه؛ كان مشلول الساقين إثر إصابة بالغة تعرض لها في الثورة الكوردية عام 1974. تقدم بنوع من الهيبة نحو المقاتلين وأراهم قدميه المشلولتين، وما إن رآه آمر السيطرة حتى تراجع خطوتين إلى الوراء وألقى له التحية العسكرية تقديراً لدمائه وتضحيته، وأصدر أمره فوراً: *"افتحوا الطريق لهذه القافلة"*. مروا نحو حلبجة؛ مدينة الشهداء والأحزان الساكنة تحت ظلال المأساة.
أشرفت القافلة على المدينة المنكوبة، تلك البقعة التي خُنق فيها الأطفال والشيوخ والنساء قبل ثلاثة أعوام فقط بسلاح الكيماوي اللعين، وغدت أجسادهم الطاهرة طعاماً للفئران والنسور في العراء. كان المشهد قسياً يقبض الأرواح؛ الخرائب والمقابر الجماعية تحيط بالمكان من كل جانب، والقطط والكلاب الضالة تجوب الأزقة الخاوية المرعبة، تحت جو قارس ومطير وسماء رصاصية لا تتوقف عن البكاء. عثروا بصعوبة على بيت شقيقته، فكانت الصدمة أن نصف البيت متهدم وسط ركام الدور المجاورة. أسرع الرجال يخرجون النايلون والبطانيات لتغطية الغرفتين المتبقيتين لحماية الأطفال من المطر الأسود، واستعانوا بمدفأة نفطية قديمة للطبخ، ولم يكن بحوزتهم سوى بضع لترات من الكيروسين.
توالت تسع عوائل من الأقارب على البيت حتى افترش الجميع الأرض الطينية بملابسهم المبتلة؛ بدأ المخزون الغذائي ينفد بسرعة، وأصيب معظم الأطفال والنساء بالإسهال الشديد والإنهاك جراء تلوث المياه وبرودة الطقس. وفي خضم هذا البؤس، انتشرت في الأزقة شائعة مرعبة كالنار تفرز الرعب في القلوب: *"الجيش سيضرب حلبجة بالسلاح الكيماوي مجدداً!"*. تملك الهلع الصدور وتسمرت العيون في السماء خوفاً من صوت الطائرات.
دار نقاش حاد ومؤلم وسط صراخ النساء؛ قرر الشاب بعد نقاش طويل ومقاومة شديدة من والدته، أن يعود إلى السليمانية بسيارته مهما كلفه الثمن، معتبراً الموت تحت السقوف المألوفة أرحم من الإبادة الكيماوية، بينما قرر بقية الأقارب الالتجاء إلى الحدود الإيرانية مشياً على الأقدام عبر الجبال الوعرة.
ودع الشاب شقيقته وعائلتها والحزن يمزق صدره كسكين ثلمة. انطلق بسيارته ومعه بيت خاله، ليجد نفسه فجأة وحيداً يسير بعكس اتجاه سيل هائل مرعب من السيارات الفارهة من السليمانية نحو الشرق. استوقف أحد الفارين فسأله عن السبب، فأجابه الرجل بذعر وعيناه جاحظتان: *"ارجع! الجيش اقتحم البيوت واستخدم الكيماوي في جمجمال، وجعلوا ممتلكات الدور غنائم حرب!"*. أصاب الشاب ذهول عميق وشلل في التفكير.
هنا، تملكت الوالدة رغبة عارمة ومجنونة في العودة ومرافقة ابنتها التي تركوها وراءهم متوجهة إلى إيران؛ فتحت باب السيارة وهي تسير ونزلت وسط السيل الجارف من البشر، ومشيت على قدميها تحت المطر وهي تبكي بحرقة. لحق بها الشاب في وسط الطين ورجاها باكياً وهو يقبل يديها وقدميها أن تعود إلى السيارة: *"أرجوكِ يا أمي، سنموت جميعاً هنا، دعينا نلحق بهم بالسيارة!"*. اضطروا في النهاية لتغيير مسارهم مجدداً نحو إيران ببطء قاتل وسط زحام أسطوري يُشبه يوم القيامة؛ بشر حفاة بملابس رثة يمشون تحت الأمطار الغزيرة، يسوقهم الخوف نحو المجهول دون أن يعلموا إلى أين يذهبون.
الفصل الخامس: معبر "طويلة" وبشائر الغربة
عادوا إلى حلبجة أدراجهم ليجدوا الديار قد خلت من أنفاسها إلا من بضع عوائل يلفها الذهول. عانق الشاب شقيقته بحرقة وبكاء مرير، واختلطت دموع الخوف بدموع الإصرار؛ وقررت العائلة المضي معاً يداً بيد. وفي صباح الخامس من نيسان، انطلقت الجموع نحو الجبال الشاهقة صعوداً إلى الحدود الإيرانية، حيث كانت الأرض تتلوى تحت أقدامهم كأفعى عملاقة. وفجأة، تعطل المكبح اليدوي لسيارة الشاب وسط المنحدرات الخطرة؛ فكان أحد إخوته ينزل فزعاً عند كل توقف اضطراري ليضع حجراً كبيراً خلف الإطارات، منعاً للسيارة من التدحرج إلى الخلف والسقوط في الوديان السحيقة التي كانت تتربص بهم بأسفل كأفواه تبتلع الأرواح.
مع حلول الظلام، تحولت الجبال المحيطة ببلدة "طويلة" إلى عملاق صخري أسود يبتلع الجموع. كانت الضباب يزحف كالأشباح بين التلال الوعرة، ممتزجاً برائحة الطين البارد المحروق. وفجأة، انشقت السماء عن رعد قصف الآذان، واندلعت عاصفة هوجاء قذفت بحبات "الحالوب" كحجارة من سجيل، تصطدم بزجاج السيارات بعنف يكاد يهشمه، مما دفعهم لفرش البطانيات فوق النوافذ في محاولة يائسة للاحتماء. كانت المنحدرات السحيقة تبدو كأفواه مفتوحة تحت الشوارع الضيقة غير المبلطة، حيث تتدحرج الحجارة مع الطين اللزج، لتجعل من حركة السيارات رقصة بائسة على حافة الموت. وعلى تلك السفوح، تمدد آلاف المشاة يلتحفون النايلون الأزرق الذي كان يرتجف مع مهب الريح كأوراق الشجر في خريف عاصف، محولاً الجبال الممتدة إلى لوحة بشرية صفراء تُذكر بمشاهد الأوبئة والجراد والكوارث التاريخية.
سارت السيارات ببطء قاتل يشل الأعصاب؛ لم تقطع سوى نصف كيلومتر فقط خلال ثلاثة أيام بلياليها من شدة الاختناق المروري. كانوا يطبخون القليل من الرز بماء أصفر عكر يسيل من أعلى الجبل ملوثاً بالطين، بينما كان الجوع يمزق أحشاء الأطفال. وأثناء الصعود المضني في شارع ضيق ينحدر بزاوية قائمة قبالة النقطة الحدودية، وقعت الفاجعة؛ تدهورت سيارة من طراز "لاندكروزر" مليئة بالنساء والأطفال وهوت ببطء مرعب نحو الوادي السحيق وسط صراخ وعويل يشق الصخر. ارتجف الشاب قلقاً، وتملكه هذيان بارد وهو يستمع لصيحات النساء في السيارات المجاورة وهن يلعنّ قدرهن بمرارة ويبكين من لا حيلة لهم.
في زحمة ذلك الطريق الضيق، التقى بمدرس لغة إنجليزية من كركوك، كان يقف والطين يغطي ركبتيه؛ اقترب من نافذة السيارة وقص عليه بنبرة ميتة قصة مقتل أبيه وأخيه على يد أجهزة النظام، وكيف ماتت أمه حزناً عليهما قبل أيام. ولم يكد يبتعد المدرس حتى التقى بآخر كان يدور كالمجنون وسط الوحول، يبحث عن أمه وأخته الحامل التي ضاعت منه وسط الزحام، بعد أن سار على قدميه الحافيتين مسافة 250 كيلومتراً متواصلة من السليمانية.
وسط هذه اللوحة الجنائزية، ظهر فجأة الطبيب الصديق (ح. أ) يقود سيارته التي كانت مخترقة بالرصاص ومخلوعة الباب الخلفي بالكامل كأنها خرجت من ساحة معركة. ترجل الطبيب وصوته منهار تماماً وعيناه غائرتان؛ حكى للشاب والدموع تجمدت على خديه كيف قصف الجيش بلدة "كلار" بالراجمات، وحين سقطت قذيفة غادرة في حديقة داره واستشهدت ابنته الجميلة ذات السنوات الست أمام عينيه، اضطر في حالة من الهستيريا والذعر والجنون إلى ترك جثتها الطاهرة متمددة على أريكة الصالون، والهرب فوراً برفقة زوجته وطفلتيه الأخريين للنجاة بدمائهما. واثناء الهرب استنجدت احدى الطبيبات المقيمات بهم في الشارع، وكانت تعمل مع الطبيب في المشفى الذي كان يديره، فاشر لها بالصعود، وفتحت الباب الخلفي وبغتة سقطت قذيفة قربها عصفت بالباب وحولتها الى أشلاء تبعثرت على طريق الامل بالنجاة.
وفي تلك الأثناء الحامضة، ولمحاسن الصدف وسط هذا الجحيم، تعاطف جندي إيراني اذري طيب يدعى "سجاد" مع الشاب وعائلته الكبيرة؛ مد لهم يد العون وساعدهم في عبور المنفذ الحدودي المتكدس ليلاً بعد تفتيش دقيق ومعقد. عبرت السيارة الخط الحدودي الأخير، والشاب يرقب في مرآة السيارة الجانبية وطنه الذبيح يتوارى خلف الضباب، والدموع تخنقه في صمت الغربة الجديد.
الفصل السادس: في "ناوسود" و"هريو"
عبرت القافلة ممرات الحدود الضيقة، ودخلت السيارات الأراضي الإيرانية لتبدأ فصول رحلة الاغتراب القسري، حيث يطأ المرء أرضاً جديدة وفي صدره قلب ميت. مرت العائلة في طريقها ببلدة "ناوسود"، وهي جنة ساحرة تفطر القلوب بجمالها؛ حيث تشق الجبال الشاهقة عيون ماء عذبة وتنساب السواقي الرقراقة كخيوط من فضة بين المنحدرات الخضراء، لكن يد الحرب لم تترك هذا الجمال بسلام؛ إذ كانت مئات البيوت الحجرية فيها عبارة عن ركام مهدم، تشهد جدرانها المحروقة وسقوفها المتهاوية على قصف القوات العراقية العنيف خلال سنوات الحرب الثمانية السابقة.
هناك، توقف الدليل الطيب والجندي الإيراني "سجاد"، ورفض بشرف وإصرار أخذ أي مقابل مالي أو عيني لقاء خدمته الإنسانية؛ ودعهم بابتسامة حزينة، وتوجهت العائلة وحيدة نحو قرية "هريو" الوعرة حيث كانت السلطات تنصب خيام اللاجئين البيضاء ككفن يمتد على طول الوادي. كانت الأجواء هناك خانقة؛ فقوافل الإغاثة تقف في الأعلى وترمي أكياس الخبز وحبات البطاطا والتمر من فوق الشاحنات على الجموع الجائعة، مما تسبب في حالة عارمة من الهرج والمرج والتدافع العنيف بين بشر سحقهم الجوع والذل.
في منتصف ذلك الطريق الجبلي الوعر، انفتق الصمت بدوي عنيف؛ لقد انفجر إطار سيارة الشاب إثر ارتطامه بصخرة حادة، مما ضاعف من قلقه وهواجسه، وعمق إحساسه بعبء المسؤولية الثقيلة التي ينوء بها ظهره تجاه عائلته الكبيرة المعلقة برقبته. ومع حلول الظلام الدامس وبرودة الجو التي تنهش الأطراف، واجهت السيارة منحدراً شديد القسوة يشق زوايا جبل مظلم، وفجأة تراءت لهم من بعيد، في أسفل الوادي، أنوار مضيئة متلألئة وكثيفة.
في تلك اللحظة، سبح الشاب المهندس في بحر من أوهام الأمل؛ تراءت له الفنادق الدافئة، والمطاعم الممتلئة، وعُلب الطعام الساخنة، وحلم بقدرته على أخذ حمام دافئ يغسل به أوساخ الأسابيع الماضية، وفكر في لهفة بالوصول إلى هاتف يتصل من خلاله بشقيقه الراقد في أحد مشافي بريطانيا، والذي يصارع مرض اللوكيميا (سرطان الدم) وينتظر على أحر من الجمر وصول شقيقتهم الواهبة لإجراء عملية نقل نخاع العظم لإنقاذ حياته. لكن الصدمة كانت صفعة مريرة حطمت واقعهم؛ فلم تكن تلك الأضواء المتلألئة أنوار مدينة أو فنادق كما ظنوا، بل كانت مجرد مشاعل من حطب وأغصان أشجار متناثرة، أشعلها مئات اللاجئين المذعورين في وادٍ مقفر وبارد طلباً للتدفئة. لقد كان خداعاً بصرياً قاسياً، وصدمة نفسية هزت أركان توازنهم.
دبّ شجار عنيف ومشادات كلامية حادة وجارحة داخل السيارة المزدحمة بين العائلتين المنقسمتين بفعل الإرهاق الشديد، وقلة النوم، والضغط النفسي الذي تجاوز حدود الاحتمال الإنساني. ومع بزوغ خيوط الصباح الأولى، قصد الشاب ضفاف نهر "سيروان" لعله يغسل وجهه المنهك ويغتسل، لكنه تراجع بقرف وذهول؛ إذ كانت المياه زرقاء بالأمس، واليوم تحولت إلى بركة عكرة وقذرة جراء قضاء ربع مليون لاجئ حاجاتهم البشرية فيها لعدم وجود أي مرافق صحية.
استبد اليأس بالجميع وتلاشت العزيمة، حتى حدثت المعجزة في عصر ذلك اليوم؛ إذ وصل أبناء عمومة نسيبه القادمون من مدينة "سنندج" الإيرانية بعد رحلة بحث مضنية دامت 18 ساعة متواصلة في الطرقات، وكانوا محملين بالملابس الشتوية الدافئة، وبقدر كبير من أكلة "الدولمة" الكوردية الشهيرة والخبز الطازج. انقضّت العائلة على الطعام، وأكلوا بشراهة وخوف كالمجانين الذين لم يذوقوا زاداً منذ دهر. وبعد ساعة، استأذن الأقارب للرحيل لأن طريق عودتهم طويل وصعب؛ ودعهم الشاب بدموع حارة، وخابت آماله الكبيرة في مرافقتهم إلى مدينتهم، ليعودوا مجدداً بمفردهم لمواجهة ليل طويل، بارد وداكن كعمر الأموات.
الفصل السابع: تحت مجهر الإعلام الدولي
في ظهيرة اليوم التالي، رصعت سماء الوادي آلات تصوير ضخمة؛ كانت كاميرات شبكة التلفزيون الأمريكي (CNN) تجوب الوجوه الشاحبة وتوثق جموع البشر المحتشدة في ذلك المقفر البارد. تقدم صديق الشاب أولاً للتحدث إليهم والمطالبة بنجدة المنكوبين، ثم جاء دور المهندس الشاب الذي اندفع نحو الميكروفون والدم في عروقه يغلي بقهر الرجال. تحدث بانفعال مرير ولغة إنجليزية طليقة هزت مسامع طاقم التصوير، وقال للمراسل وعيناه تشعان غضباً:
*"إن الكورد ليسوا أوراقاً سياسية رخيصة يقامر بها الحكام على طاولات مصالحهم! انظروا إلى أعين هؤلاء الأطفال المرتجفين.. سيلعن التاريخ هذا النظام العالمي الجديد الذي يتبجحون به، والذي يتشكل اليوم فوق رفات وفوق عظام شعب قرر الاستشهاد بأكمله لنيل حريته وكرامته"*.
صمت المراسل قليلاً تحت وطأة الكلمات، ثم وجه إليه سؤالاً مباشراً: *"وهل تحب الرئيس بوش بعد أن خذلكم؟"*. أجابه الشاب بنبرة قاطعة: *"الكورد شعب طيب لا يكرهون أحداً، لكن الظلم البشع الذي وقع علينا من صدام وبوش يجعلهما في الجريمة سواء.. إلى الجحيم كلاهما، ونحن نترك الحكم للتاريخ والضمير الإنساني"*.
مع حلول الليل، اشتد الصقيع بشكل لا يحتمله جسد بشر، وانهمر المطر مدراراً بلا توقف ليحول الأرض إلى برك من وحل. تطلع الشاب بكثير من الخوف إلى والديه المسنين اللذين أخذ البرد منهما مأخذاً، فتوجه نحو ابن خاله ورجاه بنبرة منكسرة أن يسمح للوالدين بالمبيت في سيارته الفارهة والخالية إلا من ثلاثة أشخاص لحمايتهما من تجمد الأطراف. لكن الجواب جاءه كصفعة قاسية؛ رفض ابن خاله بقلب قسا كالصخر، وأقفل أبواب سيارته بإحكام وتمدد بارتياح في جوفها. شعر الشاب في تلك اللحظة بخيبة أمل قاتلة وصدمة تزلزل الروح من طبائع بعض البشر وأنانية ذوي القربى وسط الأزمات الطاحنة. وعند الساعة التاسعة مساءً، تبدد السكون بصياح الحرس الإيراني في مكبرات الصوت، يأمرون الجموع بالتحرك فوراً بالسيارات صعوداً نحو مدينة "باوه".
بدأت رحلة صعود الجبل الوعر في عتمة الليل وسط سيول جارفة وطرقات ترابية غير مبلطة تزلق فيها الإطارات؛ كانت السيارة تئن تحت وطأة الحمل، وفجأة لاحظ الشاب أن مؤشر حرارة المحرك يرتفع بسرعة جنونية نحو الخط الأحمر القاتل. وتحت وطأة الخوف من الاحتراق أو التوقف في المنحدر، نزل الشاب وسط المطر الغزير، وفتح غطاء الماكينة بيدين مرتجفتين، وقام بربط مروحة التبريد بسلك معدني بشكل مباشر لتعمل بأقصى طاقتها دون ناظم حراري.
واصلوا الزحف ببطء شديد حتى دخلوا شوارع مدينة "باوه" الجبلية في تمام الساعة الرابعة فجراً. كانت مآذن المساجد تبث في تلك الساعة المباركة مدائح رمضان العذبة، ويرتفع منها آذان الفجر لينساب في النفوس كبلسم يداوي الجراح. لم يتركهم نبل الغرباء؛ إذ استضافهم رجل كوردي إيراني شهم في داره الدافئة، وحظيت النساء لأول مرة منذ أسابيع بحمام ساخن، وتناول الجميع وجبة فطور غنية أعادت الحياة للأجساد الميتة.
لكن فرجهم لم يدم سوى ساعات؛ إذ رفض رجال الحرس الثوري بقاءهم في المدينة، وأجبروهم بقسوة على مواصلة السير نحو مدينة "جوانرود". وعند مدخل تلك المدينة، تجسدت الإنسانية بأبهى صورها؛ اصطف الأهالي من نساء وشيوخ وأطفال على جانبي الطريق وهم يبكون ويعولون حزناً ومواساة للاجئين، وانقضوا نحو السيارات يملؤونها بعُلب المعلبات الغذائية، والفواكه الطازجة، والملابس الجديدة، ويدسون قطع النقود في أيدي الأطفال في مشهد إنساني مهيب أبكى المهندس وعائلته خجلاً وتقديراً.
الفصل الثامن: مأساة مخيم "سلمان فارسي"
لم تشفع لهم دموع أهالي "جوانرود"؛ إذ رفض المسؤول الإيراني (الفرماندار) في المدينة بقاء العوائل داخل الحدود الحضرية، وأصدر أمراً صارماً بالتحاقهم فوراً بالقافلة الطويلة المتوجهة نحو المخيم المزمع إنشاؤه في بلدة "تازه آباد" المقفرة. تجمهر الأهالي النبلاء حول السيارات يودعونهم بقلوب مكسورة، ويحاولون دَسّ المال في جيوب الشاب خفية، لكنه رفض بابتسامة كسيرة غسلها الدمع، امتنانًا لعواطفهم التي داوت بعض جراحه.
انطلقت السيارة مجدداً حتى وصلت إلى الموقع الموعود، وكان الجو هناك مغبراً كئيباً، ترتفع فيه أعمدة التراب الأصفر لتعمي الأبصار وتخنق الأنفاس. كان حراس المخيم المدججين بالهراوات يصرخون بفظاظة، ويأمرون أصحاب السيارات بالتحرك نحو بقعة قاحلة في الصحراء المقفرة. تملّك الشاب إرهاق قاتل وغضب عارم تجاوز حدود الصبر، فترجل من سيارته وجادل الحراس بعصبية شديدة وصوت متهدج:
*"رفقاً بنا! نحن لسنا أسرى حرب، نحن أطباء ومهندسون ومدرسون ومثقفون.. قضت السلطة الطاغية في بلادنا على كرامتنا، وجئنا إليكم نبحث عن الحرية والرحمة، فلا تسلبونا ما تبقى من إنسانيتنا!"*.
تفاجأ الحراس بنبرته الطليقة والشجاعة، وتراجع أحدهم قليلاً، وكان كوردياً من أبناء المنطقة؛ اقترب من الشاب ببطء وهمس في أذنه بلغة كوردية دافئة وعينين تلتمعان بالحزن: *"أنت تاج رأسي يا أخي.. لقد قلت علانية ما يغلي في صدورنا نحن كورد إيران، لكننا لا نجرؤ على نطق حرف واحد خوفاً من بطشهم وجبروتهم.. إنهم يجردوننا وإياكم من الإنسانية، فاصبر"*. طلب الحارس منه برفق ركن سيارته في زقاق ضيق ومعتم قرب قفص قديم للدجاج، بينما توجهت النسوة والأطفال للنوم في دار شيخ الجامع، الرجل الصالح "حسام الدين"، الذي فتح لهم بيته وأصر على حمايتهم وإيوائهم رغم التهديدات الأمنية التي كانت تحيط به.
في منتصف الليل، دوت مكبرات صوت الجامع بتجريم كل بيت يأوي العراقيين وأعطوا أوصاف عائلته بدقة. اضطروا للمغادرة فوراً تحت وطأة الإرهاق والذعر. تفتشت سيارتهم عند بوابة المخيم بدقة، ثم سُمح لهم بالدخول. كان المخيم المقفر عبارة عن سجن قديم وموحش محاط بأسلاك شائكة صدئة؛ كان يُستخدم لاحتجاز الأسرى العراقيين إبان الحرب الضارية السابقة بين البلدين، وكان يُطلق عليه سابقاً مخيم "كاني دانيال"، قبل أن يغيروا اسمه إلى مخيم "سلمان الفارسي". كان المكان يفتقر لأدنى مقومات الحياة البشية؛ لا ماء صالح للشرب، ولا مرافق صحية تقي الناس حرج الحاجة. وتحت وطأة هذا الوضع المهين، اضطر الأقارب إلى حفر حفرة بدائية في تلة ترابية مرتفعة، وتغطيتها بقطع من النايلون الأزرق والبطانيات الرثة ليصنعوا منها مرفقاً صحياً يستر نساءهم وأطفالهم. وفي غمرة هذا البؤس المطبق، تناهت إلى الجموع عبر الراديو أخبار أثلجت الصدور؛ صدور قرار تاريخي من الأمم المتحدة بإنشاء ملاذ ومنطقة آمنة للاجئين في كوردستان العراق، فعاد بصيص الأمل يلوح في الآفاق مجدداً كفجر يولد من رحم ظلام دامس.
الفصل التاسع: رسالة إلى لندن والوداع المر
تكررت الأيام في مخيم "سلمان الفارسي" رتيبة، خانقة، ومذلة؛ حيث تحولت حياة البشر إلى طوابير لا تنتهي خلف شاحنات المياه الحوضية، يملأها الغبار وتجللها وجوه أضناها التشرد. وفي صباح أحد الأيام الكئيبة، رافق الشاب زميلاً له يعمل معلماً ليدفنا معاً طفلاً لم يتجاوز السابعة من عمره، غيبه الموت إثر الإنهاك الشديد والجفاف الناجم عن الإسهال والتشرد تحت المطر والبرد. كان المشهد قسياً يفطر الحجر؛ إذ كان الأب المكلوم يصرخ بهستيريا مروعة ويرمي بجسده النحيل فوق التراب الرطب يمنعهم من مواراة الصغير، وهو يصيح بصوت مزق شغاف القلوب:
*"لا تدفنوا طفلي الوحيد! لا تتركوه في هذه الأرض الغريبة! تركنا بيتنا وأموالنا وذكرياتنا خلفنا للحفاظ على حياته.. فماذا تعنينا الحياة الآن بغيره؟ خذوني معه!"*.
تحول ذلك الوادي المقفر بمرور الأيام إلى مقبرة كبرى لفلذات الأكباد، ترتفع فيها شواهد القبور الطينية بغير أسماء، وتجوب ثعالب الجبال وذئابها أطرافها ليلاً تحت قمر حزين.
تحت وطأة هذا الانسداد، قصد الشاب دائرة البريد الصغيرة في بلدة "تازه آباد"، وجلس هناك يخط بيد مرتجفة رسالة استعطاف مأساوية باللغة الإنجليزية، ووجهها إلى القائم بأعمال السفارة البريطانية في لندن؛ شرح فيها بأسلوب المهندس والمثقف وضعهم المأساوي، طالباً السماح لعائلته بالخروج إلى إنجلترا لمعالجة شقيقه المصاب بمرض اللوكيميا، لا سيما وأن شقيقته المتواجدة معهم في المخيم هي الواهبة الوحيدة المطابقة لنخاعه الشوكي والمنقذة لحياته. وبعد محاولات مضنية وتوسلات لعمال البدالة، تمكن من التحدث مع شقيقه المريض هاتفياً؛ حاول الشاب بصوت مخنوق بالدموع أن يطمئنه ويزرع في قلبه الأمل، لكن الشقيق، وتحت وطأة مرضه العضال وضيق حاله المادي في الغربة، كان يصر بنبرة منكسرة على إخراج شقيقته الواهبة وحدها رفقة مرافق واحد فقط. سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس الشاب، وتحطمت آماله الكبيرة التي كان يتشبث بها كقشة لإنقاذ العائلة بأكملها من هذا السجن الكبير.
وفي وسط هذا البؤس المطبق، حطت في وسط المخيم طائرة هليكوبتر عسكرية، أثارت عاصفة من الغبار الأصفر؛ كانت تقل وزير الداخلية الإيراني يرافقه حشد من الصحفيين الأجانب والمصورين. اندفع الشاب عبر الحشود مستغلا لغته الإنجليزية الطليقة، ووقف قبالة الوزير والوفد المرافق له وتحدث بمرارة وقهر:
*"انظروا حولكم! نحن الكورد لسنا مجرد أرقام أو ركام بشر هائم؛ هنا أطباء، مهندسون، ومعلمون معتقلون في هذا المخيم دون أدنى مقومات إنسانية! أطفالنا يعيشون على الأدوية الفاسدة والمعلبات الغذائية المنتهية الصلاحية منذ عام 1988 والتي تسمم أجسادهم، فهل هذه هي الإنسانية والرحمة التي وعدتمونا بها؟"*.
استشاط مرافق الوزير غيظاً من جراء هذه الكلمات الجريئة أمام عدسات الكاميرات الأجنبية، وتقدم نحو الشاب قائلاً بفظاظة وجفاء: *"إيران بلد يعاني من البطالة والفقر وحروب السنين، فكيف لنا أن نأوي هذا الجمع الهائل ونوفر لكم رغد العيش؟"*.
ولم تكن تلك المواجهة الوحيدة؛ إذ التقى الشاب في اليوم ذاته بوفد طبي رفيع المستوى من منظمة الصحة العالمية يجوب أزقة المخيم. وأثناء حديثه معهم، تقدمت امرأة لاجئة من طوبزاوا، تبكي بحرارة تذيب الصخر، حاملة بين يديها المرتجفتين حزمة من الوثائق والصور القديمة لعائلتها المكونة من 18 شخصاً؛ شرحت لهم بصوت متهدج كيف اختفوا جميعاً في جوف شاحنات الجيش العراقي العسكرية إبان عمليات جينوسايد "الأنفال" في منطقة طوبزاوا. تأثرت الطبيبة السويسرية التي ترأس الوفد بالمشهد، وبكت بحرارة مواساة للمرأة، ووعدتها بأخذ تلك الوثائق وتصويرها فوراً للبحث عن مصيرهم وإيصال صوتهم إلى المحافل الدولية.
الفصل العاشر: ورقة العبور وطريق العودة
تبدلت الأقدار ومالت نحو الانفراج؛ حيث حصلت شقيقة الشاب على أمر خروج طبي طارئ للمعالجة في مستشفى بلدة "تازه آباد". اغتنم الشاب الفرصة وقصد مع عائلته حمام الناحية الصغير؛ وقف هناك تحت دوش الماء الساخن لنصف ساعة كاملة دون حراك، مغمض العينين، وقد نسي أحزانه والعالم الصاخب من حوله وهو يرقب رماد الأوساخ المتراكمة لأسابيع طويلة يسيل عن جسده الهزيل الذي أنهكه الجوع والبرد. وحالما خرجوا، تخلصوا نهائياً من ملابسهم الداخلية الداكنة التي رافقتهم طيلة أيام اللجوء واشتروا ملابساً جديدة برائحة الأمان، وجلس الأطفال في السيارة يبتسمون وهم يجففون شعرهم المبتل بمكيف السيارة الحار الذي سرى في أجسادهم كدفء الحياة الجديدة.
في تلك الأثناء، بدأت الشائعات تتردد في أزقة المخيم كبشائر الفجر: *"الحكومة العراقية أصدرت قرار عفو عام شامل عن اللاجئين الكورد العائدين إلى ديارهم"*. تحركت في صدر الشاب رغبة عارمة في المغادرة، وذهب لمواجهة ممثل إيران لدى الوفد الدولي؛ وقف أمامه وبنبرة لاهبة انتقد فظاظة المعاملة التي يتلقاها اللاجئون وتسمم مئات الأطفال جراء المعلبات الفاسدة المنتهية الصلاحية. استشاط رجال الأمن غيظاً، وسحبه الحرس بقسوة وخشونة خارج القاعة، مهددين إياه بالقصاص والتوعيد إن لم يلزم الصمت. تملك الخوف صديقه المصلح الكوردي الطيب من أبناء المنطقة، فاقترب من الشاب وهمس في أذنه بلهفة وقلق: *"أرجوك يا كاكه، لا تبيت هنا الليلة.. رجال الأمن قد يغدرون بك عند حلول الظلام. اجمع عائلتك وأسرع بالمغادرة في الفجر، وقابل الضابط الخافر في دائرة الاستخبارات قبل تغيير الدورية"*.
في غبش الفجر والندى يغطي أطراف البلدة، توجه الشاب بخطى واجفة إلى دائرة الاستخبارات الإيرانية (الاطلاعات). تفرّس الضابط الخافر في وجهه المتعب، ثم سأله بنبرة حادة وشكاكة عن مهنته الحقيقية وموقع شركته النفطية؛ التقط المهندس الشاب ورقة وقلماً من على المكتب، وبحس المهندس الفني الطليق، رسم له خارطة معقدة وتفصيلية بتوصيلات الإنارة المختلفة وشبكات المحطة النفطية لإثبات هويته، وسلمه جواز سفره العراقي المؤشر عليه تأشيرة السفر إلى أوروبا ليعزز صدق روايته.
وقف حرس كوردي طيب من العاملين في الدائرة، وتأثر بمظهر الشاب وعائلته الكبيرة المكدسة في الخارج، فانحنى نحو الضابط وتوسل إليه برجاء حار: *"باسم الله وباسم الرحمة يا سيدي، انظر إلى عائلته الكبيرة وأطفاله.. ساعدهم على العودة"*. صمت الضابط لمدة وجيزة، ودخل إلى الغرفة الخلفية بينما كان الشاب يحصي دقات قلبه الخائف.
بعد دقائق تمطت كالسنين، خرج الحرس الكوردي الطيب والابتسامة تشق وجهه، واقترب من الشاب وقال بصوت دافئ: *"أبشر وتشجع يا كاكه.. هذه ورقة السماح بخروجك وعودتك إلى وطنك"*. مد يده وسلمه قصاصة ورق صغيرة، يعلوها لفظ *(باسمه تعالى) * ومذيلة بختم دائرة (الاطلاعات). لم يتمالك الشاب نفسه؛ انهمرت دموعه بغزارة، واحتضن الحرس الطيب بحرارة وقبّل جبينه ويده فرحاً وشكراً، وانطلق كالسهم نحو المخيم يجمع عائلته للفرار نحو الوطن.
الفصل الحادي عشر: معانقة الوطن وجراح الذاكرة
انطلقت السيارة لاهثة، تسلك طريقاً جبلياً وعراً يلتوي نزولاً نحو قرية "هريو" والنقاط الحدودية. وفي منتصف الطريق، التقى الشاب بصديقه القديم والجندي الطيب "سجاد"؛ ترجل من السيارة واحتضنه بحرارة مستشعراً لأول مرة منذ أسابيع بالدفيء والأمان الحقيقي. سارع سجاد بنبله المعهود، وجلب لهم ورقة إذن الخروج الرسمية من المقر الإيراني، وسهل إجراءات تفتيش السيارة المعقدة ليحمي العائلة من التعسف. ودعوه بدموع وعناق حار، وعلى شفاههم أمنية مكتومة: *"أن يصلح الله حال الحكام.. لتعيش الشعوب متآخية ومحبة"*. عبرت السيارة الخط الفاصل والنقطة الحدودية، لتدخل بلدة "طويلة" العراقية، حيث استوقفتهم سيطرة من مقاتلي "البيشمركة"؛ تأكد المقاتلون من هوياتهم بابتسامة ترحيب، ودعوا لهم بسلامة الوصول.
واصلت القافلة سيرها حتى وصلت إلى السيطرة العسكرية التابعة للجيش العراقي، حيث كان الجنود يقفون خلف السواتر الترابية. ترجل الشاب وسلم أوراقه، فتفرّس رئيس العرفاء في وجهه، ونظر إلى هويته التابعة لشركة النفط، ثم قال بنبرة عتب وغضب ممزوج بالحسرة: *"لقد ألقينا عليكم قليلًا من الجص (منشورات التخويف والإشاعات الكيماوية لترهيب البيشمركة)، فلماذا تركتم دياركم وتجشمتم عناء اللجوء؟"*. ثم سرعان ما تبدلت لهجته الحادة إلى نبرة أخوية دافئة وأردف: *"نحن إخوة في النهاية، وهناك مفاوضات سلام تجري الآن بين الحكومة والقيادة الكوردية، ونأمل أن تفرش هذه المفاوضات للسلام طريقاً"*. انحنى العريف نحو السيارة وزع قطع البسكويت على الأطفال المنهكين، وأعطى الشاب ورقة "عدم تعرض" رسمية تحميهم عند نقاط السيطرة في بقية الطريق.
وصلت السيارة بوقودها الشحيح الذي كان على وشك النفاد إلى مدينة السليمانية بسلام. دخلوا دار شقيقته مجدداً، واغتسلوا من وعثاء السفر الخانق، وفي الصباح التالي توجهوا صوب كركوك؛ استأجروا سيارة أجرة للوالدين المسنين لتأمين راحتهما، وقاد الشاب سيارته بالبقية. عبروا السيطرات الأمنية المتشددة بنجاح، وعند مدخل كركوك، طلب منه أحد الجنود قنينة غاز مقابل تسهيل مرورهم السريع دون تأخير، فوعده الشاب بابتسامة هادئة وجلبها له في الغد. دخلت السيارة أخيراً المنطقة النفطية المحمية، ووقف الشاب أمام داره؛ وجده كأنما تركه بالأمس، آمناً لم تمسسه يد العبث. وفي تلك الليلة، ألقى بجسده المتعب على فراشه، وخلد إلى نوم عميق لم يذق طعمه أو سكينته منذ أن وُلد.
في صباح اليوم التالي، عاد المهندس الشاب إلى قسمه في الشركة؛ استقبله زملائه وأصدقائه القدامى بترحاب حار وعناق دافئ، وسجلوا مباشرة عمله فوراً دون إبطاء. لم تمضِ ساعات حتى استدعاه مدير القسم، وكلفه رسمياً بمهام وأعمال "رئيس مهندسي شعبة الخدمات" لإعادة إعمار وبناء المحطات النفطية التي دمرتها ظروف الحرب والقصف.
أما زوجته الطبيبة، فقد واجهت في بداية عودتها صدمة متمثلة بقرار فصلها من العمل الصادر عن مدير عام الصحة آنذاك (ر. ج) بسبب الغياب؛ لكن بعد مراجعات مستمرة وتدخل الخيرين من زملائها، أُلغي القرار الجائر واعتُبرت مشمولة بمرسوم العفو العام، لتعود بكامل كرامتها لمباشرة عملها الإنساني في المستشفى بعد أسبوع واحد فقط.
انتهت رحلة الحزن والبحث المضني عن الحرية، وتبخرت أوهام الديمقراطية الموعودة خلف ستائر التجويع والإذلال الدولي، وبقي الوطن العزيز شاهداً حياً على تضحيات شعب كتب بدمائه وثيقة وجوده الأبدي على هذه الأرض.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الحل المنطقي للانسداد المزمن في كوردستان العراق؟
- الخيانة والمعايير المزدوجة في العلاقات
- تقويم أداء العاملين
- تلوث الكهرباء (التوافقيات في شبكات الطاقة: الأسباب، التأثيرا ...
- اين انت؟
- الاعياد بين الامس واليوم
- الاثار السلبية للاقتصاد العراقي الراهن
- هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الثاني-
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-
- ظاهرة العنف في المدارس
- العراق بين الماضي والحاضر
- الكتابات الساخرة في الادب العراقي
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟
- خواطر وتساؤلات من الحياة


المزيد.....




- الاحتلال يطلق النار بشكل كثيف تجاه خيام النازحين بمواصي رفح ...
- مفوض حقوق الإنسان في خيرسون: استهداف مستشفى إيفانوفكا جريمة ...
- تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو ...
- الداخلية السورية: تفكيك خلايا تابعة لتنظيم داعش واعتقال قياد ...
- العفو الدولية: غارات إسرائيلية في لبنان ترقى إلى -جرائم حرب- ...
- منظمة حقوقية تعتزم تقديم شكوى ضد إنفانتينو بتهمة انتهاك الحي ...
- المدى تكشف أسباب اعتقال مدير توزيع المنتجات النفطية
- اعتقال المعارضة أريكناز مانوكيان في أرمينيا
- أبادت عائلات بأكملها.. العفو الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب جر ...
- العفو الدولية: الاستهدافات التي أبادت عائلات بأكملها طالت من ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمد رياض اسماعيل - رماد الهجرة: رحلة البحث عن وطن/ رواية واقعية