داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 13:25
المحور:
الادب والفن
صورٌ تذهب وتعود, تتداخل, تتكسر, يزداد صراعه مع الأشياء, وتتزاحم الهواجسُ في ذهنه, وطافت من حوله الخيالاتُ ثم أخذت تبتعد, وبدأ يفقد جزءاً كبيراً من أوهامه, فتدفعه إلى القيام بتعرجاتٍ غريبةٍ أو إلى تصوراتٍ ربما تكون أبعد إلى اللامعقول, إلا أنه آثر السكون على الإفصاح في زمن كثرة الثرثرة, فعزاؤه الوحيد والأكثر حضورا هو ذلك الإيمان بخلودِ الروحِ وإن تلاشى الجسد, إلا أنه بدأ يرى أشلاءً ممزقةً تملأ الشوارعَ والأزقةَ ما بين الأحياءِ من جديد, ثم زلزالٌ مدمرٌ يمحي اللمساتِ الإنسانية, حدثٌ هنا وحدثٌ هنالك, وعدمٌ يرتسم بعد عدم, تنتابه المخاوفَ تلك التي تظهر كانعكاسٍ للعزلةِ التي تآلف معها, منها ما بدأ يتخيله عن تلك الأمهاتِ اللائي أخذ يتملكهن الخوف خارج عن سيطرتهن يبحثن عن ملاذٍ آمن, يمسكن بأطفالٍ يتضورن جوعا بانتظار صباحٍ جديد, لم يعد يقوى على التحديق, لذا أخذ يصرخ وهو ينظر في نجمةِ القطبِ الشمالي ويسألها كيفما تمكنت من الثباتِ في مكانها, في ظل حركةٍ محمومةٍ لنجومِ السماءِ وارتجاف القلوب.
- ترى بماذا سيكتب على شاهد قبري المنسي بعدما صَدّقتُ الكذبةَ الكبرى؟
بدأت النارُ تنهشُ المقعدَ الخشبي القديم, والأحلامُ كلُّها بدأت تختبئ ما بين الثنايا, وبراكينُ الانتظار أخذت تتقاذف بأبي زياد بحميمٍ من ذات التيه, وأحس بقنوطٍ داخلي, لذا أخذ يهرب من لجةِ الوهمِ حتى وإن كان نحو أفقٍ متهالكٍ أو من سيلِ الآمالِ الخائبة, يتموجُ ما بين ذكرياتِ الخمسين عاما التي مضت, كأنه يسمعُ نداءاتها, ليجد نفسه يطفو في نشوةٍ كأنما تنم عن براءةِ طفلٍ يعبر عنها بلغةِ الصراخِ أو التمسكِ بما يملك أو يرغب بالحصول على ما لا يملك, مستغرقا معها لا يعي بما يدور حوله بعدما فُقد حضور الزمن, إذ بات الليلُ الذي مضى أكثر عمقا وسكونا, وفقد الإحساس بالوقت, وباتت صورٌ تظهرُ أمامه للأمكنةِ القديمة, كأنه بدأ رحلةُ التحولِ إلى طارق علّه يحظى بشيءٍ مما تناله الذاكرة, يبحثُ في ذلك الماضي عن خيطٍ وإن كان في المناطقِ المظلمةِ قد يوصله إلى ما لم يكن في الحسبان أو قد تكون في الدهاليزِ المظلمةِ من تلك الذاكرة, أمٌ حنونةٌ ووالدٌ يكد ويشقى, وعجوزٌ بملابسٍ رثةٍ تجلسُ عند عتبةِ البابِ تودع من يرحل وترحبُ بمن يعود, وتهمسُ بصوتها الأجش بسبابةٍ تسبق نطق الحروفَ التي ينقصها حرفي السين والصاد" عليك أن تشقى كي تكون أصلب" ويرى منها والأشدَ كهوفيةٍ تمائمُ النجاةِ التي علقتها والدته في مدخلِ الأبوابِ لتلك الغرفِ الخانقةِ بالدخان, والقراءةُ الخلدونيةُ التي بدأت بفكِ طلاسم الحروف الأبجدية, النارُ والنورُ والدارُ لن تهدمها أسلحةُ الدمار, هنا في الألواح السومرية بدأت الحكاية, بداية الحكاية الأولى لفهم العالم, فيذهب بعيدا مع قلم الرصاص وبعض الأوراق بحثا عن فردوس مفقود, فيفضحه الصمتُ وتلك الأناملُ المرتجفة, لتقف شاخصةً لغةُ العبيد التي تمتهن الخنوع متجاوزة تلك القوانين الأولى في مسلة حمورابي.
يجلسُ طارقُ بعدما تساقطت بعضُ السنينِ في مقهى أبو العمياء خارج حدود الأيام, وبعدما تجاوز مسألة السير بجانب الجدران, ولم يعد يأبه أن تكون لها آذان, غليانٌ يسكتُ أفواهَ الخوفِ بعدما أصبح فريسةً لانفعاله, واقوالٌ تخالفُ المعتاد, يجتمعُ كلُّ مجموعةٍ ضمن توجه ما على طاولة من الخشبِ وعلى صوتِ ضرباتِ الدومينو يهمس بعضهم البعض, وغبطةٌ تتراقصُ مع دوائرِ دخان السكائر المتصاعدة, ترسمُ آمالاً تتجاوز حدودَ الوطن, فتبدد كتلَ الأحزانِ المتراكبةِ بعدما تجف الينابيع, ويدور ذلك في المدرسة, ثم لتتوسع لتكون أكثر علانية, إذ بدأت الشعاراتُ تُحفرُ على المصاطبِ الدراسيةِ بذلك الاختلاف, شعاراتٌ قوميةٌ واشتراكية, يفصل ما بين هذين التوجهين صف من المقاعد الدراسة للطلبة المسالمين, الذين تكمن مهمتهم في أن يعيشوا بسلام, لم يفكر يوما أن يجلس بالصف الوسط, أو أن يصوب رأسه نحو الأرض, ويقضم أظافره خوفا من مجهول, ولم تكن أحلام عابرة, ولا مشاعر مؤقتة, أنه الحماس بمبادئ نقية, إذ كان ينمو في دواخله ويكبر مع الأيام, طفولةٌ تنصتُ على الفيضِ من الإعلامِ الذي يحشد الناسَ نحو الحريةِ والتحكم بالمصير, لم يفكر بتمهل في تلك الأوقات, فذلك الإعلام الذي كان يفتنه استطاع أن يصور له التضحية بالنفس بأنها أعلى درجات الجود, يستحضر تلك الجموعَ في الموكبِ اللامتناهي وهي تحمل باقاتِ الأحلامِ اليافعة, إذ كان يحلم إلى حد اليقينِ أنَّ الحدودَ الوهميةَ ستمحى من خرائطِ الوجود, فيسأله الصوتُ من جديد.
- ترى هل لا تزال تأبى العصي؟
أحس أبو زياد وهو لا يزال جالسا بنوع من الخواء الذي بدأ يكتسحه في أعماقِ الليلِ الفائتِ الحالك الظلمة بقلبٍ جافٍ بعدما تذكر العمر الضائع, شعورٌ يبددُ تلك السنين كلَّها التي عاشها, أيامٌ مليئةٌ بالقلق, وبدأ يسمع أصواتاً غير مألوفةٍ أشبه بعواءِ عاصفةٍ هوجاء, كأنها تنذره باقتراب النهاية نحو التلاشي الذي يستشعره منذ أن بدأت تثور الذاكرة وأخذت ترميه لحسابات الأقدار, وكأن الصغيرَ طارق يهرب معها من ذاته ويلتزم الصمت, يخبئ الأوجاعَ ما بين الأحشاءِ والأنينِ الذي يسري في العروق, أشباحٌ لا مرئية تتلاعب في مقدراتِ الحياةِ على الأرض, بعيونٍ يتطاير منها الشرر, تنذرُ بلبس السواد الأبدي, لذا بدأ يشعر بشيءٍ يجره إلى حافةِ الجنون, كأنما أذرعٌ تخرج من المجهول تحاول أن تمسكه مع انطلاقِ لحنٍ حزينٍ يعبر عن الأفولِ القريب, وهواجسٌ ترتسمُ لبداياتِ طرق الرحيل, يمني النفسَ بأن ينفصل عن ذاته, يبحث عن الاغترابِ بعدما ظهرت جواهرُ الأشياء, فلم يعد يهمه البحثَ عن المعنى الحقيقي لها, ولا كيف يتوافق مع الزمنِ الحالي, ما يهمه أن يجد نفسه يشعر بنبضاتِ قلبَ والدته أم طارق المتسارع, يشتم عطرها الأخاذ, وحينما يفشل يجد نفسه يزج بنفسه في مملكةِ النسيان, إلا أنَّ الأحداثَ بدأت تسممه, ونمى لديه شعورٌ مبهمٌ بشيءٍ لا يعرفه, قبل أن يأخذ بالتلاشي من دواخله, يحاول أن يجبره إلى التخلي عن تلك الأحلام, بعدما أخذ ينتصب أمامه الوجهُ الحقيقي لهذا العالم في هذه الحياة المندفعة نحو المجهول, ربما تمائمُ والدته أو والدة طارق التي غادرت الحياة مبكرا كانت تنذره بذلك, فلربما كُتب فيها" ستشقى وإن حلمت بالسعادة فلربما ستنالها في الحياة الأخرى" فيستولي عليه الرعب, إنها الضآلة أمام التحديات, أو هي مشاريعُ الموتِ المجاني التي لم تنجز بعد, لذا بدأ يحاول أن يتحرر من تلك الهواجس, أن يوقف الخوضَ بهذيانِ التوجس, من وهمِ الحريةِ المفترض, من وهمِ الأفكارِ التي تلازمه, عالقا ما بين الحاضر والماضي, ما بين طارق وأبي زياد, تائها في بحر الذكريات والأحلام المكسورة, حزينةٌ تمضي الأيام, فلمن سيشكي الوجع, وكيف سيتدارك هذا الضعف, لذا بدأ يمني النفس بأن يقوده جسده الأثيري إلى عتبةِ عالمٍ جديد, عالمٌ مسالم, أو أن يهربَ به إلى عالمٍ بدائي قبل أن يولد طارق بمئات السنين, ذلك الطفل الذي لا يزال يقبع في دواخله في عالمٍ لم يبدأ بتشريع قوانين الحياة, لكنه تعلم من الأحداث التي مر بها القيمة الحقيقة للامبالاة التي أدركها متأخرا, إلا أنه لم يتمكن من الصمود, وأخذ يستسلم للخوف ووسواس التكرار اللذان تسللا إلى قلبه, يغلق عينيه, يسحب نفسا طويلا بصعوبة, وبدأ يتمنى لو كانت حياته كلها مجرد أضغاث أحلامٍ واضطراب رؤى وكوابيس تبعثرها صحوةُ الأقمار.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟