فارس حامد عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:36
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
إنطلاقاً من متابعتي للإطار القانوني والتنظيمي للقطاع الصحي في عدد من الدول، وبخاصة التجربة التركية، وما شهدته من تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، تبين أن نجاح إصلاح القطاع الصحي لا يرتبط بحجم الإنفاق أو عدد المستشفيات فحسب، وإنما يقوم أساسًا على وجود منظومة قانونية وإدارية متكاملة، تُحسن تنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وتمنع تعارض المصالح، وتضع المريض في صميم العملية الصحية.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقترح لعرض عدد من الأفكار التي يمكن الإفادة منها عند مراجعة التشريعات والسياسات الصحية في العراق، مع مراعاة خصوصية الواقع العراقي، ودون افتراض أن أي تجربة أجنبية يمكن نقلها بحرفيتها، وإنما الاستفادة مما أثبت نجاحه وتكييفه بما ينسجم مع احتياجات العراق
معطيات التجربة التركية
أولًا: الخدمة العامة قبل الممارسة الخاصة
يلتزم الطبيب في تركيا، بعد تخرجه من كلية الطب، بأداء الخدمة الإلزامية في القطاع العام، حيث تعيّنه وزارة الصحة في أحد المستشفيات أو المراكز الصحية الحكومية لمدة تتراوح عادةً بين (300 – 600) يوم، بحسب حاجة المنطقة ومستوى التنمية فيها.
ولا يجوز له ممارسة المهنة في القطاع الخاص قبل إكمال هذه الخدمة أو إعفائه منها وفقًا للقانون.
وبعد انتهاء الخدمة الإلزامية، يصبح للطبيب حرية اختيار مساره المهني؛ فإما أن يستمر في العمل في المستشفيات الحكومية أو الجامعية، أو ينتقل إلى القطاع الخاص، أو يعمل في مستشفى أو مركز طبي خاص، أو يفتح عيادته الخاصة بعد استيفاء المتطلبات القانونية والمهنية.
كما يمكنه الالتحاق ببرامج التخصص الطبي عبر امتحان التخصص (TUS).
فلسفة هذه السياسة؛
تقوم هذه السياسة على فلسفة واضحة، مفادها أن الدولة تستثمر في إعداد الطبيب وتضمن أولًا استفادة المجتمع من خدماته، ثم تمنحه بعد ذلك حرية اختيار المجال الذي يرغب بالعمل فيه، مع الحد من حالات تعارض المصالح بين الوظيفة العامة والممارسة الخاصة.
ثانيًا: لياقة الطبيب… ضمانة لسلامة المريض:
تغلق العيادات الطبية والصيدليات أبوابها في المساء، عادةً عند الساعة السابعة، ليحصل الطبيب والصيدلي على قسطٍ كافٍ من الراحة، ويباشرا عملهما في اليوم التالي بكامل التركيز واللياقة الذهنية والبدنية.
فالعمل الطبي ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية تتعلق بأرواح الناس.
ثالثًا: يستمر الدوام في المستشفيات الحكومية حتى ساعات المساء (الخامسة مساءاً - مع استراحة ساعة)، ويكون المريض تحت إشراف الأطباء الاختصاصيين، بما يضمن استمرار تقديم الخدمة الصحية بجودة عالية، كما يوجد نظام خفارات بعد الدوام.
الموقف العراقي
أما في العراق، فإن الواقع يثير تساؤلات جدية، فكثير من الأطباء ينهون دوامهم الحكومي في وقت مبكر، ثم ينتقلون مباشرة إلى عياداتهم الخاصة، ويواصل بعضهم العمل حتى ساعات متأخرة من الليل، فضلًا عن إجراء العمليات صباحًا ومساءً.
ولا شك أن الإرهاق البدني والذهني قد ينعكس سلبًا على جودة الرعاية الصحية، فضلًا عن احتمال نشوء تعارض بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، عندما يصبح القطاع الحكومي مجرد محطة تسبق العمل الخاص.
والأمر ذاته ينسحب على بعض الصيدليات؛ إذ يمتلك بعض الصيادلة أكثر من صيدلية، ويعتمدون على خريجين جدد قد لا يمتلك بعضهم الخبرة الكافية، بينما يقتصر دور الصيدلي المالك على الإشراف العام أو الحضور في أوقات محدودة، وهو ما يستدعي مراجعة تنظيمية تضمن جودة الخدمة وسلامة المريض، وعدم التلاعب بالتسعيرة.
تأبيد الاستثناء: معضلة المشرّع العراقي
الموظف ممنوع من العمل في القطاع الخاص، عدا الطبيب والصيدلي
ومن اللافت أن معظم موظفي الدولة العراقيين ممنوعون من ممارسة أعمال خاصة قد تتعارض مع وظائفهم، بينما استُثني الأطباء والصيادلة من هذا الحظر لظروف تاريخية تعود إلى بدايات تأسيس الدولة العراقية، حين كانت الأمراض واسعة الانتشار، والمستشفيات قليلة العدد، والأطباء نادرين، فكان السماح لهم بالعمل الخاص ضرورةً فرضتها ظروف تلك المرحلة.
غير أن التشريع الرشيد لا يقوم على تأبيد الاستثناءات، وإنما على مراجعتها كلما تغيرت الظروف التي أوجدتها. فالاستثناء يُقدَّر بقدر الضرورة، فإذا زالت الضرورة أو ضعفت أسبابها، أصبح من واجب المشرّع إعادة تقييمه تحقيقًا للمصلحة العامة.
فالمعيار في التشريع ليس حماية امتيازات فئة معينة، وإنما تحقيق التوازن بين حق المواطن في خدمة صحية آمنة وعالية الجودة، وحق الطبيب في ممارسة مهنته ضمن نظام عادل ومنظم.
قاعدة قانونية: "إذا زالت الضرورة، زال حكمها".
الضمان الصحي: الحلقة المفقودة
كما أن العراق يكاد يكون من الدول القليلة التي ما زالت تفتقر إلى نظام ضمان صحي شامل وفعّال، رغم أن هذا النظام معمول به في معظم دول العالم.
فالضمان الصحي لا يخفف العبء عن المواطن فحسب، بل ينظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، ويرفع مستوى المنافسة والجودة، ويجعل المريض محور المنظومة الصحية، لا الطرف الأضعف فيها.
الجهة التي تدير المستشفيات:
ومن الملاحظ أيضًا أن إدارة المستشفيات في كثير من الدول المتقدمة لا يتولاها الأطباء، وإنما متخصصون في إدارة المؤسسات الصحية، وهو تخصص أكاديمي قائم بذاته يجمع بين الإدارة والاقتصاد وإدارة الخدمات الصحية. أما الطبيب، فتبقى مهمته الأساسية تشخيص المرض وعلاج المريض، بينما يتولى الإداريون إدارة الموارد البشرية والمالية والتشغيلية، بما يضمن استمرار العمل بكفاءة على مدار الساعة.
تقدير عال للطبيب والصيدلي في المجتمع العراقي
إن إصلاح القطاع الصحي لا يكون بمهاجمة الأطباء أو الصيادلة، فبينهم آلاف الشرفاء الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص، وإنما بإصلاح المنظومة القانونية والإدارية التي تنظم العمل، وتمنع تعارض المصالح، وتحقق العدالة بين مقدم الخدمة والمواطن، وتضمن أن تكون صحة الإنسان فوق كل اعتبار.
النظام القانوني
إن بناء نظام صحي متطور لا يتحقق بكثرة الأبنية والأجهزة وحدها، وإنما بتشريعات حديثة، وإدارة كفوءة، ومنظومة تمنع تعارض المصالح، وتحمي الطبيب والمريض معًا، وتجعل الثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية أساسًا للإصلاح والتنمية.
آلاف الخريجين… وتشريع يحتاج إلى مراجعة
العراق اليوم يمتلك عشرات كليات الطب وآلاف الخريجين سنوياً.
بقاء الاستثناء دون تنظيم حاسم تحول من "حل لخدمة المواطن" إلى "امتياز فئوي" يضر بالمواطن. الحل ليس بالمنع التعسفي، بل بـ "الفصل المنظم": إما عمل حكومي كامل ومجزٍ مالياً (نظام التفرغ الوظيفي برواتب مجزية جداً)، أو عمل خاص كامل تخضع فيه العيادات والمستشفيات الخاصة لرقابة صارمة.
ولا يُقصد من هذه الدعوى بأن جميع الدول تطبق نموذجًا واحدًا أو أن التجربة التركية خالية من أوجه القصور، وإنما الدعوة إلى الاستفادة من التجارب الناجحة واختيار ما يلائم الواقع العراقي، بما يحقق المصلحة العامة ويرتقي بجودة الخدمات الصحية.
التوصيات
وانطلاقًا من التجارب المقارنة، وبما ينسجم مع احتياجات الواقع العراقي، يمكن تلخيص أهم المقترحات الإصلاحية بما يأتي:
1. إعادة تنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، من خلال اعتماد نظام قانوني واضح يمنع تعارض المصالح، ويحقق التوازن بين حق الطبيب في ممارسة مهنته وحق المواطن في الحصول على خدمة صحية ذات جودة عالية.
2. اعتماد نظام التفرغ الوظيفي الاختياري، بحيث يُمنح الطبيب حرية الاختيار بين:
* التفرغ الكامل للعمل في المؤسسات الحكومية مقابل رواتب وحوافز مجزية تتناسب مع طبيعة المهنة.
* أو التفرغ الكامل للعمل في القطاع الخاص، مع خضوعه للضوابط القانونية والرقابية ذاتها التي تحكم بقية المهن.
3. الإسراع في تطبيق نظام الضمان الصحي الشامل، بوصفه أحد أهم أدوات إصلاح القطاع الصحي، لما يوفره من حماية مالية للمواطن، وتحسين لجودة الخدمات، وتنظيم للعلاقة بين القطاعين العام والخاص.
4. إسناد إدارة المستشفيات إلى مختصين في الإدارة الصحية، مع بقاء القيادة الفنية والعلاجية بيد الأطباء، تحقيقًا للتكامل بين الإدارة والطب، وفقًا للمعايير الدولية الحديثة.
5. تشديد الرقابة على العيادات والصيدليات والمستشفيات الخاصة، لضمان الالتزام بالتسعيرة الرسمية، ومعايير الجودة، وحضور المسؤول الفني، وحماية المريض من أي ممارسات تخل بسلامة الخدمة الصحية.
6. إعادة النظر في الاستثناء التشريعي الممنوح للأطباء والصيادلة، في ضوء المتغيرات التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، بعد أن توسعت كليات الطب والصيدلة، وازداد عدد الخريجين، وتغيرت الظروف التي بررت هذا الاستثناء عند نشأته.
7. إرساء مبدأ المراجعة الدورية للتشريعات، بحيث لا تتحول الاستثناءات المؤقتة إلى امتيازات دائمة، التزامًا بالقاعدة التشريعية الراسخة: “إذا زالت الضرورة زال حكمها.”
إن الغاية من هذه المقترحات ليست تقييد الطبيب أو الصيدلي، وإنما بناء منظومة صحية عادلة، يكون معيارها الأول حماية المصلحة العامة، وصيانة كرامة المهن الصحية، وضمان حق المواطن في الحصول على رعاية صحية آمنة وعالية الجودة.
8. إنشاء مجلس أعلى مستقل لإصلاح القطاع الصحي، يضم خبراء في الطب، والقانون، والإدارة الصحية، والاقتصاد، ونقابات المهن الصحية، تكون مهمته وضع استراتيجية وطنية طويلة الأمد لإصلاح النظام الصحي، بعيدًا عن التغييرات الحكومية المتعاقبة، مع متابعة التنفيذ وقياس النتائج.
خاتمة:
إن الإصلاح الحقيقي للقطاع الصحي لا يبدأ ببناء مستشفى جديد، بل يبدأ ببناء نظام قانوني وإداري يضمن أن يكون ولاء الطبيب للمريض أولًا، وللمصلحة العامة دائمًا، وأن تُنظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص بما يمنع تعارض المصالح، ويحقق العدالة، ويرفع جودة الخدمة الصحية.
فصحة الإنسان ليست سلعة، بل هي حق دستوري، وأمانة في عنق الدولة والمجتمع معًا.
-----
*النائب الاسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.
#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟