أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة















المزيد.....

القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 03:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
تُعد إشكالية التمييز بين القائد والسياسي والموظف من الإشكاليات الجوهرية في الفكر الإداري والسياسي والدستوري الحديث، لما يترتب عليها من آثار مباشرة في كفاءة الدولة، وطبيعة إدارة السلطة، ومستوى النزاهة والعدالة واحترام المبادئ الدستورية داخل المؤسسات السيادية والعامة.
فكثيرًا ما تختلط هذه المفاهيم في الواقع العملي، لاسيما في الأنظمة التي تُمنح فيها المناصب العليا على أساس التوازنات السياسية أو الحزبية، لا على أساس الكفاءة والقدرة القيادية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أنماط مختلفة من الممارسة العامة:
القائد السياسي.
السياسي التقليدي.
الموظف البيروقراطي.
ذلك أن اختلاف البناء النفسي والقيمي لكل نموذج ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة القرار العام، وعلى العلاقة بالمجتمع، وعلى مفهوم العدالة والرقابة والنزاهة.
أولاً: القائد السياسي ومفهوم القيادة العامة
القائد السياسي الحق ليس مجرد شخص يشغل موقعًا رسميًا في الدولة، وإنما هو شخصية ينبغي أن تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على التأثير المجتمعي، وتسعى إلى تحقيق أهداف عامة طويلة الأمد تتجاوز المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.
وتقوم القيادة السياسية الحقيقية على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:
وضوح الرؤية المستقبلية.
الالتزام بالمبادئ العامة
التأثير المعنوي في الجماهير.
امتلاك الشجاعة الأخلاقية والسياسيةوالقدرة على اتخاذ القرارات الشجاعة فالقائد الحقيقي يتخذ قراراته بناءً على المبادئ والقيم، حتى وإن كانت غير شعبية، خاصة في أوقات الأزمات...
ومن ثم، فإن القائد لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يعمل على إعادة تشكيله وتطويره وفق تصور إصلاحي شامل.
وتتجلى القيادة بصورة أوضح في الظروف الاستثنائية والأزمات الكبرى، إذ يظهر الفرق بين من يبحث عن حماية موقعه السياسي، ومن يتحمل مسؤولية القرار ولو كان مكلفًا على المستوى الشخصي أو الحزبي.
ثانياً: القيادة والنزاهة
ترتبط القيادة الحقيقية ارتباطًا وثيقًا بمنظومة القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها النزاهة والعدالة واحترام القانون.
فالقيادة، بمعناها القيمي، لا يمكن أن تتعايش مع الفساد المالي أو الإداري؛ لأن الفساد يمثل انحرافًا عن الغاية الأساسية للسلطة العامة، والمتمثلة في تحقيق الصالح العام.
وعليه، فإن القائد الحقيقي لا ينظر إلى أجهزة الرقابة بوصفها خصمًا سياسيًا، وإنما يعدّها ضمانة لحسن سير المرافق العامة، وأداة ضرورية لمنع الانحراف واستغلال السلطة.
بل إن بعض القادة يسعون إلى تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وقبول خضوعهم الشخصي للرقابة والمساءلة، انطلاقًا من إيمانهم بأن الشرعية الأخلاقية للسلطة لا تقل أهمية عن شرعيتها القانونية.
ثالثاً: السياسي التقليدي وإشكالية البقاء في السلطة
يقوم النموذج التقليدي للسياسي ـ في كثير من الأحيان ـ على إدارة التوازنات والتحالفات والمصالح الآنية بهدف المحافظة على النفوذ السياسي أو توسيعه.
ولهذا يميل السياسي التقليدي إلى:
تغليب الاعتبارات الحزبية على المصلحة العامة.
تبني الحلول قصيرة الأمد.
تغيير المواقف وفق مقتضيات التحالف السياسي.
استخدام الخطاب الأخلاقي بوصفه أداة دعائية أكثر من كونه التزامًا عمليًا.
وفي هذه الحالة تتحول العدالة من قيمة قانونية وأخلاقية مجردة إلى أداة نفوذ ومصلحة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، وتآكل مفهوم المواطنة المتساوية.
ومن أخطر مظاهر الانحراف السياسي إعادة تعريف العدالة بما يخدم استمرار السلطة، من خلال الانتقائية في تطبيق القانون، أو تحويل الحقوق العامة إلى امتيازات مرتبطة بالولاء السياسي.
فالسياسي المنحرف، أو ما يمكن وصفه بالسياسي النفعي أو السلطوي، لا يرى العدالة كقيمة أخلاقية مطلقة أو قاعدة قانونية ثابتة، بل يعيد تعريفها لتصبح أداة سياسية تخدم مصالحه الشخصية أو الحزبية. 
يتمحور مفهوم العدالة عند هذا النوع من السياسيين حول النقاط التالية
العدالة هي "إيديولوجيا السلطة": العدل هو ما يخدم استمرارية السلطة ومصالحها.
الانتقائية في تطبيق القانون: يتم تطبيق القوانين بصرامة على الخصوم ("العدالة القمعية")، بينما يتم استثناء الحلفاء أو التغاضي عن تجاوزاتهم.
العدالة كـ "صورة" لا كـ "جوهر": استخدام شعارات العدالة والمساواة في الخطابات العامة لاستمالة الرأي العام، بينما الواقع الممارس يكرّس التفاوت والامتيازات.
تحويل الحقوق إلى "منح": إظهار الحقوق الأساسية للمواطنين على أنها هبات ومكرمات يمنحها السياسي، مما يربط الولاء بالعدالة.
العدالة الانتقائية/المصلحية: تحويل العدالة من "إعطاء كل ذي حق حقه" (مفهوم أرسطو) إلى "إعطاء ما يضمن الولاء". 
باختصار، بالنسبة للسياسي المنحرف، العدالة ليست هدفاً، بل هي وسيلة لتحقيق غايات سياسية، حيث يتم طمس الحدود بين الحق والمصلحة الشخصية.
رابعاً: القائد والموظف… الفارق في فلسفة المبادرة
يتمثل الفرق الجوهري بين القائد والموظف في طبيعة العلاقة بالمبادرة والمسؤولية.
فالقائد يمتلك القدرة على صناعة الحلول وابتكار المسارات الجديدة، بينما يميل الموظف التقليدي إلى المحافظة على الاستقرار الوظيفي وتجنب المخاطرة.
ولذلك فإن البيئات الإدارية الجامدة غالبًا ما تُنتج موظفين يتجنبون التفكير النقدي أو الإبداع الإداري، خشية المساءلة أو الفشل أو فقدان الامتيازات الوظيفية.
إن الفرق الجوهري بين القائد والموظف يتمثل في مدى توافر روح المبادرة وعقليتها. فالقائد يصنع الحلول ويبتكر المسارات، أما الموظف التقليدي فيكتفي غالبًا بالحفاظ على موقعه الوظيفي وتجنب المخاطرة.
ورغم الأعداد الهائلة للموظفين في مختلف الدول، فإن الابتكار والإبداع يظلان نادرين داخل البنى الإدارية الجامدة، لأن كثيرًا من الموظفين يتوجسون من طرح الأفكار الجديدة أو تقديم المقترحات الجريئة، خشية الفشل أو التعرض للعقوبات أو العزل الإداري في بيئات يغلب عليها الروتين والمحافظة المفرطة.
ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ”العرف الإداري الفاسد”، الذي يختزل فلسفته بعبارة:
“لا تُحرِّك ساكنًا ولا تُسكِّن متحركًا”،
وهو عرف يقتل روح المبادرة، ويحوّل الوظيفة من وسيلة للبناء والتطوير إلى مجرد أداة للبقاء الوظيفي وتجنب المسؤولية.
فالإدارة التي تعاقب المبادرة تكافئ الجمود، وتنتج مع الزمن موظفين يخشون التفكير أكثر مما يخشون الخطأ
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يحوّل الوظيفة العامة من أداة للتطوير وخدمة المجتمع إلى مجرد وسيلة للبقاء الوظيفي.
خامساً: البعد الإنساني في القيادة
لا تقتصر القيادة على امتلاك السلطة أو المهارة الإدارية، بل تقوم أساسًا على البعد الإنساني في التعامل مع الأفراد والمجتمع.
فالقيادة الفعالة تتطلب فهمًا للطبيعة البشرية، واحترامًا لكرامة الإنسان، وقدرة على بناء الثقة والإلهام المعنوي.
ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه فقط بحجم السلطة التي يمتلكها، بل بمقدار الأثر الإيجابي الذي يتركه في المجتمع والمؤسسات والأفراد. (1)
خاتمة
إن التمييز بين القائد والسياسي والموظف ليس تمييزًا شكليًا أو لغويًا، بل هو تمييز يرتبط بجوهر إدارة الدولة وطبيعة السلطة العامة.
فليس كل سياسي قائدًا، كما أن المنصب الرسمي لا يكفي وحده لصناعة القيادة.
فالقيادة الحقيقية هي مزيج من الرؤية، والنزاهة، والشجاعة الأخلاقية، والقدرة على الإلهام، وتحمل المسؤولية العامة.
أما حين تتحول السلطة إلى مجرد أداة للبقاء السياسي أو المحافظة البيروقراطية، فإن الدولة تفقد قدرتها على الإصلاح والتقدم، وتدخل تدريجيًا في دائرة الجمود الإداري والتآكل المؤسسي.
ومن هنا، فإن بناء الدول الحديثة لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل التنظيمية، بل يعتمد قبل ذلك على نوعية الشخصيات التي تتولى إدارة السلطة العامة، ومدى امتلاكها لروح القيادة الحقيقية.
-----
(1) ذكر في التراث الشعبي ان اباً كان ساخطاً على ابنه بسبب سلوكه الطائش وشكوى الجيران من سلوكياته العدوانية ، فكان الاب دائم التوبيخ له ويكرر له القول ان اعمرك "لن تكون ادمي"، فترك الابن البيت وتطوع في الخدمة العسكرية ولم يعد لأهله لسنوات طوال حتى تدرج في الرتب العسكرية والمدنية واصبح لاحقاً قائدا اعلى على مدينته، وهنا ارسل في طلب اباه
فوصل الاب ووجد ابنه يجلس على كرسي الحكم ويحيط به الحرس والخدم والحشم
يخدمونه ويعظمونه..
لم يبد على الأب اي تعاطف او اهتمام
وظل ساكتاً
هنا بادر الابن: اتعرف لماذا ارسلت في طلبك يا أبي
اجاب الاب ببرود: لا
فقال الابن: الا تذكر ياأبي يوم وبختني بشدة وقلت لي لن تكوناً ادمياً في يوم من الأيام، وها أنت تراني الان اصبحت قائداً كبيراً مبجلاً وجماهير الناس تركض خلف موكبي تتوسل بي وتستعطفني املاً في العطاء
ساد الصمت في قاعة التشريفات والتفت الحضور الى الاب
قطع الاب الصمت وقد رفع صوته قليلاً وقال: نعم انا قلت لك انك لن تكون ادمياً وانساناً محترما، ولم اقل لك انك لن تكون قائداً
سكت الاب لبرهة ثم أضاف: زهوك بنفسك يدل على انك لم تتغير ابداً.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته
- قاضي الحريات في النظام القضائي الفرنسي (نظام المراجعة المزدو ...
- دور الحكومات العراقية المتعاقبة في دعم تحرير وإستقلال الدول ...
- جوهر ومصادر المباديء العامة للقانون
- العدالة الإجرائية واثرها على الرضا العام على السلطات العامة
- النظام العام والآداب العامة
- مبدأ اليقين القانوني وتطبيقاته وأثره في حركة إصلاح الانظمة ا ...
- مدى قانونية مقولة (ان القانون لايحمي المغفلين)
- قاعدة -واضعوا التشريع ليسوا حجة في تفسيره-
- گابريل گارسيا ماركيز وتراجيديا السلطة
- الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة
- التاريخ الفكري للمحاماة
- قاعدة الشئ يتحدث عن نفسه
- نظرية الغلط الشائع يقوم مقام القانون
- فكرة الحرية ببن الفلسفة والأدب والقانون
- قانون حماية الحريات العامة
- العلم والفن في القانون


المزيد.....




- الهند تعزز شراكتها الطاقية مع الإمارات.. والصين تشتري النفط ...
- بالصور.. مدن تحيي ذكرى النكبة بمظاهرات داعمة لفلسطين
- ترامب يدافع عن تصريحه -المثير للجدل- بأنه -لا يفكر في الوضع ...
- تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان 45 يومًا.. وواشنطن ...
- الأمن السوري يعتقل اثنين من رموز النظام المخلوع
- رؤية شي جين بينغ.. الاستقرار الإستراتيجي البنّاء لتجنب صدام ...
- -إدارة ترامب تقلّص عدد القوات الأمريكية في أوروبا بقرار مفاج ...
- إسرائيل تعلن استهداف قائد الجناح العسكري لحماس في غزة.. من ه ...
- في ذكرى النكبة.. قتل وانتهاكات بالضفة واستفزازات للمستوطنين ...
- خلال لقائه مع الجزيرة.. هذا ما صرّح به الحداد في آخر ظهور له ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس حامد عبد الكريم - القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة