أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام















المزيد.....

فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 01:04
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


قال تعالى في سورة البقرة:
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)"
المعنى بين اللفظ والاصطلاح:
عبارة "لا يشعرون" تعني لغةً: انعدام الإحساس، أو الجهل بالشيء، أو عدم التفطن لوقوعه.
وهذا يشير إلى أن العبارة في الآية الكريمة لا تعني بالضرورة جهل المفسدين بأفعالهم جهلاً مطلقاً، وإنما تشير إلى فقدانهم القدرة على الإدراك الصحيح لنتائج سلوكهم أو لحقيقته الأخلاقية.
المعنى الموضوعي: تفكيك سايكولوجية الفساد (كيف يرى المفسد نفسه؟)
من الناحية النفسية، يمكننا التمييز بين ثلاث حالات رئيسية لتشوه الوعي عند الفاسدين:
أولاً: الفاسد أو المنافق الذي يعلم حقيقة فعله
وهذا هو النموذج الذي يدرك تماماً أنه يكذب، أو يسرق، أو يستغل السلطة، ولكنه يبرر فعله لتحقيق مصلحة شخصية. ويسمي علماء النفس هذه العملية بـ "التبرير الذاتي" (Self-Justification)؛ حيث يصنع الإنسان لنفسه مسوغات أخلاقية أو قانونية تخفف شعوره بالذنب، مثل:
"الجميع يفعل ذلك، فلماذا أمتنع أنا؟"
"أنا أستحق هذه الميزة نظير جهودي."
"المصلحة العامة أو الضرورة تقتضي ذلك."
"لولا وجودي في هذا المنصب لكان الوضع أسوأ."
(فهو يعلم الحقيقة، ولكنه يزيّنها لنفسه).
ثانياً: الفاسد الذي فقد القدرة على رؤية فساده
وهذه حالة أكثر تعقيداً؛ إذ تتكرر الممارسات الخاطئة حتى تصبح في نظر صاحبها أمراً طبيعياً وجزءاً من "العُرف".
فالموظف الذي اعتاد الرشوة لسنوات طويلة قد لا يعود يراها جريمة، بل "هدية" أو "حقاً مكتسباً".
والسياسي الذي اعتاد المحاباة والمحسوبية قد يراها "وفاءً للأصدقاء والأقارب" لا فساداً.
وهنا تتجلى الآية الكريمة بدقة؛ فهو يمارس الإفساد فعلاً، ولكنه لا يشعر بقبحه كما يشعر به الآخرون.
ثالثاً: الجمع بين العلم وعدم الشعور (أخطر الحالات النفسية)
قد يعلم الإنسان في أعماقه أن فعله غير صحيح، ولكنه يكرر التبرير والتزييف النفسي حتى تنشأ حالة يسميها علماء النفس "التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance). ولكي يتخلص من التوتر بين ما يفعله وما يؤمن به، يعيد تشكيل قناعاته تدريجياً حتى يصدق الأكاذيب التي صنعها لنفسه.
يمر هذا التحول بثلاث مراحل نفسية:
1. البداية: "أعلم أن هذا خطأ، ولكنني مضطر."
2. الوسط: "ليس خطأً كبيراً، فهناك من يفعل أسوأ من ذلك."
3. النهاية: "بل هذا هو الصواب بعينه وعين الحكمة."
النتيجة: يصبح الشخص عارفاً وجاهلاً في آن واحد؛ يعرف الوقائع المادية، ولكنه فقد البوصلة والقيم الأخلاقية للحكم السليم عليها.
خلاصة تشوه المعيار القيمي
إن أخطر صور الفساد ليست تلك التي يعلم أصحابها أنهم مجرمون فحسب، بل تلك التي يتحول فيها الانحراف إلى "معيار بديل"، فيرى الفاسد:
الفساد إصلاحاً.
المحاباة وفاءً.
استغلال النفوذ حقاً مشروعاً.
وهذا المعنى الأخير هو الأقرب إلى دلالة قوله تعالى: "وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ"؛ أي أن فسادهم حقيقة موضوعية قائمة، ولكن قدرتهم على إدراك هذه الحقيقة قد تعطلت بفعل الأهواء، والتبريرات، والتشوهات النفسية.
من صدمة الوعي إلى شلل "الذهول الشعبي"
ذهول الشارع العراقي:
اليوم، نرى الشارع العراقي يعيش في حالة ذهول صاعق من ضخامة أرقام الفساد وتشعب ملفاته. فماذا بعد الذهول؟ وهل يكفي الذهول وحده في عُرف الشعوب الحية؟
من المؤكد أن الذهول وحده لا يكفي، بل قد يكون في بعض الأحيان أخطر من الفساد نفسه إذا طال أمدُه؛ لأنه يتحول إلى حالة من الشلل الجماعي، والإحباط، واليأس. الصدمة رد فعل طبيعي ونفسي، ولكن المجتمعات لا تتغير بمجرد إدراك حجم الكارثة، وإنما بالانتقال من مرحلة "الوعي بالفساد" إلى مرحلة "العمل المنظم لمواجهته".
المراحل الأربع لحركة المجتمعات:
من منظور علم الاجتماع السياسي، تمر المجتمعات الحية غالباً بأربع مراحل حتمية للتغيير:
1. الذهول واكتشاف حجم الفساد.
2. فهم أسبابه ومراكز نفوذه.
3. تشكيل رأي عام رافض.
4. التحرك السلمي المنظم للإصلاح.
إذا توقف المجتمع عند المرحلة الأولى (الذهول)، فإن هذا الذهول يتحول بمرور الوقت إلى "استسلام وتطبيع مع الفساد"، وينشأ شعور عام مدمر بأن الفساد قدرٌ محتوم لا يمكن تغييره.
أدوات المواجهة السلمية والدستورية في الأنظمة الدستورية
تتعدد وسائل المواجهة السلمية والقانونية المقاومة للفساد، وأبرزها:
1- نشر الوعي الثقافي والقانوني: لتعريف المواطن بحقوقه وواجباته.
2- دعم الصحافة الحرة: باعتبارها السلطة الرابعة الكاشفة لملفات الفساد.
3- مساندة الهيئات الرقابية والقضائية المستقلة: لتحصينها ضد الضغوط السياسية.
4- المطالبة بالشفافية: وإتاحة الوصول إلى المعلومات وحركة الأموال العامة.
5- المشاركة الانتخابية الواعية: والابتعاد عن التخندقات الضيقة لاختيار الأكفأ والأنزه.
6- تفعيل دور منظمات المجتمع المدني: المعنية بالنزاهة والرقابة.
7- استخدام الحقوق الدستورية: كالتعبير والاحتجاج السلمي المنظم تحت مظلة القانون.
خاتمة: الغضب المنظم يصنع التغيير
إن أخطر ما يريده الفاسد ويتمناه هو أن يبقى الناس في حالة دهشة وغضب سلبي فقط؛ لأن الغضب العاطفي وغير المنظم يتبدد ويتلاشى مع الزمن، أما الوعي المنظم فيتحول إلى قوة مؤسساتية قادرة على التغيير.
الذهول من الفساد بداية صحيحة تدل على حيوية المجتمع، ولكنه ليس نهاية المطاف. الواجب اليوم هو تحويل الصدمة إلى معرفة، والمعرفة إلى إرادة جماعية، والإرادة إلى عمل سلمي وقانوني مستمر.
والتجارب التاريخية تؤكد: إن الدول التي نجحت في محاصرة الفساد لم تبدأ من مجتمع ملائكي لا فساد فيه، بل بدأت من لحظة تحويل "الانفعال الشعبي بالصدمة" إلى "بناء مؤسسات وقواعد رقابية صارمة" قادرة على لجم الفساد والمفسدين.
بغداد - 2026
--------
*نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد
- الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه ...
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة
- الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة
- مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية
- القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية ...
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته
- قاضي الحريات في النظام القضائي الفرنسي (نظام المراجعة المزدو ...
- دور الحكومات العراقية المتعاقبة في دعم تحرير وإستقلال الدول ...
- جوهر ومصادر المباديء العامة للقانون
- العدالة الإجرائية واثرها على الرضا العام على السلطات العامة
- النظام العام والآداب العامة
- مبدأ اليقين القانوني وتطبيقاته وأثره في حركة إصلاح الانظمة ا ...
- مدى قانونية مقولة (ان القانون لايحمي المغفلين)


المزيد.....




- حكومة الدنمارك توقف إصدار تصاريح الإقامة للأوكرانيين الخاضعي ...
- بيان خليجي - أميركي يدعو إلى معالجة كل أشكال التهديدات الإير ...
- الإعلام السورية تحدد محظورات جديدة للنشر والإعلام (فيديو)
- شاهد عيان يروي كيف أضرمت قوات أوكرانية النار في كنيسة بداخله ...
- أمين عام الناتو يأسف لشراء بعض دول الحلف أسلحة من خارج المنظ ...
- لقاءات سعودية قطرية عمانية لبحث تداعيات مذكرة التفاهم الأمري ...
- خطة الـ40 يوما.. زيلينسكي يستهدف شريان الطاقة الروسي
- بينها منازل سرية.. تحقيق يكشف عدد مساكن نتنياهو ونفقات الترم ...
- إسرائيل تعلن تصفية 6 أشخاص جنوبي لبنان وحزب الله يصفها بالان ...
- العد التنازلي لليونيفيل.. تباين حول ترتيبات اليوم التالي بجن ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام