فارس حامد عبد الكريم
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 03:00
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
تمهيد
لا يمكن فهم التطور التاريخي للأنظمة القانونية دون التمييز الدقيق بين مرتبتين علميتين في عالم القانون: مرتبة "شارح القانون" ومرتبة "الفقيه القانوني".
ويرتبط هذا التمييز تاريخياً بالصراع المنهجي بين المدرسة اللفظية (الشرح على المتون) والمدرسة التحليلية الفلسفية التي تصيغ النظريات وتستنبط المقاصد.
أولاً: مدرسة الشرح على المتون (السياق التاريخي)
ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر مدرسة فقهية عُرفت بـ مدرسة الشرح على المتون، وقد قامت هذه المدرسة على تقديس النص التشريعي (خاصة تقنين نابليون الصادر عام 1804) واعتباره المصدر الوحيد والكامل للقانون، مع التركيز الصارم على التفسير الحرفي للنصوص والبحث عن الإرادة المفترضة للمشرّع وقت وضع النص.
وقد تعرضت هذه المدرسة لاحقاً لانتقادات واسعة؛ لأنها نظرت إلى القانون نظرة شكلية جامدة، تكتفي بظاهر اللفظ وتغفل المقاصد والأهداف الاجتماعية، الاقتصادية، والإنسانية التي يتغياها القانون كظاهرة ديناميكية متطورة.
ثانياً: الفقه القانوني وفلسفته:
الفقه القانوني (Jurisprudence) هو مجموعة الآراء والتحليلات والبحوث الإبداعية التي يصدرها علماء القانون. وهو يتجاوز رصد الأحكام إلى دراسة ماهية القانون وفلسفته وأسسه، ويعتمد في ذلك على عدة محاور أساسية:
1. المنهج المقارن: يهدف إلى مقارنة النظم القانونية المختلفة (كالقانون اللاتيني والقانون العام) لاستنباط القواعد والمبادئ المشتركة.
2. فلسفة القانون: البحث في جوهر القانون، غايته، ومدى ارتباطه بالعدالة والأخلاق والمنطق.
3. صياغة النظريات: وضع الأطر والمبادئ العامة الكبرى التي تُبنى عليها الأنظمة القانونية (مثل نظرية الحق، نظرية العقد، ونظرية الظروف الطارئة).
4. التفسير التحليلي والتوجيهي:
لا يقتصر الفقه هنا على تفكيك النص، بل يحلله ويقيمه ليوضح مراميه للقضاة والمحامين، ويرشد المشرع نحو الثغرات لتعديلها.
وتتميز طريقة الشرح الفقهي الحديث بمزج النظري بالتطبيقي؛ كما نلمسه في شروحات الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري والأستاذ الدكتور عبد المجيد الحكيم في القانون المدني، والدكتور مالك دوهان الحسن في علم أصول القانون، والدكاترة علي حسين خلف وسلطان الشاوي وواثبة السعدي في قانون العقوبات.
ثالثاً: أوجه الاختلاف بين شارح القانون والفقيه القانوني
1. شارح القانون:
هو الممارس أو الأكاديمي الذي يقتصر عمله على تفسير النصوص القانونية القائمة، وبيان معانيها الظاهرة وكيفية تطبيقها المباشر على الوقائع العملية.
أبرز خصائصه:
أ. التركيز التام على النص القانوني القائم (الوضعي) والالتزام بالتفسير التقليدي والحرفي.
ب. عدم الخوض في فلسفة القانون أو نقد السياسة التشريعية.
ح. السعي لبيان "إرادة المشرّع" الحالية بدلاً من السعي لتطوير القانون مستقبلاً.
د. تمثيله في الواقع: يظهر هذا الدور غالباً لدى كثير من الممارسين من محامين ومستشارين وموظفين قانونيين، وكذلك لدى المؤلفين الذين يعتمدون أسلوب شرح القوانين "المادة تلو الأخرى".
2. الفقيه القانوني
هو المفكر والباحث الاستراتيجي الذي يتجاوز الحدود الجامدة للشرح التقليدي، ليتعمق في بناء النظريات القانونية، وتحليل فلسفة القانون، ونقد التشريعات القائمة واقتراح البدائل.
أبرز خصائصه:
أ. البحث الدائب عن "روح القانون" ومقاصده الكبرى لا مجرد ألفاظه.
ب. ابتكار النظريات القانونية وصياغة القواعد الكلية وتطويرها.
ج. التأثير المباشر في حركة التشريع (توجيه المشرع) وفي اتجاهات القضاء (توجيه المحاكم).
د. الربط العضوي بين القانون والواقع الاجتماعي، السياسي، والاقتصادي.
منهجه:الفقيه في هذه المرتبة لا يكتفي بالسؤال: (ماذا يقول النص؟)، بل يتساءل عميقاً: (لماذا وُضع النص؟ وهل ما زال يحقق غايته وعدالته؟ وكيف يمكن تطويره؟).
رابعاً: الفقيه صانع النظريات القانونية (المدارس الفكرية الكبرى)
إن القوانين الإنسانية لم تتطور عبر الشراح التقليديين، بل بفضل فقهاء وفلاسفة أسسوا مدارس ونظريات كبرى صاغت وجه العالم الحديث:
1- مدرسة القانون الطبيعي: ترى أن العدالة تستمد وجودها من مبادئ عقلية وأخلاقية أسمى وثابتة في نظام الكون، وليست مجرد إرادة للحاكم. ومن ابرز روادها: أرسطو، شيشرون، توما الأكويني، جون لوك).
2- مدرسة العقد الاجتماعي:
بحثت في أصل الدولة وشرعية السلطة، معتبرة القانون وليد توافق مجتمعي.
ومن ابرز روادها: توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو).
3- المدرسة الوضعية القانونية:
تفصل بين القانون والأخلاق، وترى أن القانون يستمد قوته وصلاحيته من صدوره عن السلطة المختصة وفق إجراءات شكلية صحيحة.
ومن ابرز روادها: جيرمي بنثام، جون أوستن، هانس كلسن، هيربرت هارت.
4- المدرسة التاريخية والاجتماعية: ربطت القانون بالتطور التاريخي للمجتمعات وباعتباره ظاهرة اجتماعية تنبع من ضمير الجماعة. ومن ابرز روادها: سافيني، إيرنج، وروسكو باوند.
5- مدرسة البحث العلمي الحر ( المختلطة) ، مؤسسها وزعيمها الفقيه الفرنسي "فرنسوا جيني" الذي نادى بضرورة النظر إلى القاعدة القانونية من حيث شكلها وجوهرها معاً.
يرى جيني أن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: عنصر "العلم" (الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية) وعنصر "الفن" أي الصياغة (القالب الفني للنصوص).
خامساً: إسهام الفقه الإسلامي في بناء النظريات القانونية:
لم يكن بناء النظريات القانونية حكراً على الفكر الغربي؛ بل قدم الفقه الإسلامي منظومات سابقة ومتطورة جداً في فلسفة التشريع وأصوله:
1- الإمام جعفر الصادق:
أ. أسهم بشكل استراتيجي في تأصيل قواعد الاستنباط وترسيخ دور العقل في الاجتهاد من خلال تقنين منهجية استنباط الأحكام ومنح "العقل" حجية ومكاناً بارزاً كأحد أدلة استنباط القانون (إلى جانب القرآن والسنة والإجماع). واعتبر العقل أداة لتمييز ملاكات الأحكام (العلل والتشريعات) (1)..
ب. إرساء القواعد الأصولية الكبرى:
يُعزى إليه تأصيل قواعد تشريعية حمائية كبرى، مثل قاعدة "الاستصحاب" (وهي البقاء على اليقين السابق حتى يثبت العكس، وهو المعبر عنه حديثاً بأصل البراءة أو "المتهم بريء حتى تثبت إدانته")، وقواعد "نفي الضرر" و"الفراغ والتجاوز" التي تحمي استقرار المعاملات.
ج. الأبوة الفقهية لأئمة المذاهب:
امتد أثره ليكون أستاذاً لعمالقة الفقه؛ فالإمام أبو حنيفة النعمان لازم الإمام الصادق سنتين وقال مقولته الشهيرة: "لولا السنتان لهلك النعمان".
كما كان الإمام مالك بن أنس يحضر مجلسه ويروي عنه، وهو القائل فيه: "ما رأت عينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خطر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمد فضلاً وعِلماً وورعاً".
2- الإمام الشافعي: واضع علم أصول الفقه بشكل منهجي مدون في كتابه التأسيسي *"الرسالة"*.
3- الأئمة (الجويني والغزالي والشاطبي): تدرجوا في صياغة "نظرية مقاصد الشريعة" ؛ بدءاً من التمهيد لها، مروراً بصياغة الكليات الخمس (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) على يد الغزالي، وصولاً لتكامل النظرية بصورتها النهائية لدى الشاطبي، وتأسيس العز بن عبد السلام لفكرة الموازنة بين المصالح والمفاسد.
4- ابن خلدون: الذي درس القانون والتشريع بوصفهما ظاهرة اجتماعية وثيقة الارتباط بالعمران البشري وطبيعة الدولة.
5- مجلة الأحكام العدلية: التي تمثل إعجازاً تقنينياً، حيث حوّلت الفقه المذهبي السائل إلى مواد قانونية موضوعية ومبوبة، أثرت بشكل مباشر في صياغة القوانين المدنية العربية الحديثة.
سادساً: قمم الفقه القانوني المعاصر (السنهوري والصدر)
تجلى الفقه القانوني في أبهى صوره التجديدية في العصر الحديث عبر قمتين شامختين:
1. الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895–1971)
يُعد "عميد الفقه القانوني العربي الحديث" حيث
أ. نجح في الجمع بين فلسفة الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الغربية الحديثة.
ب. صاغ أهم القوانين المدنية العربية (المصري، العراقي، السوري، الليبي).
ترك موسوعته التاريخية "الوسيط في شرح القانون المدني" كمرجع لا غنى عنه.
ب. طور نظريات الحق والالتزام والعقد برؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
2. السيد محمد باقر الصدر (1935–1980)
يُعد من أبرز المفكرين والمجددين في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة. حيث ابدع في
أ. تجاوز الاستنباط الفردي والتقليدي إلى بناء "نظريات نسقية متكاملة"، فتجلى ذلك في صياغة نظرية اقتصادية كبرى في كتابه "اقتصادنا"، ورؤية فلسفية للنظام الاجتماعي في "فلسفتنا".
ب.
طور مباحث علم أصول الفقه وعمّق مناهج التحليل العقلي والمنطقي فيه، رابطاً التشريع بمتطلبات التطور ومفهوم العدالة الاجتماعية.
وعلى النحو المتقدم مثّل السنهوري قمة التطور في الفقه القانوني الوضعي العربي، بينما مثّل محمد باقر الصدر قمة التجديد في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة.
الخاتمة
إن شارح القانون مفسرٌ ومبينٌ للأحكام يقف عند حدود اللفظ وصناعة التطبيق، أما الفقيه القانوني فهو مبتكرٌ ومطورٌ يبحث في الفلسفة والمقاصد.
فكل فقيه قادر على شرح القانون، ولكن ليس كل شارح للقانون فقيهاً لأن الفقه مرتبة معرفية عميقة تتجاوز الوصف والتفسير إلى الإبداع وبناء النظريات.
وأمام تعقد العلاقات الإنسانية وتطور المجتمعات، تبرز الحاجة الملحة دوماً للفقهاء القادرين على استلهام روح القانون، بدلاً من الانكفاء تحت عباءة النصوص الحرفية الجامدة.
-------
(1)ملاكات الأحكام (جمع مَلاك) مصطلح يُقصد به في الفقه وأصول الفقه المصالح والمفاسد الكامنة وراء الأحكام الشرعية، أو السبب والحكمة، و"المناط" الذي يدور حوله الحكم.
#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟