أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - فارس حامد عبد الكريم - الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟














المزيد.....

الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 12:24
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تتناقل بعض الحكايات الفلكلورية قصةً عن أميرة فقدت حبيبها، فغرقت في حزن عميق.
وكان في قصرها حوض مرصود تقول الأسطورة إنه لا يمتلئ إلا بدموع الوفاء والحب الصادق.
تقول الاسطورة ان الأميرة المكلومة بفقد حبيبها قد توسلت آلهة الحب ان تعيد لها حبيبها المفقود فأشترطت الألهة عليها ان تملأ الحوض المرصود بدموع الحب والوفاء والاشتياق حتى يعود الحبيب وتعود الحياة جميلة كسابق عهدها.
جلست الأميرة تبكي عند الحوض أياماً وليالي طويلة، تذرف الدموع وتستنزف قواها أملاً في أن يمتلئ الحوض.
ومع مرور الزمن أنهكها التعب، ولم يبقَ على امتلاء الحوض إلا القليل.
وحين أنهكها السهر والتعب وغلبها النعاس، طلبت من خادمتها أن تجلس مكانها ريثما تستعيد بعض قوتها. وجلست الخادمة عند الحوض، ولسببٍ ما أخذت تبكي هي الأخرى حتى فاض الحوض أخيراً.
وتضيف الأسطورة أن الحبيب عاد بالفعل، لكنه وقع في حب الخادمة هذه المرة، لأنها كانت حاضرة عند لحظة اكتمال الحوض وفيضانه.
غير أن المفارقة في القصة ان الحبيب المفقود وباقي الناس وهم يرون الخادمة وهي تضع اللمسة الأخيرة، ظنوا أنها صاحبة الفضل في امتلاء الحوض، متناسين أن الحوض لم يمتلئ بدموعها وحدها، بل بسنوات من الألم والدموع التي سبقتها.
هذه الحكاية، بصرف النظر عن صحتها التاريخية، تحمل دلالة رمزية عميقة يمكن إسقاطها على كثير من جوانب الحياة، ولا سيما في مجال الإدارة والقيادة المؤسسية.
ففي الإدارة كثيراً ما نشهد ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة الحوض المرصود”.
إذ قد يتولى مسؤول أو مدير وضع الخطط، وبناء الأنظمة، وإعداد الكوادر، ومعالجة المشكلات المتراكمة، وتحمل النقد والصعوبات خلال سنوات طويلة. ثم يغادر موقعه بسبب النقل أو التقاعد أو انتهاء المدة القانونية، قبل أن تظهر نتائج جهوده إلى العلن.
ويأتي بعده مسؤول آخر يجد المؤسسة وقد اكتملت فيها معظم مقومات النجاح، فتظهر النتائج الإيجابية خلال فترة إدارته، فينسب إليه الناس الفضل كله، ويحصل على الثناء والتكريم والمكافآت، رغم أن جانباً كبيراً من ذلك النجاح هو ثمرة جهود من سبقوه.
وقد عايشت بنفسي مثالاً واضحاً لهذه الظاهرة. فقد تولت إدارة إحدى المدارس الثانوية مديرة كفوءة وضعت برنامجاً تعليمياً متكاملاً بدأ منذ الصف الرابع الإعدادي، شمل المتابعة الدقيقة والدروس التقوية ورفع مستوى الطالبات العلمي. واستمرت هذه الجهود لسنوات حتى أصبحت المدرسة تمتلك قاعدة علمية رصينة. إلا أن المديرة نُقلت من المدرسة قبل ظهور النتائج النهائية، وجاءت مديرة أخرى تولت الإدارة في المرحلة الأخيرة.
وعندما أعلنت نتائج الدراسة الإعدادية (البكالوريا)، حققت المدرسة تفوقاً استثنائياً، وقُبل عدد كبير من الطالبات في كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من التخصصات المرموقة، وهو إنجاز لم تشهده المدينة من قبل بهذا الحجم. فحظيت المديرة الجديدة بالتكريم والإشادة الرسمية، في حين أن جانباً كبيراً من أسباب النجاح كان قد صُنع في عهد سابقتها.
إن هذه الظاهرة لا تقتصر على قطاع التعليم، بل نجدها في مؤسسات الدولة كافة، وفي المشاريع الاقتصادية والإصلاحية والإدارية والتعليمية. فكم من شخص زرع ولم يحصد، وكم من شخص حصد ما لم يزرعه وحده.
ومن هنا فإن العدالة في تقييم الأداء الإداري تقتضي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النتائج النهائية فقط، بل دراسة المراحل التي سبقتها، ومعرفة من وضع الأسس، ومن هيأ الظروف، ومن تحمل أعباء البناء الأول. فالإنجاز الحقيقي لا تصنعه اللحظة الأخيرة وحدها، وإنما تصنعه سلسلة طويلة من الجهود المتراكمة.
ولعل الحكمة التي يمكن استخلاصها من قصة الحوض المرصود هي أن القطرة الأخيرة التي جعلت الحوض يفيض ليست أهم من آلاف القطرات التي سبقتها. وكذلك في الإدارة، فإن ظهور النتيجة في عهد مسؤول معين لا يعني بالضرورة أنه صاحب الفضل الوحيد فيها.
خاتمة
التاريخ ينصف أحياناً من حصد، لكنه لا ينصف دائماً من زرع إن الإنصاف لا يقتضي أن نبحث فقط عمّن أعلن النجاح، بل عمّن صنع أسبابه. فكم من يدٍ غرست الشجرة ولم تجلس في ظلها، وكم من عقلٍ وضع الخطة ولم يشهد ثمارها، وكم من قائدٍ ملأ الحوض قطرةً قطرة حتى إذا أوشك أن يفيض غادر المكان، فجاء غيره فنُسب إليه الفضل كله.
لذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الإنجازات بعين التاريخ لا بعين اللحظة، وأن نمنح كل ذي فضلٍ فضله، فالأمم والمؤسسات لا تُبنى بالقطرة الأخيرة وحدها، بل بمجموع القطرات التي سبقتها.
بغداد في 2026/6/6
...
*نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة
- الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة
- مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية
- القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية ...
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته
- قاضي الحريات في النظام القضائي الفرنسي (نظام المراجعة المزدو ...
- دور الحكومات العراقية المتعاقبة في دعم تحرير وإستقلال الدول ...
- جوهر ومصادر المباديء العامة للقانون
- العدالة الإجرائية واثرها على الرضا العام على السلطات العامة
- النظام العام والآداب العامة
- مبدأ اليقين القانوني وتطبيقاته وأثره في حركة إصلاح الانظمة ا ...
- مدى قانونية مقولة (ان القانون لايحمي المغفلين)
- قاعدة -واضعوا التشريع ليسوا حجة في تفسيره-
- گابريل گارسيا ماركيز وتراجيديا السلطة
- الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة
- التاريخ الفكري للمحاماة


المزيد.....




- وول ستريت تغلق على انخفاض حاد مع تراجع أسهم شركات الرقائق
- تونس.. التضخم عند مستوى 5.5% للشهر الثاني
- السيارات الكهربائية الصينية تغزو العالم.. هل تتحول بكين من ا ...
- التجربة الصينية: كيف تحولت الشعارات الوطنية إلى معجزة اقتصاد ...
- أسهم الذكاء الاصطناعي تهبط بناسداك 4%
- واشنطن تلمح إلى إعفاءات انتقائية لواردات النفط الروسي
- الذهب يزيح السندات الأمريكية عن عرش الاحتياطيات العالمية وسط ...
- بلد النفط والمعادن.. لماذا يعيش أغلب النيجيريين تحت خط الفقر ...
- بريكس تقترب من إطلاق رمز تسوية مدعوم بالذهب لتقليص الاعتماد ...
- عون: ولي العهد السعودي وعد بإعادة فتح أسواق المملكة لصادرات ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - فارس حامد عبد الكريم - الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟