أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد














المزيد.....

الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 07:50
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


اكتناز الأموال، هو حفظ السيولة النقدية وتجميدها بعيداً عن التداول والاسـتثمار (سواء في المنازل أو الخزائن المغلقة)
ويعد أحد الظواهر التي تؤثر عميقاً في بنية الاقتصاد، وتنعكس سلباً على حركة المال في دورتها الطبيعية.
اخطر صور الاكتناز:
إن أخطر صور الاكتناز ليست تلك الناتجة عن الادخار المشروع، وإنما اكتناز الأموال المتحصلة من الفساد المالي والإداري.
فالفاسد غالبًا لا يستطيع توظيف أمواله بصورة طبيعية خشية انكشاف مصدرها غير المشروع، فيلجأ إلى إخفائها أو تهريبها أو تجميدها خارج الدورة الاقتصادية.
وهنا يتحقق الأثر التدميري المزدوج؛ فالفساد يستنزف المال العام ويحرمه من أغراضه التنموية، ثم يأتي الاكتناز ليمنع تلك الأموال من العودة إلى الاقتصاد الوطني والاستثمار المنتج، فتتضاعف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية
آثار هذه الظاهرة على مستوى الفرد والمجتمع:
أولاً: الأثر الاقتصادي على الفرد بصورة عامة (الاكتناز في المنازل)
على الرغم من أن المكتنز يظن أنه يحقق الأمان المالي، إلا أن النتيجة الواقعية على المدى المتوسط والطويل تكون مغايرة، وكما ياتي:
1. تآكل القيمة الشرائية (التضخم):
المال المجمد لا ينمو، وفي المقابل ترتفع أسعار السلع والخدمات بمرور الوقت، هذا يعني أن القدرة الشرائية للمبلغ المكتنز تقل تدريجياً؛ فالألف دينار اليوم لن تشتري نفس السلع بعد سنوات.
2. ضياع فرص النماء (تكلفة الفرصة البديلة):
حرمان الذات من عوائد الاستثمار الحقيقي (العقاري، الصناعي، أو التجاري) أو حتى الاستثمار الآمن، فالفرد يخسر هنا "الأرباح المركبة" التي كان يمكن أن تسهم في تحسين مستواه المعيشي.
3. الجمود التنموي لثروة الأسرة:
تجميد النقد يمنع الفرد من تطوير مهاراته أو توسيع أعماله أو تأمين أصول إنتاجية مستدامة لعائلته، مما يجعل ثروته "ثروة ميتة" لا تلد مالاً جديداً.
ثانياً: أثر الإكتناز على المواطن البسيط (المستهلك والعامل)
المواطن الذي لا يملك ترف الاكتناز ويعتمد على دخله اليومي أو الشهري هو الضحية الأولى لثقافة الاكتناز المجتمعي، ويظهر ذلك في تفاصيل حياته اليومية:
1. شح فرص العمل وانخفاض الأجور:
عندما يكتنز الأثرياء أو الطبقة المتوسطة أموالهم، تتقلص السيولة المتاحة لتأسيس مشاريع جديدة (مصانع، متاجر، شركات مقاولات). هذا الانكماش يعني فرصة عمل أقل للمواطن البسيط، ويجعل سوق العمل راكداً، مما يمنح أصحاب العمل قدرة على خفض الأجور أو إبقائها منخفضة لزيادة المعروض من العمالة مقابل قلة الطلب.
2. صعوبة الحصول على التمويل الشخصي: المصارف لا تقرض من أموالها الخاصة، بل تعيد إقراض ودائع المواطنين. غياب الودائع بسبب الاكتناز المنزلي يجعل المصارف ترفع كلفة الإقراض (أسعار الفائدة)، بالنتيجة، يجد المواطن البسيط صعوبة بالغة في الحصول على قرض ميسر لشراء مسكن، أو بدء مشروع صغير، أو تغطية مصاريف التعليم والعلاج.
3. ارتفاع تكاليف المعيشة (مفارقة الركود التضخمي):
في بعض الحالات، يؤدي نقص السيولة المتداولة إلى لجوء الدولة لطرق بديلة لتمويل موازنتها، مثل زيادة الضرائب غير المباشرة أو الرسوم على الخدمات التي تمس المواطن البسيط مباشرة، مما يثقل كاهله المعيشي.
ثالثا: الأثر الاقتصادي على المجتمع والدولة:
المال في علم الاقتصاد يمثل "الدماء" التي تغذي شرايين السوق. إن حبس هذا النقد يؤدي إلى شبه شلل في الدورة الاقتصادية:
1. انكماش السيولة وتراجع القوة الشرائية:
عندما تخرج كميات هائلة من النقد خارج التداول، يقل حجم الطلب الفعال في السوق. هذا الانكماش يدفع التجار والمصانع إلى تقليص إنتاجهم بسبب تراجع المبيعات.
2. تعطيل المشاريع التنموية وزيادة البطالة:
يعتمد الاقتصاد الحديث على تحول المدخرات إلى استثمارات عبر القنوات الرسمية (المصارف، البورصة، الصناديق الاستثمارية). الاكتناز يحرم المشاريع الناشئة والشركات القائمة من التمويل اللازم للتوسع، مما يتسبب في ركود قطاع الأعمال وتراجع فرص العمل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.
3. إعاقة السياسة النقدية للدولة:
تواجه البنوك المركزية صعوبة بالغة في إدارة الكتلة النقدية وتوجيه الاقتصاد (عبر أدوات مثل أسعار الفائدة) إذا كانت هناك نسبة كبيرة من الأموال تتحرك في "اقتصاد الظل" أو مخبأة تماماً خارج النظام المصرفي والرقابي.
4. تراجع معدلات النمو الاقتصادي:
ينخفض الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لتباطؤ حركة البيع والشراء والاستثمار، مما يجعل المجتمع في حالة ركود مستمر بدل التنمية والازدهار.
5. تعميق الفجوة الطبقية والاضطراب الاجتماعي: عندما يتركز المال الكثيف في خزائن مغلقة دون إعادة تدويره في شرايين المجتمع كأجور واستثمارات، تزداد الفجوة بين الطبقات ثراءً وفقراً. هذا الخلل يضعف "التماسك الاجتماعي" ويزيد من معدلات الجريمة، والسرقة، والشعور بالإحباط العام، خاصة بين فئة الشباب التي تعجز عن دخول سوق العمل.
خلاصة:
في الفكر الاقتصادي والاجتماعي، المال وسيلة للتبادل وأداة للإنتاج وليس غاية في ذاته. لذلك، فإن تحويله من "رأس مال عامل" إلى "نقد مكتنز" يمثل هدراً لفرص التقدم، ويحول الثروة من عامل بناء وتنمية إلى أداة لتعطيل الطاقات البشرية والاقتصادية.
فضلاً عن إن الأموال المتأتية من الفساد لا تكتفي بإفقار الدولة عند الاستيلاء عليها، بل تستمر في إفقار المجتمع عندما تُكتنز أو تُهرَّب خارج الدورة الاقتصادية، فهي تضرب الاقتصاد مرتين: الأولى بسرقة الموارد العامة، والثانية بحرمان السوق من السيولة والاستثمار وفرص العمل.
ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست مجرد استرداد للأموال المنهوبة، وإنما هي أيضًا إعادة تلك الأموال إلى الدورة الاقتصادية المنتجة، بما يحقق التنمية ويعزز العدالة الاجتماعية ويعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
بغداد - 2026
----
*نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد
- الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه ...
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة
- الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة
- مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية
- القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية ...
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته
- قاضي الحريات في النظام القضائي الفرنسي (نظام المراجعة المزدو ...
- دور الحكومات العراقية المتعاقبة في دعم تحرير وإستقلال الدول ...
- جوهر ومصادر المباديء العامة للقانون
- العدالة الإجرائية واثرها على الرضا العام على السلطات العامة
- النظام العام والآداب العامة


المزيد.....




- مبادرة أمريكية جديدة لتوحيد السلطة في ليبيا، هل تنجح هذه الم ...
- 4 أطعمة قد تكون أكثر فائدة عند تجميدها أو تعليبها
- موسكو تعتبر تفجير موناكو إشارة تحذيرية لأوروبا حول أخلاقيات ...
- الصين ترسل دورية جديدة لخفر السواحل شرق تايوان
- بريطانيا: آندي بورنهام يستبعد انتخابات مبكرة ويتعهد بمواصلة ...
- 12 مصابا بهجمات مستوطنين وتوسع استيطاني جديد في الضفة الغربي ...
- تشييع شعبي حاشد لخامنئي في اليوم الثاني من جنازته
- ترمب يفتتح احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا بمهاجمة ال ...
- شاهد.. ترامب يخرج عن النص أثناء قراءة قصة للأطفال
- يورغن كلوب مدرباً لمنتخب ألمانيا.. شراكةٌ طال انتظارها!


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد