أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-















المزيد.....

المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 00:13
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


لم يعد الفساد في الفكر القانوني الحديث مجرد جريمة مالية أو إدارية، وإنما أصبح ظاهرة إجرامية مركبة تهدد الدولة في مؤسساتها، والاقتصاد في موارده، والمجتمع في قيمه، وتقوض الثقة بسيادة القانون، ومن ثم، فإن مكافحته لم تعد تقتصر على تجريم الأفعال وفرض العقوبات، بل أصبحت تقوم على منظومة متكاملة من المبادئ القانونية والمؤسسية والمجتمعية، يمكن إجمال أهمها فيما يأتي:
أولاً: مبدأ خصوصية ظاهرة الفساد
يختلف الفساد عن الجرائم التقليدية في طبيعته ومرتكبيه ووسائل ارتكابه وآثاره.
فهو غالباً ما يرتكب من خلال إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ، ويتسم بالسرية والتعقيد وصعوبة الإثبات، الأمر الذي يقتضي قواعد قانونية وإجراءات وقواعد إثبات تتناسب مع هذه الخصوصية.

ثانياً: مبدأ خصوصية القواعد القانونية والإجراءات
إن خصوصية جرائم الفساد تبرر اعتماد قواعد وإجراءات قانونية متخصصة تكفل كشف هذه الجرائم والتحقيق فيها واسترداد الأموال المتحصلة منها، مع المحافظة على الضمانات الدستورية وحقوق الإنسان. فالعدالة لا تتحقق بالمساواة بين أوضاع مختلفة، وإنما بمعاملة كل ظاهرة قانونية بما يلائم طبيعتها.

ثالثاً: مبدأ الوقاية قبل العقاب
إن السياسة الناجحة في مكافحة الفساد لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ بمنع وقوعها من خلال تعزيز الشفافية، وإدارة مخاطر الفساد، وكشف تضارب المصالح، ونشر ثقافة النزاهة، وتطوير التشريعات والإجراءات. فالوقاية هي الخط الأول للدفاع عن المال العام.

رابعاً: مبدأ الإرادة السياسية
تثبت التجارب الدولية أن مكافحة الفساد تبدأ بإرادة سياسية صادقة تجعل سيادة القانون فوق جميع الاعتبارات، وتوفر الدعم الحقيقي للمؤسسات المختصة، وتمتنع عن حماية الفاسدين أو التدخل في أعمال جهات مكافحة الفساد. فالإرادة السياسية ليست شعاراً، بل التزام عملي دائم تتبناه الدولة بمؤسساتها كافة.

خامساً: مبدأ الوعي المجتمعي
لا تستطيع الدولة، مهما امتلكت من أجهزة رقابية وقضائية، أن تكافح الفساد وحدها، فوعي المجتمع بخطورة الفساد، ورفضه له، واستعداده للإبلاغ عنه، وتمسكه بقيم النزاهة، يمثل أحد أهم عوامل نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.
وإن أخطر مراحل الفساد ليست عندما ينتشر، وإنما عندما يتقبله المجتمع بوصفه أمراً طبيعياً، أو وسيلة معتادة لإنجاز المصالح، فعندئذ يتحول الفساد من مخالفة للقانون إلى ثقافة اجتماعية، ويصبح القضاء عليه أكثر صعوبة.

سادساً: مبدأ استقلال جهة مكافحة الفساد
إن استقلال جهة مكافحة الفساد ليس امتيازاً مؤسسياً، وإنما ضمانة لحماية المجتمع وسيادة القانون، بما يكفل ممارسة اختصاصاتها بعيدًا عن الضغوط أو التدخلات، مع خضوعها في الوقت ذاته للرقابة الدستورية والقضائية والبرلمانية.

سابعاً: مبدأ الشراكة الوطنية
إن مكافحة الفساد ليست مسؤولية هيئة النزاهة أو القضاء أو أجهزة الرقابة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتحملها السلطات العامة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمواطنون، كل في حدود اختصاصه ومسؤوليته.

ثامناً: مبدأ استرداد الأموال العامة
لا تكتمل العدالة بمعاقبة الفاسد وحده، وإنما تكتمل باسترداد الأموال العامة والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد، لأن المال العام هو ملك المجتمع بأسره، واسترداده يعيد للدولة جزءًا من حقوقها ويعزز ثقة المواطنين بسيادة القانون.

تاسعاً: مبدأ التطوير والابتكار في وسائل مكافحة الفساد
تتطور أساليب الفساد باستمرار، مستفيدة من التطور المالي والإداري والتقني، ولذلك يجب أن تتطور وسائل مكافحته بالقدر نفسه، من خلال ابتكار أدوات قانونية ومؤسسية جديدة، ما دامت منسجمة مع الدستور وتحترم الحقوق والحريات، فالتشريع الذي لا يواكب تطور الفساد محكوم عليه بفقدان فاعليته.

عاشراً: مبدأ المسؤولية القيادية عن الفساد المؤسسي
لا يقتصر الفساد على الأفعال الفردية، بل قد يكون نتيجة لخلل مؤسسي يتمثل في ضعف الرقابة، أو سوء الإدارة، أو التغاضي عن المخالفات، أو عدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوعها.
ومن ثم، فإن مكافحة الفساد لا تكتمل بمساءلة المنفذ المباشر وحده، وإنما تمتد إلى مساءلة القيادات الإدارية التي يثبت تقصيرها في أداء واجباتها القانونية في الوقاية من الفساد أو الحد منه.
ولا تقوم هذه المسؤولية على مجرد وقوع الفساد داخل المؤسسة، وإنما تستند إلى ثبوت الإهمال الجسيم أو التقصير أو الامتناع عن اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون لمنع الفساد أو كشفه أو الإبلاغ عنه.
ويهدف هذا المبدأ إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية القيادية، وتحويل مكافحة الفساد من مسؤولية الأجهزة الرقابية وحدها إلى مسؤولية كل من يتولى إدارة مرفق عام أو الإشراف عليه، بما يعزز الرقابة الداخلية ويمنع تحول الفساد إلى ظاهرة مؤسسية.

حادي عشر: مبدأ التوازن بين فعالية مكافحة الفساد وصون الحقوق والحريات
إن خصوصية جرائم الفساد تبرر اعتماد وسائل قانونية وإجرائية متخصصة، إلا أن هذه الخصوصية لا تبرر الانتقاص من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، ولا المساس بضمانات العدالة أو حقوق الدفاع أو قرينة البراءة.
ومن ثم، فإن فعالية مكافحة الفساد لا تتحقق بتوسيع السلطات على نحو مطلق، وإنما بإيجاد توازن دقيق بين تمكين الجهات المختصة من أداء واجباتها بكفاءة، وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد وخضوع جميع الإجراءات لرقابة القضاء وسيادة القانون.
فسيادة القانون لا تحمي المجتمع من الفساد فحسب، وإنما تحميه أيضًا من التعسف في مكافحته، لأن العدالة لا تكتمل إلا إذا كانت الوسائل مشروعة بقدر مشروعية الغايات.

ثاني عشر : مبدأ التطور المستمر لقانون مكافحة الفساد
إن مكافحة الفساد ليست تشريعاً يُسن مرة واحدة، وإنما عملية تطوير مستمرة تواكب تطور أساليب الفساد.
ثالث عشر: مبدأ النزاهة بوصفها قيمة حضارية
إن الغاية النهائية لمكافحة الفساد ليست كثرة القضايا ولا تشديد العقوبات، وإنما بناء دولة تكون فيها النزاهة جزءاً من ثقافة المجتمع، وأساساً لممارسة السلطة، ومعياراً للإدارة الرشيدة، بحيث تصبح حماية المال العام واحترام القانون سلوكاً تلقائياً نابعاً من الضمير قبل أن يكون استجابة لسلطان العقوبة.
خاتمة
إن مكافحة الفساد تبدأ بإرادةٍ سياسيةٍ صادقة، لكنها لا تكتمل إلا بضميرٍ مجتمعيٍ حي؛ فهي لا تبدأ في قاعة المحكمة، بل تبدأ في ضمير الإنسان، ثم تتجسد في مؤسسات الدولة، وتترسخ بسيادة القانون.
-------
*نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد
- الفرق بين شارح القانون والفقيه القانوني (نظرة في الفرق بين ا ...
- انتصار النزاهة ودحر الفساد
- الإدارات العامة والحوض المرصود: من يملأ الحوض ومن ينسب إليه ...
- الأمانة المادية والأمانة المعنوية -نظرة أخلاقية وشرعية وقانو ...
- مشكول الذمة
- الفرق بين الإدارة السهلة والإدارة المعقدة
- مدى إمكان التوسع في التفسير والقياس في النصوص الجزائية
- القائد والسياسي والموظف: دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية ...
- الخيانة من وجهة نظر الطاغية والشاعر
- خرافة الدكتاتور العادل بين السياسة والقانون والأدب
- دستور الضمير واثره في القانون والفلسفة والأدب
- علم القانون وفلسفته
- قاضي الحريات في النظام القضائي الفرنسي (نظام المراجعة المزدو ...
- دور الحكومات العراقية المتعاقبة في دعم تحرير وإستقلال الدول ...
- جوهر ومصادر المباديء العامة للقانون
- العدالة الإجرائية واثرها على الرضا العام على السلطات العامة
- النظام العام والآداب العامة
- مبدأ اليقين القانوني وتطبيقاته وأثره في حركة إصلاح الانظمة ا ...


المزيد.....




- تفاصيل جديدة حول الموعد والمكان المتوقعين لزفاف تايلور سويفت ...
- حدث مذهل.. شاهد عاصفة برد تحول شوارع أمريكية إلى أنهار جليدي ...
- أجبرت بوتين على الاعتراف.. كيف تحولت أوكرانيا من -ضحية- إلى ...
- إيران تشترط الوفاء بخمسة بنود لتنفيذ اتفاقها مع أمريكا.. ما ...
- ترامب يعلن تقدما ملموسا في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
- ست طرق لتشجيع الأطفال على تناول الخضروات
- تراجع الثقة بين أوروبا وأمريكا يفتح مرحلة جيوسياسية جديدة
- قبيل انطلاق مراسم تشييع خامنئي.. إيران تعفو عن 850 سجينا
- الحكومة الألمانية: منشور ميرتس المثير للجدل حول المنتخب الأل ...
- فاينانشال تايمز: برلين تكثف جهودها لتطوير قدرات صاروخية بعيد ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-