أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا














المزيد.....

بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 09:34
المحور: القضية الفلسطينية
    


التقيت بصديق لم أره منذ سنوات طويلة. فرّقت بيننا ظروف الحياة، ثم جاءت الحرب لتفرّق ما تبقى من المدن والوجوه والذكريات.
جلسنا نتحدث طويلًا... عن البيوت التي تحولت إلى ركام، وعن الأحبة الذين رحلوا، وعن الأقارب الذين غابوا تحت الأنقاض، وعن النزوح الذي سلب الإنسان عنوانه وكرامته وطمأنينته.
حدثني عن منزله الذي قصف، وعن سيارة ابنه التي احترقت، وعن مرضه ومرض زوجته، وعن سنوات ثقيلة لا تشبه العمر، بل تشبه الانتظار.
كنت أظن أن هذه هي أكبر أوجاعه...
لكنني كنت مخطئًا.
وحين افترقنا، كنا نسير في شارع ترابي بين الخيام. فجأة سكت قليلًا، ثم قال بصوت مكسور، وكأن الكلمات تخرج من قلب مذبوح:
"يا صديقي... عندي أولاد شباب، لكن أكثر شيء قاتلني وذبحني هو بنتي... أنهت الثانوية العامة، وهي جميلة ومؤدبة، ومنذ ثلاث سنوات لم تغادر الخيمة إلا للضرورة. نحن نعيش في عزلة، لا أقارب يزوروننا، ولا أحد يعرفنا في مكان النزوح. بنات عمها تزوجن، وهي تراهن واحدة بعد أخرى، ولم يطرق بابنا أحد... إذا سمعت عن شاب يبحث عن بنت للزواج... بالله عليك دلّه على بنتي."
والله... لم أجد جوابًا.
شعرت أن الحرب لم تكتفِ بقتل الناس، بل صارت تقتل الأحلام بصمت.
هناك بنات فلسطينيات كثيرات لا ينقصهن جمال، ولا أخلاق، ولا علم، ولا أصل طيب... لكن الحرب حبستهن داخل الخيام، وقطعت صلة الأرحام، وفرّقت العائلات، وأغلقت أبواب التعارف، حتى أصبح الزواج نفسه ضحية من ضحايا الإبادة.
كم من أب ينام كل ليلة وقلبه يحترق لأنه يرى ابنته تكبر، ولا يستطيع أن يحقق لها أبسط حق من حقوق الحياة؟
كم من أم تخفي دموعها وهي ترى فستان العرس يتحول إلى حلم بعيد؟
وكم من فتاة تكتم وجعها حتى لا تزيد همّ والديها؟
في مجتمعنا كان الناس يقولون: "دور لبنتك قبل ما تدور لابنك."
لم يكن هذا المثل انتقاصًا من شأن الأبناء، بل لأنه يعرف مقدار الألم الذي يحمله الأب حين يخشى أن تبقى ابنته وحيدة بسبب ظروف لا يد لها فيها.
واليوم... لم تعد المشكلة في رفض أو قبول، ولا في المهور، ولا في التجهيزات.
المشكلة أن الحرب حبست المجتمع كله داخل خيام متباعدة، وقطعت الطرق بين الناس، وأغلقت أبواب البيوت، حتى أصبحت آلاف الفتيات مجهولات بالنسبة لمن يبحث عن زوجة صالحة، رغم أنهن يملكن كل صفات الخير.
هذه ليست قضية أسرة واحدة...
إنها قضية مجتمع كامل.
قضية جيل من البنات يدفع ثمن حرب لم يخترها.
جيل يخشى أن تسرق منه السنوات كما سرقت الحرب البيوت والأعمار.
إن إنقاذ المجتمع لا يكون بإعادة بناء الحجر فقط، بل بإعادة بناء العلاقات الإنسانية، ولمّ شمل العائلات، وفتح أبواب التواصل الشريف، وتيسير الزواج، والوقوف إلى جانب الأسر التي عزلتها الحرب عن محيطها.
لأن الخيمة لا ينبغي أن تتحول إلى سجن للأحلام.
ولأن بناتنا لا يستحققن أن يعاقبن مرتين...
مرة بالحرب...
ومرة بصمت المجتمع.
وما زالت كلمات ذلك الأب تطاردني حتى هذه اللحظة...
لم يكن يطلب مالًا، ولا بيتًا، ولا وظيفة.
كان يطلب أملًا...
وكان يبحث لابنته عن مستقبل، قبل أن تسرقه سنوات الحرب.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟
- تفريغات 2005… الرئيس أبو مازن أمام اختبار الوفاء وإنصاف المن ...
- بسام زكارنة وخطاب الإقصاء… لا شرعية لمن يسيء لقاعدة فتح
- الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار ...
- حين لا يشفع التاريخ.... كيف خسر عباس زكي معركة المركزية؟
- فتح لا تُهزم من الخارج… بل حين يتحول بعض أبنائها إلى سكاكين ...
- “فتح الأم” في مواجهة “فتح الرِّدة”… معركة الهوية داخل الحركة
- زلزالٌ تنظيمي يهزّ المركزية… وفتح تدخل مرحلةً جديدة
- المؤتمر الثامن بين رهبة المرحلة… وامتحان استعادة الروح التنظ ...
- قصيدة “ليس المؤتمرُ مقاعد… بل اختبارُ رجال
- دقّت طبولُ الانتخابات… فكونوا على قلبِ رجلٍ واحد
- حذارِ من غضب غزة… هنا تُصنع الثورة ويُمتحن الرجال


المزيد.....




- -لا وقود ولا أسلحة-.. مسيَّرات أوكرانية جديدة تشلّ خطوط إمدا ...
- لماذا تجدد القتال في لبنان رغم وقف إطلاق النار مرتين هذا الش ...
- شاهد كميات ضخمة من الكوكايين ضبطتها السلطات الكولومبية قبل ت ...
- شاهد النيران وهي تلتهم منتجعا فاخرا في الدومينيكان وتجبر 170 ...
- ترامب يوقع على لوحة في الطائرة الرئاسية الجديدة المهداة من ق ...
- هل ينجو نتنياهو من الاتفاق الأمريكي الإيراني ومحاكمة الفساد ...
- ترامب يؤكد مجددا -هزيمة إيران عسكريا-
- شاهد.. سقوط عربات قطار من فوق جسر بميونيخ بعد تصادم عنيف يخل ...
- مشاهد تظهر تدمير مستودع للمسيرات الأوكرانية في خاركوف بعد غا ...
- الرئيس البوليفي يعلن حالة الطوارئ بعد أسابيع من الاحتجاجات


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا