أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (25)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (25)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 09:37
المحور: الادب والفن
    


(25)
لم أعد أقارن بين المدن هنا وبين مدننا التي أكلتها الحروب. في سفري الأول بعد عام 2005، جعلتني الدهشة والمقارنة أتألم وأنا أرى مدنًا تختلف عن مدننا: نظيفة، أنيقة، جميلة، مدن بأذرع مفتوحة. أما مدننا هناك فكانت نسوةً أرامل فقدن الأزواج والأولاد، وكل ما تبقى لهن هوية استلام ثمن الترمل. كنت أرى، لسنوات عديدة، طوابير المدن الأرامل أمام مصرف المدينة الوحيد، يقايضن الأرواح ببضعة دراهم لا تكفي ثمن مناديل ورقية تجفف دموعهن.
في سفري التالي، بعد عام، لم أعد أقارن، لأنني لا أريد أن أتألم. أنا أسافر لأستريح من غبار الألم.
قالت: سوسة جميلة، أليس كذلك يا حسوني؟
قلت لها: أشهد بذلك. كيف لا تكون جميلة ونحن هنا في سوقها العتيق المطل على تاريخها الطويل؟
قالت:أتحب التاريخ؟
قلت لها: تاريخ الناس غير المكتوب. لا أحد يكتب في التاريخ عن الناس، بل عن الملوك والأمراء. هل تعرفين كم ألفًا ماتوا ليُبنى هرم يُدفن فيه أحد الفراعنة؟
نظرت إليّ بدهشة، كأنها تقرأ هذا في كتاب وجدته الآن.
قلت: دعينا من التاريخ الآن. نحن في الحاضر، هنا وسط الناس الذين يتباهون بمدنهم الجميلة التي لا تزال تحتفظ بعذرية التاريخ، ولم تفقده تحت أقدام القادمين من خلف البحار البعيدة.
قالت: أتريد شاشية؟
قلت: جميلة هذه الشاشية الحمراء. عندي منها واحدة أرسلتها لي ابنة البحر قبل عشرين عامًا. كانت هدية عيد ميلادي الذي احتفلت به قبلي، لكني سآخذ أخرى، فربما صار رأسي الآن أكبر.
وضعتها على رأسي.
قالت: تونسي أنت، أيها الأسمر.
قلت: يعيّشك.
ضحكت وقالت: ها أنت بدأت تحفظ اللهجة.
كانت أغاني ناظم الغزالي تصدح بين متجر وآخر، مطربهم الجميل:
"حيّك بابا حيّك... ألف رحمة لأبيك... هذوله اللي عذبوني."
قالت: أتحب ناظم الغزالي؟
قلت: لو قُدِّر لي وحكمت العراق، سأضع صورته على عملة النصف دينار.
نظرت إليّ بقوة هذه المرة.
قلت: كي تشتري به قيمرًا وخبزًا حارًا وشايًا ولمسة يد.
قلت: كي يشتروا به الحياة. كلما أراد العراقي لمس يد معشوقته، شهد عليهم وهو يقول:
"يا أم العيون السود ما جوزن، أنا خدك القيمر أنا أتريك منا."
قالت: أنت اليوم ريوكك: قيمر أم خدّي؟
قلت: إي، قيمر وخدك معًا.
قالت: كل هذا الفطور بنصف دينار؟
قلت: نعم، ثمنه باهظ. العروسان صباحية العرس يفطران معًا قيمرًا وخبزًا حارًا وشايًا بالهيل، يطهران جسديهما بقيمر وخبز حار. تبدأ حياتهما بنصف دينار عليه صورة ناظم الغزالي.
نسمع من أحد المحلات الصغيرة صدى أغنية ناظم:
"لابسة الفستان، وقالت لي أنا حلوة، مشيتها ده تمشي برهدنة... لو تحب خادم، خادمها أنا ولا أعوف الدولة وأعوف السلطنة."
قالت: أتسمع هذا؟ تعلمنا لهجتكم منه:
"واكفة بالباب تصرخ يا لطيف، لا أنا مجنونة ولا عقلي خفيف، من ورا التنور تناوشني الرغيف... يا رغيف الحلوة يكفيني سنة."
قالت: تعرف، كأني أسمعها أول مرة.
قلت: تسمعينها لأول مرة ونحن معًا، وفطورنا كان قيمرًا وخبزًا حارًا.
قالت: ولمسة يد وخد.
قلت: نتوقف هنا. أعجبني هذا الذي يطرق على النحاس، يكتب الأسماء وينقش الصور. هذه تحف جميلة.
قالت: حرفة يدوية يتقنها أبناء المدينة العتيقة، كما تتقنون السباحة في دجلة.
من داخل محله المكتظ بالنحاس كان صوت الهادي الجويني، مطرب تونس، يصدح:
"لا موني اللي غاروا مني."
قالت: تعرف هذا المطرب؟
قلت: الهادي الجويني. لدي شريط كاسيت لأغانيه وصلني قبل عدة سنوات، كنت أسمعه مع خصلة شعر تونسية سنواتٍ عدة.
قالت: يا إلهي يا حسوني، كم تعذبت إذن؟
قلت لها: ولمَ العذاب؟ ألم ترسلي لي «لا موني اللي غاروا مني»؟
بدأ النهار ينتصف. مضى يوم كامل لي في تونس التي كانت بعيدة حتى في الأحلام.
قالت: بالحق، طالعت صفحتك ليلة أمس. آخر ما نشرته صورتك في القاهرة. لِمَ لا تنشر وأنت في تونس؟
قلت: أيحق لي أن أعلن للناس هكذا بكل سهولة أنني حققت حلمي؟ لا أخاف الحسد، أخاف العيون. كانت أمي، عندما كنت آخذ درجة عشرة على عشرة في درس الإملاء، تقول لجارتنا: أخذ سبعًا بالإملاء، ثم تعود فتشعل البخور وتعطرني به.
قالت: لِمَ الخوف؟ أنت في سوسة.
قف هنا عند بائع الشاشيات. ابتسم... لا، أبقِ سيجارتك بين أصابعك كما هي، والشاشية على رأسك.
بعد دقيقة، كان حائط صفحتي ينشر:
وصلت تونس.
نظرت إلى الصورة.
إنه أنا، الذي نصفه عراقي، وما تبقى تونسي.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٤)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٣)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢٢)
- يوميات الحرب والحب والخوف (٢١)
- عالم متعدد الأقطاب
- أوربا وتحديات الانسحاب الأمريكي
- ذاكرة زمن الخوف (8)
- ذاكرة زمن الخوف (7)
- ذاكرة زمن الخوف (6)
- ذاكرة زمن الخوف (٥)
- ذاكرة زمن الخوف (٤)
- ذاكرة زمن الخوف (٣)
- ذاكرة زمن الخوف (٢)
- ذاكرة زمن الخوف (١)
- لبنان بين الهدنة والسلام
- مواصفات حاكم العراق
- الإصلاح السياسي
- حربٌ وهدنةٌ وحصار
- اوربا بين الصين وأمريكا
- اوربا بين أمريكا والصين


المزيد.....




- لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته ...
- جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي
- زاخاروفا تفند بالأرقام ادعاءات كتابة نصف رواية -الحرب والسلا ...
- طائرة -سوبرجت 100- تتحول إلى خشبة مسرح لأول مرة في تاريخ روس ...
- فيديو لفنانة مصرية في الشارع يثير الجدل.. والمتضرر يطلب التد ...
- -مدينة الأفكار- الرقمية تنفذ 10 آلاف مبادرة لتطوير العاصمة م ...
- صدور العدد الخامس من مجلة -سينماتيك-.. نافذة نقدية تواكب تحو ...
- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (25)