أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البعبع الذي لا يموت .














المزيد.....

البعبع الذي لا يموت .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 15:59
المحور: قضايا ثقافية
    


من أعجب ما في هذا الشرق أن الوحش الذي يهدد بابتلاع الجميع لا يبتلع أحداً منذ عقود، وأن الشبح الذي يملأ الشاشات ضجيجاً لا يغادر حدود المسرح، وأن البعبع الذي يُرفع في وجوه العرب كلما طالبوا بحقوقهم أو سألوا عن أموالهم أو فتشوا في دفاتر النهب الكبرى، يبقى حياً معافى، محفوظاً بعناية أشبه بعناية أصحاب المتاحف بآثارهم النادرة، فلا يموت ولا ينتصر، ولا يختفي ولا يظهر إلا بالمقدار الذي تقتضيه حاجة السوق السياسية.إن الفلسفة القديمة كانت تقول إن الإنسان يخاف المجهول، أما فلسفة هذا العصر فتقول إن الحكومات تخاف شعوبها إذا توقف المجهول عن إخافتها، ولذلك لا بد من صناعة خوف دائم، وحارس لهذا الخوف، وكائن أسطوري يقف عند بوابة المنطقة كالتنين في الحكايات القديمة، مهمته أن يبرر كل شيء؛ صفقات السلاح، والقواعد العسكرية، والتحالفات المؤقتة، والضرائب الخفية، والديون المتراكمة، وحتى الفشل السياسي الذي لا يجد له المسؤولون تفسيراً سوى أن "الخطر ما زال قائماً".في كل مرة يظن العربي أن المسرحية انتهت، ترتفع الستارة من جديد على المشهد ذاته، تتغير الوجوه أحياناً، وتتبدل الأزياء، وتتغير أسماء العمليات العسكرية، لكن النص يبقى هو النص، والممثلون أنفسهم يؤدون الأدوار ذاتها بحماس المبتدئين رغم أن الجمهور حفظ الحوارات عن ظهر قلب. صاروخ هنا، وتصريح ناري هناك، وتهديد يزلزل الشاشات، ثم تنتهي الليلة الدرامية كما بدأت، ويبقى الجميع في أماكنهم، وكأن الغاية ليست الحسم بل استمرار العرض.ولعل أكثر ما يثير الضحك في هذه الكوميديا السوداء أن القوى العظمى التي تختلف على كل شيء تقريباً، من التجارة إلى الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي، تبدو أحياناً وكأنها تتفق على شيء واحد فقط: ضرورة بقاء الخوف حياً.فالخوف عملة سياسية نادرة، وإذا فقدت الأسواق السياسية هذا المورد الاستراتيجي العظيم فستضطر الشعوب إلى طرح أسئلة مزعجة للغاية؛ أين ذهبت الأموال؟ ولماذا تتضاعف الموازنات العسكرية بينما تتآكل المدارس والمستشفيات والجامعات؟ ولماذا تزداد الحماية كل عام بينما يزداد الشعور بالخطر معها؟
إن البعبع في الفلسفة السياسية الحديثة ليس عدواً بالضرورة، بل وظيفة. وظيفة اقتصادية وإعلامية واستراتيجية. إنه أشبه بذلك الفأر الذي يظهر كل ليلة في البيت، فيستدعي أصحاب المنزل عشرات الحراس والخبراء والمستشارين، ثم يختفي قبل أن يمسك به أحد، لأن اختفاءه النهائي سيؤدي إلى بطالة جماعية في صناعة المطاردة.ولهذا يبدو الشرق الأوسط أحياناً كمسرح هائل لا يبحث فيه أحد عن نهاية القصة، بل عن تمديد الموسم إلى سنوات إضافية. فالحروب القصيرة لا تربح كثيراً، أما الأزمات الطويلة فهي مناجم ذهب سياسية واقتصادية لا تنضب. وحين يتعب الجمهور من فصل الرعب، يُضاف إليه فصل جديد من البطولة، ثم فصل من التهديد، ثم فصل من الردع، ثم يعود الجميع إلى نقطة البداية وكأن الزمن يدور في طاحونة صدئة لا تنتج سوى المزيد من الخوف.والمفارقة الساخرة أن الشعوب العربية، وهي الضحية الأولى لكل هذا العرض الطويل، تُستدعى دائماً لدفع ثمن التذكرة الأغلى. تدفع من أمنها، ومن اقتصادها، ومن مستقبل أجيالها، ثم تُطلب منها في نهاية العرض وقفة تصفيق حارة للممثلين الذين أقنعوها بأن استمرار الأزمة هو انتصار، وأن بقاء الخطر هو دليل النجاح، وأن عدم الوصول إلى الحل هو قمة الحكمة السياسية.ولو أن فيلسوفاً من زمن الإغريق عاد إلى الحياة وشاهد ما يجري، لربما كتب كتاباً جديداً بعنوان "الجمهورية والخوف"، يشرح فيه كيف يمكن لوحشٍ لا يموت أن يصبح أهم من الشعوب نفسها، وكيف تتحول السياسة من فن إدارة المصالح إلى فن إدارة المخاوف، وكيف يصبح البعبع ضرورة استراتيجية لا يجوز الاقتراب منها لأنها جزء من هندسة المشهد كله.
وهكذا يستمر العرض، وتستمر الطبول، وتستمر الخطب، وتستمر الموازنات المفتوحة، ويبقى البعبع واقفاً في منتصف المسرح يؤدي دوره بإتقان مدهش، لا ينتصر انتصاراً كاملاً ولا يُهزم هزيمة كاملة، لأنه لو حدث أحد الأمرين لانتهت المسرحية، ولاضطر الجميع أخيراً إلى مواجهة السؤال الذي يخشاه السحرة أكثر من أي شيء آخر: ماذا لو اكتشف الجمهور أن الوحش كان مجرد ظلٍّ كبير على الجدار؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.


المزيد.....




- مستوى آخر من اللذة.. 6 حلويات فرنسية يجب عليك تجربتها
- مصدر: إسرائيل تضغط على أمريكا لمنع الإفراج عن أصول إيران الم ...
- -اخترقنا الدفاعات الأمريكية-.. تقارير إيرانية تتحدث عن إصابة ...
- -ودائع- الحرب في قبور مؤقتة.. الغارات الإسرائيلية تحرم عائلا ...
- سانت بطرسبرغ.. احتفالات بمناسبة يوم روسيا
- قازان.. عرض -صداقة الأمم- احتفالا بيوم روسيا
- قوات مجموعة الجنوب تحرر بلدة رسكوشنوي
- المغرب.. سجن 15 شابا من -جيل زد- في الدار البيضاء والإفراج ع ...
- قضية ضحايا معركة دير الشيروبيم تعود إلى الضوء بعد سنوات من ا ...
- RT تستطلع آراء الجماهير العربية


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البعبع الذي لا يموت .