أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَوْقِفِ وَنَقَاءِ السِّيرَة.














المزيد.....

مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَوْقِفِ وَنَقَاءِ السِّيرَة.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 11:08
المحور: الادب والفن
    


عِندما استوتْ أجزاءُ (( المقامات الزهيرية )) الخمسةُ على سُوقِها , ونُشِرتْ لتَرويَ للزمنِ حكايتَها , اتفقتُ مع الناشرِ أن يزدانَ الغلافُ الأخيرُ بسيرةِ حياتي كما عشتُها , لا كما يشتهيها المادحون أو يلوكها العاذلون , وما هي إلا أيامٌ حتى هاتفني صديقٌ من وراءِ البحار , مغتربٌ أقعدَهُ الحنينُ وأضناهُ المسار , فشكرَ لي وصولَ الأجزاء , لكنّه أبدى عجباً غلبَ عليه الارتياب , إذ استغربَ كيفَ خططتُ السيرةَ بكاملِ تفاصيلِها , وعرضتُها بوضوحِها ودقائقِها , بلا رتوشٍ تُخفي الملامح , ولا مساحيقَ تُداري ما ليسَ بصالح , ودون تنكّرٍ لِما مضى , أو محاولةٍ لاسترضاء حدباءَ أو رِضى , كان ردي ان إبراز مفهوم المثقف المسؤول , والتأكيد على أن الشجاعة لا تكمن في ادعاء الكمال , بل في الجرأة على تقديم (( السيرة )) كما هي , كدرس تاريخي للأجيال , يحمل في طياته شجاعة المثقف العضوي , وأصالة من يملك الجرأة على مواجهة مرآة التاريخ دون مواربة أو تجميل , ويحمل شموخ سبعين عاماً من التجربة والفكر.

شرحت له فلسفة السيرة الصادقة , وقلتُ له : يا صاحبي , إننا نعيشُ في زمنٍ عزّتْ فيه المصداقية , وتكاثرتْ في رُبوعهِ الأحكامُ المسبقةُ والأنانيّة , زمنٌ يُراد فيه اختزالُ مسيرةِ الإنسانِ الطويلة في محطةٍ عابرة , أو جرةِ قلمٍ جائرة , وإنّ من تزويرِ المروءةِ أن نُعيدَ صياغةَ الأمسِ ليُواكبَ تقلباتِ اليوم , أو أن نرتديَ لكلّ فصلٍ ثوباً يُنافقُ الهوى , فالتاريخُ لا يُكتبُ بِممحاةِ الخوف , بل بِمدادِ الحقيقةِ والأنَفَة , وكيف لي يا صاحبي أن أبيعَ تاريخي لِقاءَ مَديحٍ زائف , أو أتبرّأَ من جُذوري خَوفاً من لائمٍ أو خائف ؟ وأنا الذي تشرّبتُ الأمانةَ من بيوت الطينِ الأولى , حيثُ كانتِ الجدرانُ بسيطةً لكنّ السقوفَ مَرفوعةٌ بالعزّةِ والمَلا , إنّ من نَبتَ في طينِ الأصالةِ لا يتبدّلُ بتبدّلِ الفصول , ومن تَعلّمَ القراءةَ في أسفارِ التاريخِ الكبرى , يَعلمُ أنّ عُمرَ الإنسانِ ليسَ نُزهةً خاليةً من العِثار, بل هو جِهادٌ ومَواقفُ تُسجّلُ بالإصرار.

قد يختلفُ البعضُ مع بعضِ خياراتي , أو يَجدونَ مَظاناً للنقدِ في مَحطاتِ مَواقفي وقناعاتي لكنّ من صلبِ الإنصاف , وجوهرِ العدلِ والاعتراف , الإقرارَ بأني لم أُوارِ وراءَ السحابِ شمسي , ولم أتنصّلْ يوماً من يومي أو أمسي , بل واجهتُ الحياةَ بقلبٍ جَسور , وتحملتُ تَبِعاتِ خِطابي والسطور , وتلك هي شجاعة الموقف ومسؤولية الاختيار , وهذا ما لهجتْ به شهاداتُ الخُلّصِ الأوفياء , وعمّدتهُ تبريكاتُ النبلاء , فالمصداقيةُ يا أخي لا تَعني دَعوى العصمةِ من الزلل , بل تَعني الصدقَ في عرضِ الفِعالِ والعمل , والوقوفَ بوجهِ الوقائعِ بلا وجل , فالهروبُ شيمةُ العاجز , والمواجهةُ مَذهبُ الحكيمِ الحافز.

وإنّ مَن عاصرَ العواصفَ وعاشَ التحوّلات , وشَهدَ كيفَ تُقلّبُ الأيامُ الدولَ والمقامات , يَعرفُ أنّ المَوقفَ الثابتَ عُملةٌ نادرة , لقد خضنا غِمارَ أزمنةٍ مَشحونةٍ بالخطوب , وكُنّا في قَلبِ الحدثِ لا على الهامشِ المَسلوب , وإنّ محاولةَ محاكمةِ الماضي بِعقولِ الحاضرِ ومصالحهِ هي جِنايةٌ على الوعي , وقِصرُ نظرٍ في السعي , فالشُجاعُ مَن يتركُ شهادتهُ للتاريخِ غَضّةً طريّة , لِتحكمَ عليها الأجيالُ بِتجرّدٍ وحُريّة , وإنّ أعجبَ ما تُبتلى به الثقافة , وتَضيقُ به مساحاتُ اللباقة , هو ذلك المَيلُ العقيمِ لِتنميطِ العقول , وجعلِ التجاربِ الإنسانيةِ قوالبَ صَمّاء لا تقبلُ التحوّلَ أو الأُفول , فمنْ جَعلَ من ذاتهِ قاضياً يمنحُ صكوكَ الغفرانِ أو الحرمانِ بناءً على ريحٍ هبّتْ أو مصلحةٍ جَدّتْ , فقد ضلّ سعيُه , وجَفّ نبعُه.

أما التحريضُ والتخوين , ومَشقُّ عصا الطعنِ في الدينِ أو اليقين , لِمجردِ اختلافٍ في الرأيِ أو رُؤيةٍ مغايرةٍ للزمان , فهو سلوكٌ مَرفوضٌ في شرعةِ الأخلاقِ وقوانينِ الإنسان , إنّه الداءُ الذي لا يُورثُ إلا الضغينة , ولا يخدمُ سوى هدمِ السكينةِ وتعميقِ الانقسام , إنّ الأوطانَ لا تنهضُ على تصفيةِ الحسابات , ولا تَعمرُ بنشرِ الأحقادِ والضغينات , بل ترتقي يومَ أن نَجعلَ (( الإنسانيّةَ )) فوقَ كلّ مذهبٍ وانتماء , وأن نَزنَ الرجالَ بِبذلِهم وعطائِهم لا بما تفرضه أمزجةُ الإقصاء , إنّ سِجالَ الفكرِ مَيدانُه الحِوار , ومَن ضاقَ ذرعاً بسيرةِ مَن خالفه , فقد أعلنَ إفلاسَهُ في مَحفلِ الأحرار , فبناءُ الأوطانِ الحُرّة , لا يستقيمُ إلا بالاعترافِ بحقّ الآخرِ في الكلام , وسردِ تجربتهِ كاملةً تحتَ الشمسِ بلا مَلام , ثم مناقشتها بِقوةِ الحُجّةِ والبرهان , لا بِمطارقِ التحريضِ والإقصاء والبهتان.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة البغدادية في جحود الرعية .
- مقامة الخل الممتنع .
- مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي ...
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...


المزيد.....




- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقاف ...
- السيسي يتابع مشروع حماية أضخم -إرث ثقافي- من نوعه في الشرق ا ...
- من “التحويشة” إلى الاستثمار.. عضو بـ”الشيوخ” يقترح استراتيجي ...
- الأردن: مهرجان عمان السينمائي يحتفي بالسينما التونسية في دور ...
- مهرجان الجاز الدولي في بطرسبورغ يسجل رقما قياسيا بـ210 آلاف ...
- المهتران العثمانية.. أقدم فرقة موسيقى عسكرية في العالم
- دمى بلا أطفال.. فعالية مؤثرة لتكريم ضحايا الحرب من أطفال دون ...
- تسعون عاما على ميلاد ماريس ليبا.. أحد أساطير الباليه السوفيت ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة السيرة : المَقَامَةُ الزُّهَيْرِيَّة في شَجَاعَةِ المَوْقِفِ وَنَقَاءِ السِّيرَة.