أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي بوجدان عراقي .















المزيد.....

مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي بوجدان عراقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 12:39
المحور: الادب والفن
    


لازال المندلاوي الجميل ينشر من بين سطور مايقرأه في رواية (( الابله )) للكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي , ويلتقط الحكمة التالية , (( لقد اتخذ الجنرال لنفسه مبدأ يلتزمه , ولايحيد عنه , وهو أن لايضع نفسه في المقدمة يوما , وأن ينحى متى وجب ذلك )) , وهي لفتة ذكية تلمس واحدًا من أعمق جوانب العبقرية النفسية والاجتماعية عند فيودور دوستويفسكي الذي لا يكتب فقط عن الصراعات النفسية الحادة والجنون , بل هو مراقب عبقري للطبقات الاجتماعية , والبروتوكولات , والـ (( إيجو )) الغرور البشري , وهذه الحكمة التي تخص الجنرال (( الجنرال إيبانتشين على الأرجح , بالنظر إلى سياق الصفحات الأولى للرواية )) تحمل أبعادًا نفسية واستراتيجية عميقة جدًا.

الذكاء الاجتماعي كآلية حماية , وشعار ((البقاء للأهدأ )) , في المجتمع المخملي والأرستقراطي الذي يصفه دوستويفسكي - حيث المؤامرات , والفضائح , والتحولات السريعة في مراكز القوى - يعتبر (( الظهور المفرط )) انتحارًا بطيئًا , الجنرال هنا يطبق قاعدة ذهبية في الذكاء الاجتماعي : (( لا تكن الشجرة الأطول في الغابة حتى لا تضربك الريح أولًا )) , من خلال مبدأ (( أن لا يضع نفسه في المقدمة )) هو يحمي نفسه من الحسد , ومن أن يكون الهدف الأول عند حدوث أي أزمة أو صراع على السلطة.

القدرة على التنحي والتراجع ليست ضعفًا , بل هي قمة الوعي بالذات وبالواقع , معظم الشخصيات في روايات دوستويفسكي تسقط بسبب كبريائها العمياء وعدم قدرتها على التنازل أو التراجع (( العناد المدمر )) , أما الجنرال، فإنه يمتلك (( مرونة نفسية )) , يعرف متى يصمت , ومتى يترك المسرح لغيره , ومتى يقدم الآخرين ليتحملوا هم في وجه المدافع , هذا الانسحاب يحفظ له هيبته ويحميه من التآكل , وتلك هي فضيلة الانسحاب التكتيكي (( وأن ينحى متى وجب ذلك )) .

مفارقة (( القوة الناعمة )) في رواية الأبله , هناك مفارقة رائعة هنا , الرواية بأكملها تتمحور حول الأمير (( مشكين )) - الأبله - وهو شخص نقي , بسيط , لا يضع نفسه في المقدمة أبدًا بـسبب طيبته وفطرته السليمة , في المقابل , نجد الجنرال يفعل الأمر نفسه ((عدم التصدر والانسحاب )) ولكن بـسبب ذكائه وحنكته البرجماتية (( العملية )) , فالأمير يتنحى زهدًا وطيبة , في حين ان الجنرال يتنحى سياسةً ودهاءً , وهذا يوضح كيف أن السلوك الواحد قد يلتقي فيه أقصى درجات النقاء مع أقصى درجات الذكاء الاجتماعي.

انها فلسفة (( الظل الكثيف )) في مواجهة بريق الشهرة الزائف , اذ يعكس مبدأ الجنرال نقدًا مبطنًا من دوستويفسكي لهوس الإنسان المعاصر بالوجاهة والظهور الدائم , في مجتمعات الصالونات المخملية - كما هو الحال في واقعنا اليوم - يُخيل للكثيرين أن القوة تكمن في تصدر المشهد واحتكار الأضواء , لكن دوستويفسكي , ومن خلال هذه الحكمة , يقلب المعادلة ليؤكد أن (( الظل )) قد يكون أكثر حماية ومنعة من الضوء الحارق , فالشخص الذي يتقن البقاء في الخلفية يمنح نفسه ميزة (( المراقب )) , يرى الكل ولا يراه أحد , ويفهم خيوط اللعبة دون أن يصبح هو نفسه الهدف , إنها حكمة (( الظل الكثيف )) الذي يمنح صاحبه نفوذًا هادئًا ومستقرًا , بعيدًا عن تقلبات الأمزجة العامة وسهام النقد الدائم التي تطال كل من وقف في الخطوط الأمامية.

حتمية (( النزول عن المسرح )) وإدارة النرجسية البشرية , انه التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان , وخاصة صاحب المنصب أو الجاه , ليس في الصعود إلى القمة , بل في امتلاك شجاعة (( التنحي )) في الوقت المناسب دون الشعور بالانكسار , ما التقطه وعيك الأدبي في عبارة (( وأن ينحى متى وجب ذلك )) , يمثل ذروة الحكمة العملية في إدارة النرجسية الذاتية , إن معظم المآسي الإنسانية والسياسية التي يرويها التاريخ تنبع من تشبث الأفراد بمواقعهم حتى الرمق الأخير , مما يحول هيبتهم إلى سخرية , الجنرال هنا يتجاوز هذا الفخ النفسي , فهو يجعل من الانسحاب فعلًا إراديًا واعيًا بمتغيرات الظروف , وليس هزيمة مفروضة عليه , هذا المبدأ يمنح الإنسان حصانة ضد صدمات العزل والتغير , ويجعل من التراجع التكتيكي خطوة ذكية للحفاظ على الكرامة والمكانة في آن واحد.

تعتبر هذه الحكمة (( كتيب بقاء )) في عالم مليء بالصراعات , دوستويفسكي يعلمنا من خلالها أن القيادة الحقيقية والحكمة لا تعني دائمًا الصراخ في الميكروفون أو الوقوف في الصف الأول , بل تعني أحيانًا أن تدير المشهد من الخلف , وأن تتقن فن الاختفاء عندما تصبح الأضواء حارقة , إنها حكمة صالحة لكل زمان ومكان , سواء في عالم السياسة , أو العمل , أو العلاقات الإنسانية اليومية , والتقاط الدكتور المندلاوي لها يدل على قراءة واعية وعميقة جدًا للنص الدوستويفسكي .

اذا أردنا إسقاط هذه الحكمة على مشهد عراق ما بعد الاحتلال , وعبء الواجهة وغياب (( رجل الدولة )) , وإذا ما نقلنا هذه الحكمة الدوستويفسكية من صالونات سانت بطرسبرغ في القرن التاسع عشر إلى دهاليز السياسة في مرحلة ما بعد الاحتلال , فإنها تتحول من مجرد (( مبدأ شخصي )) إلى مشرط جراحي يُشخّص أزمة الحكم وإدارة الدولة , إن المأساة الكبرى لسياسيي هذه المرحلة تكمن في النقيض تمامًا لمبدأ الجنرال , فقد غلب عليهم هوس التصدر , والتهافت على الخطوط الأمامية , والاستماتة في البقاء تحت الأضواء , متناسين أن (( الواجهة الكثيفة )) في مناخات التحولات العاصفة والبلاد المثقلة بالجراح ليست تشريفًا , بل هي المغناطيس الذي يجذب الأزمات وسخط الجماهير.

إن غياب فقه (( الانسحاب التكتيكي )) وثقافة (( التنحي الطوعي )) لدى رجالات ما بعد الاحتلال , جعل من مشهدهم السياسي ساحة صراع صفري , حيث يرى كل طرف أن التراجع خطوة إلى الخلف هو فناء لوجوده , وليس مناورة لحفظ توازن الأمة , لو أن هؤلاء السياسيين فقهوا حكمة الجنرال إيبانتشين , لعلموا أن (( رجل الدولة )) الحقيقي ليس من يحجز مقعده في الصف الأول دائمًا , بل هو من يمتلك الحنكة ليدير المشهد بحكمة صامتة , ويملك الشجاعة الأخلاقية والسياسية ليخلي مكانه وينحني للعاصفة متى ما أوجبت مصلحة الأوطان ذلك , تجنبًا للارتطام الحتمي الذي يدفع ثمنه المجتمع بأسره.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جمهورية (( تسليم المفتاح )) : كيف تُطعم مصارينُ البطن ...
- مقامة العشق المحرم : المرايا اللاهثة .
- مقامة كعكة العمر المؤجل: سينما البهجة الهاربة من قسوة العزلة ...
- مقامة عواصم السل والجرب : بغداد وصنعاء في مرآة البردوني .
- مقامة النبض الراجع : حطبٌ لموجِ العشق وردّ على ركضِ النساء ا ...
- مقامة قناع القطط ومخاتلة القارئ : آلية الإزاحة وأنسنة الغريز ...
- مقامة فيض خير اضطرار الروح .
- سُوقُ الأَدَبِ وَمَبَاهِجُ العَقْل: تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَشُ ...
- مَقَامَةُ اللَّمَعَانِ وَظِلَالِ البَيَانِ .
- مقامة الشيطنة و صحوة صنّاع التضليل .
- مقامة قراءة في شذرات القيلولة .
- مقامة أسطورة المدني .
- مقامة ثنائية الأرض والمصنع : جدلية السلطة الوطنية وسلطة التب ...
- مقامةُ الألم : كيمياءُ المعاناةِ وصياغةُ العظمة .
- مقامة عن مُعَايَدَةٌ سِيَّاقُهَا: خَارِجَ السِّيَاقِ .
- مقامة الموت الهين : تجليات (( نكد الدنيا )) في عراق ما بعد 2 ...
- مقامة خرسى العيد : في وداع زمن ماء الورد والكليجة وحين يصبح ...
- مَقامَةُ القَلْبِ المَيَّال .
- مقامة خيوط القنصل ورقبة الآغا : أرض السواد , والأيادي الممدو ...
- مقامة الجحشنلوجيا : قراءة في مفهوم فلسفة السقوط الأخلاقي .


المزيد.....




- كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
- الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي ...
- تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح ...
- -دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت ...
- -ليلة عسل-.. مصطفى غريب يقدم أولى بطولاته المسرحية في السعود ...
- موعد انطلاق عروض الفيلم الكوميدي الرومانسي -الكراش-
- نيللي كريم تبدأ تصوير دورها في فيلم -الفيل الأزرق 3-
- قصتي.. مبادرة مسرحية تروي ذكريات وآلام حرب غزة
- اتحاد أدباء العراق يؤبن الشاعر صادق الصائغ
- ادباء ذي قار وملتقى سومريون ينظمون امسية ثقافيةلاستذكار الكا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة أبله دوستويفسكي وإسقاطاتها العراقية : قراءة دوستويفسكي بوجدان عراقي .