أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب














المزيد.....

الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 17:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة حروب تُخاض على الجبهات، وأخرى تُخاض في الزنازين.

وفي فلسطين، لم تعد السجون مجرد أماكن لاحتجاز الأفراد، بل تحولت، على نحو متزايد، إلى امتداد مباشر لمعركة تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله. ولعل ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات اليوم يكشف واحداً من أكثر وجوه هذه الحرب قسوةً وخطورة؛ حرب لا تكتفي بحرمان المرأة من حريتها، بل تسعى إلى تجريدها من كرامتها وإنسانيتها وحقها في أن تكون شاهدة على زمنها لا ضحية له.

المعطيات الأخيرة التي نشرها نادي الأسير الفلسطيني بشأن ارتفاع عدد الأسيرات إلى نحو خمسة وتسعين أسيرة، بينهن طفلات ونساء حوامل ومعتقلات إدارياً، لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد أرقام في تقرير حقوقي جديد. فالأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تنقل وحدها حجم الألم المختبئ خلف أبواب الزنازين. وراء كل رقم أمّ انتُزعت من أطفالها، أو طالبة جامعية أُخرجت من قاعة محاضراتها إلى غرفة تحقيق، أو امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة منظومة كاملة من العزل والقهر والإذلال.

الأمر اللافت أن الاعتقالات لم تعد تقتصر على الناشطات السياسيات أو على النساء المرتبطات بشكل مباشر بملفات المقاومة والأسرى، بل باتت تطال الطالبات والخريجات والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية. وكأن الرسالة المراد إيصالها تتجاوز الفرد إلى المجتمع نفسه: لا أحد خارج دائرة الاستهداف.

لكن الاعتقال، على فداحته، ليس سوى بداية الحكاية.

فالشهادات المتواترة عن الضرب والتنكيل والتفتيش المهين والعزل الانفرادي والتجويع والحرمان من العلاج تكشف عن واقع يتجاوز فكرة الاحتجاز إلى صناعة معاناة يومية مقصودة. وحين تتحول الإهانة إلى سياسة، والعزل إلى أداة عقاب ممنهجة، والحرمان من الرعاية الصحية إلى وسيلة ضغط، فإننا نكون أمام محاولة منظمة لإخضاع الإنسان عبر استنزافه نفسياً وجسدياً.

الأشد إيلاماً أن المرأة الفلسطينية تدفع اليوم ثمن كونها امرأة وفلسطينية في آن واحد. فهي مستهدفة باعتبارها جزءاً من شعب واقع تحت الاحتلال، ومستهدفة أيضاً لدورها المركزي داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن فصل استهداف الأسيرات عن محاولات أوسع لتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية وإضعاف مصادر صمودها. فالمرأة التي تحفظ تماسك الأسرة، وتربي أبناءها على الأمل رغم الخراب، وتواصل تعليمها وعملها رغم الحصار، تمثل في نظر الاحتلال عنواناً للصمود بقدر ما تمثل عنواناً للحياة.

غير أن القضية لا تكمن فقط فيما يجري داخل السجون.

القضية الحقيقية تكمن في ذلك العجز الأخلاقي الذي بات يطبع الموقف الدولي. فمنظمات حقوق الإنسان توثق، والهيئات الأممية تعرب عن القلق، والتقارير تتراكم عاماً بعد عام، فيما تستمر الانتهاكات بوتيرة متصاعدة. وكأن العالم نجح في تحويل المأساة الفلسطينية إلى مشهد اعتيادي؛ مأساة تُشاهَد وتُوثَّق وتُناقَش، لكنها نادراً ما تُواجَه بإجراءات حقيقية.

لقد أصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن للمنظومة الدولية أن تتحدث عن حماية المرأة وحقوق الإنسان بينما تعجز عن حماية أسيرات يتعرضن لانتهاكات موثقة ومستمرة؟ وكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بسلطته المعنوية إذا كان تطبيقه خاضعاً لاعتبارات السياسة وموازين القوة؟

إن قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست قضية نسوية فحسب، وليست ملفاً حقوقياً معزولاً عن سياقه. إنها اختبار يومي لصدقية العالم المعاصر في حديثه عن العدالة والكرامة الإنسانية. وهي تذكير مؤلم بأن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى أيضاً إلى مصادرة الإنسان نفسه.

وربما لهذا السبب تبدو الأسيرات الفلسطينيات اليوم أكثر من مجرد ضحايا. إنهن شاهدات على زمن فقد كثيراً من يقينه الأخلاقي، وعلى عالم بات يعرف كل شيء عمّا يحدث، لكنه يفضّل في معظم الأحيان أن ينظر في الاتجاه الآخر.

وإذا كانت الحرية هي المعيار الأسمى لكرامة الإنسان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام ضمير العالم هو: كم أسيرة أخرى يجب أن تدخل الزنزانة قبل أن يتحول التعاطف إلى موقف، والتوثيق إلى محاسبة، والصمت إلى فعل؟

حتى الآن، لا تملك الأسيرات سوى الصبر.

اما العالم، فلا يزال مديناً لهن بالعدالة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...


المزيد.....




- مجدداً.. ترامب يطرح موعداً لإعلان -النصر الكامل- على إيران
- الرئيس عون يوجه نداءً نادرًا لإسرائيل وسط تواصل القصف بينها ...
- مباشر: إسرائيل ترفض -تهديدات- إيران وتؤكد أنها -ستواصل التحر ...
- عاجل| ترمب: إسرائيل لن تعود إلى الحرب مع إيران
- القسام تبث مشاهد الإطلاق الأول لصاروخ -عياش 250-
- غوتيريش: 80 موظفا أمميا قُتلوا العام الماضي في غزة
- قد تقاتل لوحدك.. تفاصيل مكالمة ترامب لنتنياهو بشأن إيران
- إسرائيل تعلن اعتراض هدف جوي أطلق من اليمن
- تعليق مهام مدعي عام الجنائية الدولية بسبب مزاعم -سوء سلوك-
- ترامب: حذرت نتنياهو من شن هجمات جديدة على إيران


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب