أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الإفلاس يختبر الأخلاق














المزيد.....

الإفلاس يختبر الأخلاق


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 02:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست السنوات القاسية امتحانا للاقتصاد وحده، بل امتحانا للنفوس ايضا. فحين تضيق الحياة بالناس، ويصبح الغد مجهولا، وتضعف الارض تحت الاقدام، لا يبقى الانسان كما كان دائما. في ازمنة الاستقرار تبدو الاخلاق مستقرة بدورها؛ يعرف المرء حدوده، ويطمئن الى ما في يده، ويبدو التسامح ممكنا، وتبدو الامانة امرا طبيعيا لا يحتاج الى بطولة. لكن حين يشتد الضيق، وتثقل الخسائر، ويصبح القلق مقيما في القلوب، تتبدل اشياء كثيرة في الداخل الانساني، ويجد الانسان نفسه في مواجهة اسئلة لم يكن يظن انه سيقف امامها يوما.
وفي مثل هذه الظروف لا تظهر صورة واحدة للبشر. فمنهم من تزيده الشدة صلابة ووفاء، وكأن المحنة تصقل فيه أنبل ما يملك. ومنهم من تنال منه القسوة حتى يختلط عليه الخوف بالحق، والحاجة بالواجب، والدفاع عن النفس بما لم يكن يشبهه في ايام السعة. وحين ننظر الى مجتمعات عرفت الفقد الطويل والاضطراب والقلق على المستقبل، يصبح الحكم على الافراد أكثر تعقيدا؛ لأننا لا نرى القرار وحده، بل نرى وراءه تعبا متراكما، وخوفا قديما، ومحاولات كثيرة لم تترك في النفس ما كانت تتركه من قبل.
وحين تقع الخسارة الكبيرة، افلاس، انهيار تجارة، ضياع مكانة، او خوف من المجهول، يظهر في النفس شيء مختلف. عندها لا ينهار الحساب المالي وحده، بل قد يهتز معه ترتيب داخلي كان يبدو ثابتا: شعور الامان، والثقة بالنفس، والاحساس بالسيطرة، والصورة التي بناها الانسان عن نفسه امام الناس. وحين يضيق الداخل الى هذا الحد، قد يتصرف بعض الناس بطريقة لم يكن من حولهم يتوقعونها: انكار، تبرير، هروب من المواجهة، او اعادة رواية الماضي بطريقة تخفف عنهم عبء الخسارة والاعتراف.
ولهذا يبقى السؤال معلقا: هل غيرت المحنة الانسان، ام كشفت ما كان كامنا فيه؟
وربما لا تكون الاجابة واحدة دائما.
فبعض الطباع تبقى ساكنة في داخلنا زمنا طويلا، لا نكاد نراها ولا يراها غيرنا، لان الظروف لا تدفعها الى الظهور. ثم تأتي ضربة قاسية فتسقط كثيرا مما كنا نظنه ثابتا، ويظهر من الانسان جانب لم يكن واضحا من قبل. وفي احيان اخرى لا يكون الامر طبعا كامنا بقدر ما يكون انكسارا حقيقيا؛ اذ يدفع الخوف الشديد بعض البشر الى قرارات لم يكونوا يتصورون انهم سيقدمون عليها، لا لانهم خططوا لها من قبل، بل لان الذعر حين يشتد يبدل ترتيب الاولويات، ويجعل البقاء عند الانسان اثقل من كل شيء اخر.
وهكذا يصبح الافلاس امتحانا مزدوجا: امتحانا للحساب، وامتحانا للأخلاق. وهو لا يصنع الانسان من جديد دائما، لكنه كثيرا ما يكشف مقدار القوة والضعف في داخله، ويظهر ما كان صادقا وما كان هشا، وما كان راسخا وما كان قابلا للاهتزاز عند اول ارتطام قاس.
ولهذا فإن أكثر ما يوجع في مثل هذه المواقف ليس المال وحده، بل السؤال الذي يبقى بعدها طويلا: كيف يمكن لإنسان وثقنا به ان يصبح غريبا الى هذا الحد؟ وكيف يمكن لعلاقة بدت مستقرة ان تتغير بهذه السرعة؟
وربما لا نجد جوابا كاملا ابدا. فالبشر اعقد من ان نقرأهم من موقف واحد، والحياة لا تكشف الناس دفعة واحدة. احيانا نعرف انسانا سنوات طويلة، ثم تكشف لحظة واحدة جانبا لم نكن نعلم بوجوده، وربما لم يكن هو نفسه يعرفه من قبل.
وربما لهذا قيل قديما ان الشدائد لا تصنع المعادن بقدر ما تكشفها. غير أنها، في الوقت نفسه، تكشف هشاشة الانسان ايضا، وخوفه، وحدوده، وما يستطيع احتماله وما يعجز عنه حين تضيق الدنيا وتثقل الخسارة.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها


المزيد.....




- -ترمب يُلقي بنا تحت الحافلة-.. تحذيرات إسرائيلية من اتفاق سي ...
- لماذا تفوق خالد بن الوليد على صلاح الدين؟
- نيويورك تايمز: هذه الوصفة هزمت أوربان وهي كفيلة بهزيمة ترمب ...
- قاضٍ أميركي يأمر بإزالة اسم ترامب من مركز للفنون.. ما القصة؟ ...
- سوريا.. أحمد الشرع يعلن حالة الطوارئ في دير الزور مع اتساع ف ...
- أوكرانيا تحذر من هجوم روسي واسع
- قصة بر تهز المشاعر.. سودانية سبعينية ترافق والدتها التسعينية ...
- إيران.. -هيئة إدارة مضيق هرمز- تعلق على العقوبات الأمريكية ض ...
- مقتل ناشطَين كرديَّين برصاص الحرس الثوري غرب إيران.. وروايتا ...
- ترامب يكشف تفاصيل -التفاهم- مع طهران.. وإيران: لم نتوصل إلى ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الإفلاس يختبر الأخلاق