أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - أكرم شلغين - ما تمنحه المدن العابرة














المزيد.....

ما تمنحه المدن العابرة


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 02:47
المحور: السياحة والرحلات
    


حين وصلتُ إلى المدينة كان الصباح ما يزال في أول تفتحه، تلك الساعة المبكرة التي تبدو فيها الشوارع كأنها لم تستيقظ تماما بعد وكأن الليل لم يبتعد إلا قبل دقائق قليلة. لم يكن في المكان ما يلفت النظر على نحو استثنائي؛ بنايات قديمة تلوح واجهاتها تحت ضوء خفيف، أرصفة مبتلة من مطر مر في الليل وترك أثره على الحجر، وواجهات محال ما تزال مغلقة كأنها تؤجل لقاءها بالنهار قليلا. ومع ذلك شعرت، منذ اللحظة الأولى، بأن شيئا في هذه المدينة يخصني على نحو غريب، كأنني أعرفها من قبل، أو كأنها كانت تنتظرني بصبر لا أعرف كيف أفسره.
بدأت أمشي بلا وجهة محددة. لم تكن عندي خطة، ولا مكان أريد الوصول إليه، بل رغبة هادئة في أن أترك الطريق يقودني كما يشاء. كان الهواء باردا قليلا، يوقظ الوجه ويجعل الخطوات أبطأ من المعتاد، وكأن المدينة نفسها تريد من القادم إليها ألا يستعجلها، وأن يمنحها الوقت الكافي لتكشف له عن نفسها بهدوء.
في تلك الساعة كان كل شيء يخرج من صمته بالتدريج. من نافذة عالية انبعث ضوء أصفر صغير، ثم انفتح باب بعيد لثوانٍ وعاد يُغلق، ثم مرت دراجة هوائية وحيدة على الطرف الآخر من الشارع واختفى صوتها سريعا. وكنت كلما تقدمت أكثر شعرت أن المدينة تنهض أمامي ببطء جميل، لا دفعة واحدة، بل كما تستيقظ الموسيقى من نغمتها الأولى.
وعندما انعطفت نحو ساحة صغيرة في الوسط رأيتها.
امرأة مسنة وقفت وحدها تنثر بقايا الخبز للحمام. كانت تفعل ذلك ببطء شديد، وبحركة بدت مألوفة كأنها تكررها كل صباح منذ سنوات طويلة. لم يكن حولها أحد تقريبا. الحمام يقترب منها بلا خوف، وهي تبتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، ثم تعود وتنثر المزيد وكأن بينها وبين تلك الطيور اتفاقا قديما لا يحتاج إلى كلام. توقفت من غير قصد أراقب المشهد، وشعرت أن بعض المدن لا تكشف جمالها في ساحاتها الكبرى ولا في معالمها المشهورة، بل في هذه التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
تابعت السير بعد ذلك حتى مررت قرب مخبز صغير، وكان الباب نصف مفتوح. خرجت منه رائحة خبز ساخن وقهوة طازجة وزبدة ذائبة، رائحة قادرة وحدها على أن تفتح في النفس أبوابا قديمة دون استئذان. تذكرت فجأة مطبخا بعيدا، وصوت فناجين تُنقل فوق صينية، وشمس صباح تدخل من نافذة أعرفها جيدا، ووجوها عبرت العمر ثم ابتعدت. دهشني دائما كيف تستطيع رائحة عابرة أن تعيد إلينا سنوات كاملة أسرع مما تفعل الذاكرة نفسها.
واصلت طريقي حتى انتهيت إلى جسر حجري صغير يعبر فوق نهر ضيق. كان الماء هادئا إلى درجة لافتة، يحمل أوراقا صفراء سقطت من الأشجار ويمضي بها كما لو أنه يعرف إلى أين يأخذها. وقفت هناك طويلا. لم أكن أفكر في شيء محدد، لكن شيئا في داخلي كان يستيقظ بهدوء: صور قديمة، أسماء، وجوه، أماكن ظننت أنني تركتها وراء ظهري منذ زمن طويل، ثم وجدتها تعود الآن بهذه السهولة، وكأنها كانت تنتظر مدينة بعيدة كي تظهر من جديد.
وفي تلك اللحظة مرّت طفلة صغيرة تركض خلف قبعتها بعدما حملتها الريح. كانت تضحك بصوت صاف وهي تحاول اللحاق بها، ثم سبقتها أمها بخطوة والتقطتها قبل أن تصل إلى الماء. ضحكت الطفلة أكثر، وضحكت الأم معها، ثم مضتا وكأن شيئا لم يحدث. كان مشهدا عابرا جدا، بسيطا إلى أبعد حد، لكنه بقي في داخلي طويلا، لأن الحياة في كثير من الأحيان تمنحنا أجمل لحظاتها بلا مقدمات، ثم تتركنا بعدها نفكر فيها أكثر مما توقعنا.
وحين امتلأت الشوارع بالمارة وبدأ النهار يثبت حضوره تماما، شعرت أنني امتلأت أنا أيضا بشيء يصعب علي أن أسميه. لم يكن فرحا واضحا، ولا حنينا كاملا، بل حالة بين الاثنين، كأن القلب صار أوسع قليلا مما كان عليه قبل ساعة.
وعندما ابتعدت ونظرت خلفي للمرة الأخيرة، بدت المدينة كما هي: حجر وماء وأشجار وناس يبدأون يومهم المعتاد جدا. لا شيء فيها استثنائي لمن يمر بها سريعا. لكنني عرفت وأنا أمضي أن بعض الأماكن لا تمنحنا حكاية نحكيها للآخرين، بل تمنحنا شعورا يبقى معنا طويلا… شعورا يشبه لمسة خفيفة على الروح، لا تُرى ولا تُفسر بسهولة، لكنها تبقى في الداخل طويلا، وترافقنا حتى بعد أن نغادر المكان بوقت بعيد.
......................................................................................
كُتبت بعد صباحٍ طويل من المشي في إحدى مدن شمال أوروبا، في أواخر الخريف.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟


المزيد.....




- -تحويل بلوتونيوم الأسلحة النووية إلى كهرباء-.. تفاصيل صفقة - ...
- كوبا تناشد المجتمع الدولي مساعدتها على تجنب كارثة بسبب الحصا ...
- لبنان يعلن مقتل 31 شخصاً إثر غارات إسرائيلية
- ما تجب معرفته عن الإقامة الدائمة بأمريكا بعد قرار ترمب الجدي ...
- بيونغ يانغ تختبر منظومة صواريخ جديدة وقذائف محسّنة
- تحقيق فرنسي في شبهة تدخل إسرائيلي استهدف مرشحين داعمين لفلسط ...
- بين تقلبات ترمب ونفوذ الصين.. مساع آسيوية لإعادة رسم التحالف ...
- لماذا يتعرض نتنياهو لـ-ضغوط- من حلفائه ومعارضيه بسبب -حزب ال ...
- قطر تبحث مع السعودية والأردن ومصر جهود الوساطة الباكستانية
- طحنون بن زايد ورئيس وزراء قطر يبحثان التطورات الإقليمية


المزيد.....

- قلعة الكهف / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - أكرم شلغين - ما تمنحه المدن العابرة