أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد دلي - ربيعٌ يعيدني إلى ربيعٍ آخر وزانا اليوم يعيدني إلى نفسي على عتبة الامتحان














المزيد.....

ربيعٌ يعيدني إلى ربيعٍ آخر وزانا اليوم يعيدني إلى نفسي على عتبة الامتحان


محمد دلي

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 11:56
المحور: سيرة ذاتية
    


ربيعٌ يعيدني إلى ربيعٍ آخر
وزانا اليوم يعيدني إلى نفسي على عتبة الامتحان
في صورة زانا, ابن أخي محمود, رأيت وجهي القديم يعود إليّ: العمر نفسه تقريبا, الملامح ذاتها, والقلق نفسه قبل الامتحان.
كانت لدي أول صورة بحالة الوقوف بين حقل قمح ,بأرض جدي على طريق جقلي (شمالي شيه Şiyê). صورها لي الجار حسين محمود كجو الملقب أبو طيفور على ما اذكر, لا اعلم ماذا حل بها ضمن البوم صور اسرتي, كان مخبءا في بيتي في شيه.
احتفظ بصور ومشاهد كثيرة في ذاكرتي, مع توالي سنوات الدراسة الإعدادية والثانوية والجامعية لكن بين أطرفها , مشهد اللقاء المتكرر والسؤال المتكرر، من دولك(والد عزيز دولك) ,كان يسألني هذا المسن, بمشيته المتلكئة قليلا, ولهجته الفريدة, نفس السؤال ,يعيده لي كلما التقي به اثناء دراستي : "متى ستنهي الدراسة وتصبح شرطيا تأكل ديكا كل يوم من عند الناس ببلاش ؟".
في تلك الفترة, كان عدد الطلاب قليل جدا, فلا غرابة ان يخاطب كل طالب باسم أستاذ، وكانت في كل منطقة عفرين ببلداتها وقراها الـ 366 ,فقط اعدادية وثانوية واحدة (ثانوية عفرين) عام 1972 للذكور وأخرى للاناث .
دروب شيه وطقوس التحضير
كان طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية يتركون الدوام المدرسي باكرا،حيث التحضير للامتحان عند الاهل في القرية منذ شهر نيسان,والجو الربيعي منشط وصالح جدا بين أحضان الطبيعة وبعيدا عن الضجيج والمشاغل ,يختلي الطلاب مع كتبهم ,الدراسة النظرية والحفظية في الخارج نهارا والدراسة العملية (رياضيات وفيزياء وكيمياء ) في البيت ليلا.
من المعتاد ان نخصص شهر أيار شهرا للمراجعات، كان الخوف ينتابنا، كلما اقترب موعد الامتحان، نقول لانفسنا : ما ضل وقت,نتبادل القول مع الذات : "ما لحقت المنهاج, يجب ان أضغط على نفسي اكثر ,رغم الملل والقرف من التحضير الذي طال وطال وطول ... كتاب الجغرافيا لم انهيه تماما ,لذلك عدت لمراجعته من اوله , عندما افكر بمنهاج العلوم والرياضيات والاجتماعيات (عدا الجغرافيا) والعربي ,اشعر بالاطمئنان ,لأنني انهيتها تماما ولكنني تركت حفظ القصائد (محفوظات) للأخير حتى تبقى في الذاكرة اكثر."
وعادة يترك الطلاب دراسة المادة الامتحانية الأولى لآخر فترة التحضير حتى تصبح الدراسة والمراجعة متواصلة مع امتحانها مباشرة.
في تلك الفترة كنا أربعة فقط من يافعي شيه: محمد سيدو مصطفى ومحمد أيوب يوسف وجميل انجبك، نتحضر لامتحان الشهادة الإعدادية، كل يوم مع شروق الشمس تجد اقدامنا طريقها إلى دروب شيه وتخومها, نمشي رويدا رويدا وعيوننا تتنقل بين صفحات الكتاب امامنا ودرب المسير على الأرض كيلا نتعثر بحفرة او حجرة, بالطبع نتلاقى ونرد سلامات العابرين ونظرات الشباب المتحسرين وتوصيات الكبار المشجعين.
لحظات كأنها واقعة الآن امامي
وانا اكتب الآن ,تعود بي الذاكرة, إلى تلك اللحظات في ذلك الزمان قبل 54 عاما مضى، كأنها واقعة الآن امامي، نعم اجدني اتحدث لنفسي مستعيدا الحالة وأنا أعيشها:
"تارة أتعب من المشي وأتعرق من لفيح الشمس، فألجأ لظل زيتونة من زيتونات اوسي عكيل, بجانب طريق جقللي في الشمال ,او أجلس على تخوم كرم عنب بكر حبو.
مرة اضم الكتاب لصدري ,واستعيد ما حفظته بصوت مسموع (يصل زميلي القريب ,فيتوقف عن متابعة قراءة كتابه ويصير معي عن قرب ,ويستعيد حفظ ومراجعة الدرس معي, دون ان اشعر او ان يقول ,لذلك كنا نتفق أحيانا على دراسة نفس الكتاب ).سقط قلم الرصاص من يدي ,استعدته من على الأرض , خط تحت كلمة معصم ,خطان تحت رقم 8 , ملاحظة (هام ـ هام جدا) على طرف فقرة ,جملة , اركز عليها ,وعلى نصيحة الأستاذ اثناء الدرس , ارسم مستطيلاً حولها ,سياتي في الامتحان , وتحته خط مكرر مغمق ,وتحت هذه الملاحظة خطان ,ثلاثة , أربعة , ما ضل محل لخطوط جديدة. المهم ,حفظتها تماما ,بعد شوي رح ارجع لها.اكيد ما رح انساها....."
لهذه الدروب والطرق والمواقع معانيها الخاصة لنا نحن الطلبة، كما غيرنا من الأهالي لكل منهم لديه معاني لتلك الأشياء الريفية التي لا تنفصل عن ثقافتهم ومشاعرهم عنها وفيها
وحينما اصل لساقية كلسية بالقرب من شجرة (شنغيله) الضخمة، ادع الكتاب تحت ابطي، ارفع كم البنطال لعند الركبة، اغمر قدمي في الماء المنعش،ثم اجلس على حجرة مصقولة على حافة الضفة مع الماء ,افتح يدي ,أوسع اصابعي فيمر الماء وكأنني امشطه واداعب صفحته الملساء بالرعشة والتفاؤل وانا احلم بلذة النجاح ,كخطوات في الماء،تشبهها خفقات القلب بانتظار الامتحان وخبر النتيجة المفرحة.
لم نترك طريقا, إلا وسلكناها مرات ومرات, ولم ندع دربا او تخوما في محيط شيه إلا وسرنا فيه مرارا وتكرارا، رسمنا خرائط الحقول والسفوح والقمم باقدامنا بعد عيوننا، داعبنا جدائل ماء كلسية, واستلقينا في ظلال (شنغيليه) ,الفتنا الكروم كما الفتنا طيورها, واشتاقت إلينا المواقع ربما اكثر من اشتياقنا لها .لو تكلمت لفضحت اسرارنا واثنت على اتعابنا ,وقبلت جباهنا مع بشرى النجاحات .
اول من قال لي: اذا احتجت لاي مساعدة او اذا كان لديك أي سؤال من أي درس, اسألني دون حياء, نحن أولاد قرية واحدة وواجبي ان اساعد أبناء قريتي, انه المهندس الزراعي رشيد دادو اطال الله بعمره ومده بالصحة والعافية.
حقول الحصاد وثمار المعرفة
كانت حقول الحمص، وقد غلب الاصفرار على خضرته وتسرب البياض إلى قرونه، التي كنا نسميها بالجك Balçik ,السنابل تناجي الشمس نحو النضوج ,لتتثاقل على عيدان القمح والشعير,يسابقها الحمص والعدس ,لذلك كانت مجموعات الحصادين تبدأ بها قبل ان تجف وتتبعثر حبوبها .
اما كروم العنب فهي ما تزال، مثلنا تماما, مصرة على يفاعة عناقيدها, وحموضة حصرمها, بانتظار دفئ الصيف وخفة الفلاحة.
على امل ان نترقى مع درجات النجاح, تتثاقل رؤوسنا بالمعرفة والمنهاج ,كي نقطف المرحلة الدراسية نجاحا بشهادة رسمية لا تقدر بثمن.
تمنياتي لك بالنجاح والتوفيق يا زانا, لك ولجميع طلاب العلم والمعرفة والتأهيل .
29أيار 2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انفكاك الصدر عن الأجنحة والافخاذ !
- مثلث الإرهاب: من واشنطن إلى كييف مرورا بتل أبيب
- كالابكم لا تعنيه احابيل الكتمان
- أمريكا وإيران: نحو اتفاق بين انعدام الثقة وعدم اليقين
- استدعاء السفير الاسرائيلي؟ أضعف من أضعف الإيمان بكثير !
- لا قانون ولا شرعية فوق لا شرعية الكيان الصهيوني !
- عمالة ام تبعية أم لحاجةٍ في نفس دونالد ؟
- جميع الحقوق لأمريكا وجميع الواجبات على الآخرين
- دول مُحتّلة وآخرى مُختّلة وثالثة مُعتّلّة !
- حين تختلط مشاعر الجغرافية بتواريخ الفراق
- زيلينسكي: اغدا القاك - في السجن - يا سيد يرماك؟
- ترامب وشي جين بينغ :ابتسامة الضفدع ونظرة الصقر
- دونالد ترامب: فشل ذريع في السياسة ونجاح كبير في التجارة
- سئمتُ من الوقوف بين لام التعريف وهمزة الوصل
- مسكين ترامب... والله مسكين !
- خياران لا ثالث لهما: الانصياع لشروط طهران أو مواجهة المجهول
- لقد ولدتكم امهاتكم أحرارا فكيف استعبدتكم امريكا؟
- لا يمكن صناعةالابطال من العدم أو عبر منصّات التواصل الاجتماع ...
- هل يصبح الخداع سياسة معترف بها دوليا؟
- واخيرا خرجت الصورة من الإطار - التنسيقي !


المزيد.....




- بعد حادثة رومانيا.. هل يفعّل الناتو المادة 5 من اتفاقية الدف ...
- -ترمب يُلقي بنا تحت الحافلة-.. تحذيرات إسرائيلية من اتفاق سي ...
- لماذا تفوق خالد بن الوليد على صلاح الدين؟
- نيويورك تايمز: هذه الوصفة هزمت أوربان وهي كفيلة بهزيمة ترمب ...
- قاضٍ أميركي يأمر بإزالة اسم ترامب من مركز للفنون.. ما القصة؟ ...
- سوريا.. أحمد الشرع يعلن حالة الطوارئ في دير الزور مع اتساع ف ...
- أوكرانيا تحذر من هجوم روسي واسع
- قصة بر تهز المشاعر.. سودانية سبعينية ترافق والدتها التسعينية ...
- إيران.. -هيئة إدارة مضيق هرمز- تعلق على العقوبات الأمريكية ض ...
- مقتل ناشطَين كرديَّين برصاص الحرس الثوري غرب إيران.. وروايتا ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد دلي - ربيعٌ يعيدني إلى ربيعٍ آخر وزانا اليوم يعيدني إلى نفسي على عتبة الامتحان