|
|
الاقتصاد السياسي من الحساب إلى النقد
محمد عادل زكى
(Muhammad Adel Zaky)
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 01:14
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حينما نعود إلى البدايات الأولى للاقتصاد السياسي، كعلم اجتماعي، فإننا لا نعود في الحقيقة إلى سلسلة من النظريات الاقتصادية المتراصة، ولا إلى منظومة محايدة من الأفكار المتعلقة بالإنتاج والتبادل والثروة. إذ أن العودة إلى تلك البدايات إنما تعني الدخول إلى لحظة تاريخيَّة كانت أوروبا تعيد فيها اكتشاف وتنظيم العالم الذي تعيش فيه، وهو ما تضمن بالضرورة إعادة تعريفها للإنسان، والعمل، والطبيعة، والسلطة، والزمن نفسه. ففي القرون الممتدة من السابع عشر إلى التاسع عشر، لم يكن الاقتصاد السياسيّ علمًا ناشئًا فحسب؛ إنما كان جزءًا من عملية أوسع لإنتاج تصور جديد للمجتمع، وتشييد لغة جديدة لفهمه وإدارته. هنا يجب، ولاعتبارات منهجية بحتة، أن نعلن وبوضوح أن ما سنحكيه أدناه إنما يبدأ وينتهي من حيث رواية الأوروبيّ نفسه، الذي أرخ للعالم ابتداءً من تاريخ أوروبا. في ذلك الزمن، الأوروبيّ، أخذت البنية الإقطاعية القديمة في التحلل تدريجيًا. وتمددت شرايين التجارة وتوسعت عبر البحار، وتراكمت الثروات التجارية وتكدست الأموال، ونشطت المضاربات، واشتد تركّز السلطة داخل الدولة المركزية الحديثة، وبدأت الملكية الخاصَّة تكتسب شكلها القانوني الجديد. ومع هذا التحول الهائل ظهرت الحاجة إلى معرفٍة من نوع مختلف؛ معرفة لا تكتفي بوصف الفضائل أو تقديم النصائح الأخلاقيَّة للحاكم، بل معرفة تسعى إلى فهم حركة المجتمع ذاتها، وقياسها بدقة، والكشف عن قوانينها الموضوعيَّة. في هذا الإطار التَّاريخيّ يظهر وليم بتي (1623–1687) بوصفه واحدًا من أوائل الذين منحوا الاقتصاد السياسيّ مادته الأوليَّة. ولم يكن مجيئه من عالم الطب والتَّشريح مجرد تفصيل عابر في سيرته؛ فقد ترك هذا الأصل المعرفي أثرًا عميقًا في الطريقة التي فهم بها المجتمع. فلقد تحول الجسد البشريّ، الذي يدرسه الطبيب ويتابع وظائفه وعلاقاته الدَّاخلية، عند بتي إلى نموذج ضمني لقراءة الجسد الاجتماعيّ. ومن هنا جاءت فكرته عن "الحساب السياسي". فالقيمة، والثروة، وعدد السكَّان، والإنتاج، والتوزيع، والعمل، والضرائب، صارت كلها وقائع يومية قابلة للعدّ والقياس والمقارنة. ومع بتي بدأت الدولة الحديثة تكتسب أدواتها الأهم، بصفةٍ خاصَّة القدرة على تحويل الحياة الاجتماعية إلى أرقام، ثم تحويل الأرقام إلى سياسات. سياسات تترجم إلى أرقام. وحين كتب بتي عبارته الشهيرة عن أن العمل أب الثروة والأرض أمها، كان في الواقع يضع لبنة أساسيَّة في إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم الماديّ. فقد أخذ العمل موقعًا جديدًا داخل تفسير الثروة، والطبيعة أصبحت موردًا قابلاً للإدارة ولخلق الطَّاقات الإنتاجيَّة الجديدة أو التوسُّع في القائم منها. ومع ذلك ظل المجتمع، في هذه المرحلة، أقرب إلى موضوع للإحصاء والتنظيم منه إلى مادة للبحث في التطور التاريخيّ وعلاقاته الجدليَّة. وإذا كان بتي قد اهتم بقياس المجتمع، فإن ريتشارد كانتيون (1680– 1734) انشغل بفهم حركته الداخليَّة. وهنا تظهر للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحًا فكرة امتلاك النشاط الاقتصاديّ نظامًا خاصًا لا يختزل بالكامل في إرادة الدَّولة أو في البنية القانونية. فلقد قدم كانتيون في كتابه عن طبيعة التجارة، تصورًا للمجتمع بوصفه شبكة من القرارات الفردية، والتوقعات، والمخاطرة، وإعادة التوزيع المستمرة. فالأسعار تتحرك، والموارد تنتقل، والدخول تتغير بفعل عمليات لا يسيطر عليها مركز واحد. ومن داخل هذا العالم ظهر مفهوم المنظِّم أو رجل الأعمال. وهذه الشخصية لم تُعرَّف بالمكانة الاجتماعيَّة التقليدية، وإنما بالقدرة على العمل داخل عالم من اللايقين. فالمنظِّم يشتري بسعر لا يعرف مستقبل مخرجاته، ويتحرك داخل احتمالات متغيرة، ويعيد ترتيب عناصر الإنتاج أملاً في تحقيق فائض. هنا دخل الزمن إلى الاقتصَاد السياسيّ بصورة جديدة. فالمستقبل لم يعد انتظارًا لما سيأتي، وإنما صار مجالًا للحساب والتقدير والاستثمار. بيد أن هذا التطور الفكريّ حمل معه ما هو أكثر عمقًا. فكلما اكتسب السُّوق صورة النظام المنتظم ذاتيًا، أخذ تحليل الظروف التاريخيَّة التي صنعت هذا السُّوق يتراجع إلى الخلف. فنزع الأراضي بالحديد والنار، وإعادة تشكيل علاقات الملكية، والتفاوتات الاجتماعية المتسعة، كلها أصبحت أقل حضورًا داخل التفسير النظريّ. ثم جاء الفيزيوقراط مع فرنسوا كينيه (1694 – 1774) ليمنحوا هذا التصور، ربما المتعالي، قدرًا أكبر من البناء والاكتمال. فكينيه، الطبيب الخاص للملك لويس الخامس عشر، حمل معه مرة أخرى عقلية الطبيب إلى الاقتصاد. وهكذا جرى البحث عن الدورة الدموية المنتظمة داخل عروق المجتمع، كما في الجسد البشري. وفي جدوله الاقتصَاديّ الشهير ظهرت لأول مرة محاولة متكاملة لرسم حركة الثروة داخل المجتمع باعتبارها دورة لتجديد الإنتاج الاجتماعي. غير أن الأهمية الحقيقية لكينيه لم تكن في هذا الجدول وحده. لقد منح الطبيعة مكانة جديدة بالكامل. فلقد أصبحت النشاط الزراعي المصدر الوحيد للفائض الصَّافي، كما صار الإنتاج الزراعيّ هو العمل الوحيد المنتج. أما الدَّولة فقد اكتسبت شرعيتها من انسجامها مع ما عُدَّ قانونًا طبيعيًا سابقًا على التشريع السّياسيّ. ومن هنا خرج شعار الفيزيوقراط الشهير: دعه يعمل دعه يمر. ولم يكن المقصود غياب الدَّولة، وإنما إعادة تعريف دورها بوصفها الحارس القوي الَّذي يضمن عمل النظام الطبيعيّ كما ينبغي. وعلى هذا النَّحو، بلغ الاقتصاد السّياسيّ، مع الفيزيوقراط، درجة متقدمة من الوعي بذاته. وهكذا ظهرت أمام المفكرين صورة أوليَّة لمجتمع تحكمه قوانين موضوعيَّة، وتنتظم داخله حركة الثروة وفق آليَّات يمكن فهمها وبحثها. لكن هذه الصورة ظلت مرتبطة على نحو وثيق بالأرض والزراعة وبفكرة الفائض الزراعيّ. وكان لا يزال ينقصها مفهوم قادر على تفسير المجتمع التجاري والصناعي الآخذ في التَّشكل. يجب أن نذكر هنا أننا نروي قصة المؤرخ الأوروبي؛ الذي أرخ للعالم ابتداءً من تاريخ أوروبا. ولذلك، لا يظهر الاقتصاد السّياسي، مع آدم سميث (1723– 1790)، في صورة نظرية مكتملة وحسب، وإنما يتحول إلى محاولة شاملة لفهم المجتمع الحديث بوصفه نظامًا تاريخيًا متحركًا. فقد كانت أوروبا في زمنه تشهد تغيرًا عميقًا، فالصناعة تتوسّع، والأسواق تتصل، والتقسيم الاجتماعيّ للعمل يزداد تعقيدًا، والطَّبقات الجديدة تكتسب وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا. قرأ سميث هذه التحولات من زاوية مختلفة. فالثروة لم تعد مرتبطة بالأرض والنشاط الزراعي، وإنما بقدرة المجتمع على تنظيم العمل وتقسيمه ورفع إنتاجيته. والمثال الشهير لمصنع الدبابيس لم يكن تفصيلًا تقنيًا؛ إنما كان إعلانًا عن اكتشاف جديد، وهو أن القوة المنتجة الكبرى لا تكمن داخل الفرد منفردًا، وإنما داخل البنية الاجتماعيَّة التي تجعل الأعمال تتكامل وتتوزع وتتخصص. ومن هنا اتخذ العمل موقعًا مركزيًا. فالعمل عند سميث لم يكن مجرد نشاط بدني، وإنما كان الوسيط الذي يعبر من خلاله المجتمع إلى إنتاج ثروته. ولهذا ارتبط تحليله بفكرة السُّوق بوصفها المجال الذي يربط المنتجين بعضهم ببعض عبر شبكة هائلة من الاعتماد المتبادل. فلقد رأى سميث أن السعي الفرديّ، في السُّوق، وراء المصلحة الخاصَّة قد ينتج انتظامًا اجتماعيًا واسعًا، لكنه، في نفس الوقت، لم يتعامل مع السُّوق باعتبارها قوة مقدَّسة أو معصومة. ولذلك نلاحظ في كتاباته تخوفه من الاحتكار، ومن تحالف أصحاب المصالح، ومن آثار تقسيم العمل على الإنسان نفسه حين يتحول إلى منفذ لحركة جزئية متكررة ومحدودة. ولهذا فإن قراءة سميث بوصفه داعية مطلقًا لحرية السوق تختزل مشروعه بصورة تظلمه تاريخيًا. فعلى الرغم من أن سميث لم يعبر عن أي مصالح طبقية، ولم يكن عبدًا، أو إمامًا، لأي نظام، إنما كان مفكرًا موسوعيًّا. وكانت فلسفته بأسرها وتأملاته جميعها نابعة من إيمانه، إنما الحذر، بمقدرة السُّوق، وفقًا لقوانين طبيعيَّة، على توجيه النظام الاجتماعيّ إلى التوازن؛ وراح يبرهن لإيمانه بذهن يتحرك بمنتهى الموضوعية العلمية. وعلى الرغم من أن ورثته، وماركس بالأخص، فهموا ذلك وسعوا إلى استكمال بنيانه المعرفي وتعاملوا مع جهازه الفكري بوعي منهجي شديد، على الرغم من هذا وذاك؛ فإن الإصرار على إفساد فكر سميث، وتأويل نصوصه على نحو لم يقله، يعد ظاهرة، سخيفة، في الكتاب الجامعي، بوجهٍ خاص. ثم يأتي ريكاردو (1772 – 1823) الذي استوعب سميث جيدًا؛ ليغيّر نقطة التركيز مرة أخرى. فلم تعد القضية الأساسيَّة عند ريكاردو هي كيف تُنتج الثروة، وإنما يجري توزيعها؟ مَن يحصل على المنتوج الاجتماعيّ؟ وما العلاقة بين الربح والأجر والريع؟ فلقد تقدم ريكاردو بالاقْتصاد السِّياسي خطوة إلى الأمام على صعيد موضوع العلم محل انشغاله، أو على الأقل يُعيد النظر في موضوع الاقتصاد السياسيّ عند سميث ويتجاوزه؛ فلقد رفض ريكاردو اعتبار الاقتصاد السياسي علمًا منشغلًا بالبحث في طبيعة وأسباب الثروة، كما كان يرى سميث، معتبرًا أن الإشكاليَّة الأساسيَّة في علم الاقتصَاد السّياسيّ تتركّز في تحديد القوانين الَّتي تنظم عملية توزيع القِيمة الَّتي يخلقها العَمل، أي الكشف عن القوانين الموضوعيَّة الَّتي تحكم توزيع القيمة بين الطبقات الاجتماعيَّة المشاركة، وربما غير المشاركة، في عملية الإنتاج، وهي طبقة الملَّاك العقاريين وطبقة الرَّأسماليين وطبقة العُمال، قائلًا "إن المشكلة الأساسيَّة في الاقتصاد السِّياسيّ هي تحديد القوانين الَّتي تنظم التوزيع. وعلى الرغم من الكتابات المهمة لترجو وستيوارت وسميث وساي وسيسموندي، والَّتي طورت الاقتصاد السِّياسيّ كعلم، إلا أنها لا تقدم إلا القليل عن المسار الطبيعيّ للريع والربح والأجور". وإذ يُرجع ريكاردو، على طريقة سميث، دخول السكان، تحديدًا: الأجر والربح، إلى مصدرٍ واحد هو العمل، فإنه يصل إلى أن مصالح الطبقات تتناقض مع بعضها، ولكن هذا التناقض ليس في حقل الإنتاج فحسب، وإنما كذلك في حقل التَّوزيع؛ حيث يجري في الأخير الصراع بين الطبقات على اقتسام المنتوج الاجْتماعيّ الصَّافي. وعلى الرغم من وجه الاختلاف بين سميث وريكاردو على هذا النّحو. فإن كلًّا منهما يَصدر في تحليله لموضوع العِلم محل انشغاله عن نظرية في القِيمة. هنا يدخل الاقتصاد السّياسيّ إلى مستوى أعلى من التَّجريد. فالمجتمع عند ريكاردو يظهر كساحة تتحرك فيها قوانين التَّوزيع بدرجة من الصرامة تكاد تقترب من البناء الرياضيّ. ارتفاع الأجور يضغط على الأرباح، وارتفاع الريع يعيد تشكيل التوازنات، وتراكم الرأسمال يخضع لقيود داخليَّة. ومن هذه الزاوية أخذت الطَّبقات الاجتماعيَّة تكتسب حضورًا أكثر وضوحًا داخل التَّحليل. فالملاك العقاريون، والرأسماليون، والعمال، لم يعودوا مجرد فئات وصفيَّة؛ لقد صار لكل منهم موقع اقتصاديّ محدد ومصلحة مختلفة. ولهذا اكتسبت نظرية القِيمة عند ريكاردو أهمية استثنائية. فالعمل لم يعد فقط مصدرًا عامًا للثروة، وإنما أصبح مقياسًا نظريًا يسمح بفهم العلاقات الداخلية التي تحكم التبادل والتوزيع. ومع ذلك ظل إطار ريكاردو يتحرك داخل حدود النظام الرأسمالي بوصفه أفقًا تاريخيًا قائمًا ومفهومًا ضمنًا. وعند هذه النقطة بالتحديد يجب أن يظهر ماركس. فلقد حدد ماركس (1818 – 1883) لنفسه هدفًا هو الكشف عن القوانين الموضوعيَّة الَّتي تحكم عمل النظام الرأسمالي. ولتحقيق هذا الهدف كان عليه مراجعة الفكر السَّابق عليه، أي الفكر الاقتصادي للطبيعيين، وفرنسوا كينيه بصفةٍ خاصّة، والفكر الاقتصادي لآدم سميث ودافيد ريكاردو، وبالأخص ريكاردو الَّذي اعتنق ماركس أهم أفكاره وتصوراته في أبرز المواقع الفكريَّة وأكثرها خطورة في مذهبه في رأس المال. ويمكن القول بأن الاقتصاد السياسي وصل مع ماركس إلى لحظة انعطاف كبرى. فالأسئلة التي بدأت مع بتي حول قياس المجتمع، ثم اتخذت عند كانتيون صورة الحركة الذَّاتية للسُّوق، وتبلورت مع كينيه في صورة النظام الطبيعي، واتسعت مع سميث لتفسير الثروة الاجتماعيَّة، ثم تحولت مع ريكاردو إلى تحليل للتَّوزيع والقيمة؛ هذه الأسئلة نفسها تعود عند ماركس، ولكن داخل إطار مختلف جذريًا. فماركس لم يتعامل مع الاقتصاد السياسي بوصفه علمًا يكتشف قوانين أبديَّة للحياة الاجتماعيَّة، وإنما بوصفه التعبير النظريّ الأعلى عن نمط تاريخيّ محدد من تنظيم الإنتاج والحياة. وهنا تظهر المفارقة التي تمنح مشروعه فرادته. فلقد أخذ من أسلافه أدواتهم الأساسيَّة، واستوعب منطقهم الدَّاخلي بدرجة جعلته قادرًا على الدفع باقتصادهم السياسيّ إلى أبعد مدى. فلقد أخذ ماركس مركزية العمل من سميث، والبناء النظري للقيمة والتوزيع من ريكاردو، ثم أعاد إدخالهما في حركة تاريخيَّة أوسع. فالعمل عند ماركس لم يعد مجرد مصدر للثروة، وإنما أصبح العلاقة التي تُنتج العالم الاجتماعيّ كله داخل الرأسمالية. والسلعة لم تعد شيئًا اقتصاديًا بسيطًا يتبادل الناس من خلاله المنافع، وإنما تحولت إلى الشكل الذي تظهر فيه العلاقات بين البشر وقد اتخذت هيئة علاقات بين الأشياء. ومن هنا جاءت إحدى أهم أفكار ماركس، وهي أن الرأسمالية لا تسيطر على البشر بالقوة المباشرة وحدها، وإنما عبر أشكال اجتماعيَّة تبدو طبيعية ومحايدة. فالأجر يبدو ثمنًا للعمل، بينما هو يخفي علاقة أكثر تعقيدًا. والسُّوق التي قد تبدو مساحة شاسعة ومفتوحة للتبادل الحر، محكومة دائمًا بشروط تاريخية محددة. والقيمة تظهر كخاصية للأشياء، بينما تتأسس في الواقع على تنظيم اجتماعيّ محدد للعمل. ولذلك، لم يكن هدف ماركس إنتاج نظرية اقتصادية تضاف إلى النظريات القائمة، وإنما كان هدفه هو الكشف عن الطابع التاريخي للعالم الذي تقدمه هذه النظريات بوصفه عالمًا طبيعيًا. ومن هنا يكتسب مفهوم الرأسمال عنده معناه الحقيقي. فالرأسمال عند ماركس ليس كتلة من النقود أو الآلات أو الممتلكات. إنه علاقة اجتماعية تتحرك عبر الزمن، وتعيد إنتاج شروط وجودها بصورة مستمرة. وكل توسُّع في الإنتاج يخلق في الوقت نفسه تناقضات جديدة، إذ يخلق تركّزًا أكبر للثروة، وتعقيدًا أعلى للتقسيم الاجتماعيّ للعمل، واتساعًا في قدرة المجتمع على الإنتاج، ويقابل كل ذلك اتساع موازٍ في أشكال التفاوت والاغتراب والأزمات. وعند هذه النقطة تتغير لغة الاقتصاد السياسي بأسره. فبعد أن بدأ بوصفه محاولة لقياس السكان والثروة، ثم صار علمًا للحركة الاقتصادية، ثم نظرية للنظام الطبيعي، ثم تحليلًا للعمل والتوزيع؛ يتحول أخيرًا إلى سؤال عن التاريخ ذاته؛ كيف تُولد الأشكال الاقتصادية؟ وكيف تفرض نفسها بوصفها ضرورات طبيعية؟ وكيف تصبح قابلة للتجاوز؟ وكيف يمكن تجاوزها بالفعل؟ وعلى هذا النحو، وإجمالًا، فعندما ننظر إلى بتي، وكانتيون، وكينيه، وسميث، وريكاردو، وماركس في سياق واحد، تتكشف أمامنا صورة مختلفة عن السردية التقليدية التي تقدم تاريخ الفكر الاقتصادي كأنه سلسال من الاكتشافات المتراكمة. فما يظهر هنا هو مسار طويل لتشييد طريقة جديدة لرؤية العالم. طريقة انتقلت فيها الشرعية تدريجيًا من النَّسب والحق الإلهيّ إلى العمل والإنتاج، ومن الامتياز الوراثي إلى الملكية والعقد، ومن السلطة التي تُمارَس بالسيف إلى السلطة الَّتي تُمارَس عبر الأرقام والجداول والنظريات. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تلك البدايات. لا لأن الماضي يحمل حلولًا جاهزة، ولا لأن الرواد الأوائل قالوا الكلمة الأخيرة، وإنما لأن كثيرًا من المفاهيم الَّتي تبدو اليوم بديهية ومحايدة، كالعمل، والإنتاج، والسُّوق، والنمو، والقيمة، خرجت عبر تاريخ طويل من الصراع وإعادة البناء والتبرير. ومن ثم فالرجوع إلى لحظة ميلاد هذه المفاهيم يعد أحد الطرق القليلة التي تسمح برؤية العالم الحديث وهو يتكوّن من جديد أمام أعيننا. ومن هنا تحديدًا يمكن فهم لماذا ظل الاقتصاد السياسي، رغم كل ما مرّ به من انقسامات نظرية وتحولات منهجية، يحتفظ بموقع استثنائي داخل الثقافة الحديثة. فالقضية تتعلق بالطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه، والطريقة التي يعرّف بها ما يُعدّ ثروة، وما يُعدّ عملًا، وما يُحسب إنتاجًا، ومن يملك حق القرار داخل عملية إعادة إنتاج الحياة كلها. ولم تكن يومًا قضية أسعار أو ضرائب أو وسائل تخصيص الموارد بالمعنى التقني الضيق. لقد ظهر الاقتصاد السياسي في لحظة كانت أوروبا تعيد فيها تنظيم علاقتها بالطبيعة وبالزمن وبالسلطة. ومع كل انتقال تاريخي كان يعيد إنتاج مفرداته ويغيّر مركز ثقله، من الأرض إلى العمل، ومن العمل إلى التبادل، ومن التبادل إلى الرأسمال، ومن وصف الحركة الاقتصادية إلى البحث في شروط وجودها نفسها. لهذا لا تكفي قراءة نصوص بتي أو كانتيون أو كينيه أو سميث أو ريكاردو أو ماركس بوصفها وثائق تخص تاريخ الأفكار؛ فهي تنتمي أيضًا إلى تاريخ تكوين العالم الذي لا نزال نسكنه. فالإنسان المعاصر ما زال يتحدث بلغة صيغت هناك. وحين يُقاس التقدم بمعدلات النمو، وحين يتحول الزمن إلى إنتاجية، وحين تُفهم الطبيعة باعتبارها موردًا، وحين يُعاد تعريف البشر وفق مواقعهم داخل عملية الإنتاج؛ فإن أصداء تلك اللحظة التأسيسيَّة تظل تعمل بوضوح في الخلفية حتى عندما يبدو، ظاهريًا، أنها اختفت. والسُّؤال الَّذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بما إذا كانت تلك اللغة صحيحة أو خاطئة، وإنما بمدى قدرتها على الاستمرار في تفسير عالم تغيّرت شروطه، واتسعت تناقضاته، وتشابكت أشكال السلطة فيه إلى حد تجاوز بكثير الأفق الّذي تحرك داخله المؤسسون الأوائل. وعند هذه النقطة تصبح العودة إلى تاريخ الاقتصاد السياسي فعلًا نقديًا بامتياز؛ لأن فهم الطريقة التي تكوّن بها هذا الخطاب يفتح المجال للتفكير في إمكانات أخرى للحياة والعمل والثروة والعلاقة بين الإنسان والعالم.
#محمد_عادل_زكي (هاشتاغ)
Muhammad_Adel_Zaky#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود
-
لاهوت القيمة
-
كيف تقاس القيمة؟ سؤال ماركس الَّذي يهرب منه الماركسيون
-
من أجل النفط
-
الحداثة: تحرير أم استعمار جديد للعقل؟
-
مأزق المشروعيَّة في ظل الجهل التَّشريعيّ
-
تحرير العقود، واستعباد البشر
-
تَرْسْمُل الرِّيع العَقَارِي
-
ضد أرجيري إيمانويل، وسمير أمين
-
أيْن الخَلَل؟ قراءةٌ في تُرَّهات التَّبادُل غَيْر المُتَكافئ
-
عن يسارٍ بلا مشروع، وقومية بلا مساءلة
-
التَّبادُل غَير المُتَكافئ: كذْبةُ الشَّمال الَّتي صدَّقها ا
...
-
المثقف اليساري: شبح بلا تاريخ
-
ماركس: الوثن الَّذي صنعته الهيمنة
-
إحياء قانون القيمة
-
الإمبرياليَّة والنفط، وخرائط الدّم
-
هل يمكن إنقاذ الاقتصاد السياسي؟
-
من بابل إلى لانكشير: تاريخ مقنّن للسيطرة
-
أزمة الماركسية في العالم العربي
-
صدمة الحداثة
المزيد.....
-
وسط غارات مكثفة.. الجيش الإسرائيلي يصنّف أجزاء واسعة من جنوب
...
-
اتهامات لعراقجي بالخيانة وتهديدات بإسقاط الحكومة.. كيف يحاول
...
-
حرب إيران مباشر.. ترمب يمهل طهران -فرصة وجيزة- وتصعيد إسرائي
...
-
سوريا تفرج عن دفعة جديدة من موقوفي -قسد-
-
الناتو أمام اختبار البقاء.. هل يتفكك الحلف الأطلسي من الداخل
...
-
وثيقة -مفبركة- وتهديد بـ-إنهاء المهمة-.. ماذا نعرف عن مفاوضا
...
-
ترامب غير راضٍ عن مقترحات إيران رغم تراجع خطر الحرب
-
إسرائيل توسع عملياتها في لبنان وتعلن الجنوب -منطقة قتال-
-
زيلينسكي يطلب من ترامب تعزيز دفاعات أوكرانيا الجوية
-
فيديو مزعوم لـ-نشر حاملة مروحيات مصرية قبالة سواحل سلطنة عُم
...
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|