محمد عادل زكى
(Muhammad Adel Zaky)
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 12:02
المحور:
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
(1) مأزق الوحدة المفقودة في الاقتصاد السياسي
إنّ تتبّع المسار التَّاريخي لتطوّر "مقياس القيمة" في الفكر الاقتصادي، بدءًا من الإرهاصات الأولى ]نتجاوز هنا التحليلات المبكرة عند أرسطو وابن خلدون[ مع آدم سميث، مرورًا بالتنقيحات الَّتي أدخلها ريكاردو، وصولًا إلى البناء النظري الَّذي شيده ماركس، يضعنا وجهًا لوجه مع أزمة معرفية يصعب غض الطَّرف عنها؛ وهي أنّ الاقتصاد السياسي، وهو العلم المنشغل بقانون القيمة، لم يفلح قط في إقامة "وحدة قياس موضوعيَّة" ومنضبطة للقيمة. القيمة الَّتي يشيد عليها الجسم النظري للاقتصاد السياسي وتتمفصل حولها قوانينه الموضوعية الحاكمة للانتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي.
لقد ظل "العمل" يُقدَّم طوال تاريخ الاقتصاد السياسي باعتباره المقياس النظري العام. غير أنّ المعضلة الكبرى بدأت حين اصطدم هذا التجريد بالواقع؛ فاختلاف الأعمال في مشقتها الجسدية، وتباينها في درجة الشدة والبراعة، جعل من تحويل الجهد البشريّ إلى "معيار قياس فعلي" وقابل للتطبيق أمرًا غير محسوم إبستمولوجيًا. وهكذا، استقر المبدأ النظري في مرتبة العقيدة الثابتة، بينما بقيت "أداة القياس" غائبة تمامًا، تاركةً فجوة هائلة بين ما تقوله النظرية في صمتها وبين ما يمارسه الواقع في ضجيجه. ان هذا المقال يوضح كيف تحوّل مفهوم اقتصادي يُفترض فيه الطابع العلمي الكمي إلى "عقيدة" محصنة بالتأويل، حيث يُقبل المقياس (الزمن) إيمانيًا لا برهانيًا.
(2) الهروب نحو السوق: استقالة النظرية عن دورها التفسيري
أمام العجز عن بلوغ وحدة قياس تنبع من داخل الجهاز المفاهيمي للنظرية نفسها، لجأ مؤسسو الاقتصاد السياسي إلى "حلٍ عملي" بسيط في مظهره، لكنه أزمة في حقيقته: وهو إحالة المسألة برمتها إلى "السُّوق". هناك، وفي خضم التفاعل العشوائيّ بين المنتجين، تتحدد العلاقات بين المنتجات فعلياً وتُختزل الأعمال المختلفة إلى أوزان نسبية عبر آلية العرض والطلب.
بيد أنّ هذه الإحالة لم تكن حلاً معرفيًا بقدر ما كانت "هروبًا" صريحًا؛ إذ فقدت النظرية، منذ تلك اللحظة، سيادتها وقدرتها على الاكتفاء بذاتها كنسق تفسيري مستقل. فبدلاً من أن تمتلك النظرية أدواتها الخاصة لتفسير الظَّاهرة الَّتي تدرسها (القيمة)، أصبحت تقف موقف المتفرج القلق، تنتظر بوقار "حكم السُّوق" لكي يمنحها الصلاحية والمعنى. إنّ النظرية الَّتي تستمد معيارها التفسيري الجوهري من ظاهرة تقع خارج حدودها (السُّوق) لا تقدّم تفسيرًا علميًا بقدر ما تقدّم وصَفاً لغوياً متأخرًا لواقعٍ قد حدث بالفعل، مما يحولها من "علم" يحلل القوانين الكلية إلى مجرد "وصف" يبرر النتائج القائمة.
(3) ماركس والقداسة النصية: الدفاع العقائدي في وجه الفحص العلمي
لقد تعاملت الأدبيات الاقتصادية اللاحقة مع هذا الارتباك لدى الرواد الأوائل باعتباره ضريبة ضرورية لمرحلة "البدايات التأسيسية". غير أنّ الأمر اكتسب طابعًا مختلفًا تمامًا، بل وخطرًا، عند الانتقال إلى التحليل الماركسي. فماركس لم يُقرأ كاقتصادي خاضع لمبضع النقد والتفنيد، إنما تحول في المخيال الجمعي لأتباعه إلى مرجعية فكرية كبرى وقبلة أيديولوجية لا يأتيها الباطل، الأمر الَّذي جعل التعامل مع نصوصه أقرب إلى "الدفاع العقائدي" المستميت منه إلى "الفحص العلمي" المحايد.
لقد قرر ماركس، بعبارة صريحة لا تحتمل اللبس في نصوصه، أنّ القيمة تُقاس بـ "زمن العمل الضروريّ اجتماعيًا". ووفق هذا التَّعريف، تصبح قيمة السلعة (كالقلم مثلًا) مساوية تمامًا لعدد السَّاعات الَّتي استغرقها إنتاجها. غير أنّ هذه الصياغة بحد ذاتها تطرح مشكلة منطقيَّة ولغوية فادحة؛ فإذا كانت القِيمة تُعرَّف جوهريًا بأنها "كمية العمل المتجسد" في السلعة، فإنّ القول بأن قيمة السلعة تساوي "ثلاث ساعات" يعني أننا حددنا "الزَّمن" الَّذي استغرقه الإنتاج، ولم نحدد "القيمة" ذاتها.
(4) معضلة الزمن: حين لا تفي المسطرة بالغرض
إنّ السَّاعة، في جوهرها الفيزيائيّ، هي وحدة قياس للزَّمن، وليست ولن تكون وحدة قياس للقيمة. ومن هنا، فإنّ ردّ القيمة إلى زمن العمل لا يقدّم قياساً حقيقياً لها، بقدر ما يستبدلها بشيء آخر غريب عن طبيعتها. إنّ العلاقة الوثيقة بين العمل والقيمة لا تكفي وحدها لشرعنة جعل "الزَّمن" وحدة قياس كونية لها. إنّ وحدة القياس، في أي علم رصين، يجب أن تنتمي في ماهيتها إلى طبيعة الكمية الَّتي تقيسها؛ ولهذا لا يمكن قياس الطول بالجالون، ولا قياس الارتفاع بالنيوتن، وبالمثل تماماً، لا يمكن لـ "وحدة الزمن" المجرّدة أن تكون وحدة قياس مباشرة لماهية القيمة الاقتصادية.
تظهر هشاشة هذا المقياس المقترح بوضوح أكبر عندما نحاول إنزاله من برج التَّجريد النظريّ إلى أرض الواقع المهني. فإذا كانت "ساعة العمل" هي المسطرة الوحيدة للقياس، فإنّ المنطق الدَّاخلي للنظرية سيقودنا حتماً إلى نتيجة عبثية ومجحفة: وهي أنّ ساعة عمل البنَّاء تعادل في قيمتها ساعة عمل الجرّاح، طالما أنّ كلتيهما تمثلان "ساعة واحدة" من العمل الضروريّ اجتماعيًا. هذا التجاهل القسري للفروق النوعية الهائلة بين الأعمال يضع النظرية أمام مأزق أخلاقي وعلمي لا مخرج منه، ويجعلها في صراع دائم مع الواقع المعاش.
(5) الانزياح نحو التأويل: "روبين" ونفي الوظيفة العملية
عند هذه النقطة الحرجة، برزت في الفكر الاقتصاديّ ثلاثة مسارات ممكنة للتَّعامل مع هذا الانكسار النظري:
المسار الأول: وهو الأقل رواجًا، يتمثل في الإقرار بوجود خلل بنيوي في "مقياس القيمة"، والبحث عن مقياس علمي دقيق يستعيد للاقتصاد السِّياسي صلابته التَّحليلية. وهذا المسار هو الَّذي انتهجتُه في أبحاثي، بدءًا من تفكيك المقياس السَّائد (زكي، 2021)، مرورًا بصياغة المقياس الصحيح علميًا للقيمة في إطار نقد الاقتصاد السِّياسي (زكي، 2021). وانتهاءً بإدخال الزَّمن في تكوين القيمة (زكي، 2025).
المسار الثاني: وهو المسار الَّذي سلكه ماركس وأسلافه، بالعودة الاضطراريَّة إلى "السُّوق" كحَكم نهائي يمتلك القدرة على معادلة الأعمال المختلفة وتحويلها إلى قيم تقريبية دون أي قانون موضوعي!
المسار الثالث: وهو الأكثر تعقيدًا وضعفًا في نفس الوقت، فبعد أن تم، وعلى استحياء وربما تَكتم، اكتشاف قصور النظرية وتوقفها على أبواب السُّوق تستجدي نسب التبادل بين الأعمال الَّتي تختلف شدةً وبراعة. جرى الدفاع عن النظرية عبر "تأويل" مشوَّه لنصوص ماركس بطريقة تنقذها من أزمتها، حتى لو انتهى الأمر بتغيير مضمونها الجوهري.
ولقد سلك عدد من المنظّرين، ومنهم إسحاق إيليتش روبين، هذا الطريق الأخير. فبدلًا من البحث عن المقياس الصحيح علميًا للقيمة، تم التأكيد، بالمخالفة تمامًا لجميع نصوص ماركس نفسه، على أن القيمة ليست ذات وظيفة عملية! وأن مهمة نظرية القيمة ليست القياس، وإنما تفسير "الطبيعة الاجتماعيَّة" للقيمة. وبذلك، تحوّلت المشكلة من مسألة قياس علمي إلى مسألة تأويل فلسفي. غير أنّ هذا التحول لم يحل المعضلة، بل أعاد صياغتها في لغة أكثر غموضًا وضبابية؛ حيث أصبحت القيمة تُعرَّف باعتبارها "شكلًا اجتماعيًا"، والعمل المجرد لم يعد استهلاكًا للطَّاقة البشرية بقدر ما أصبح تعبيرًا عن "علاقة اجتماعيَّة" تتجلى في السُّوق. وبهذا جرى نقل النقاش من ميدان القياس الكمي إلى ميدان المفاهيم المجردة، والضبابية، الَّتي يصعب إخضاعها لأي تحليل علمي رصين.
(6) حتمية الرقم: حينما تسقط النظرية بسقوط الحساب؟
لكن هذا المسار التَّأويلي يطرح سؤالًا بسيطًا وحاسمًا: مَن الَّذي قرر أنّ القيمة ليست ذات وظيفة عملية؟ وإذا كانت نظرية القيمة مجرد بناء نظريّ لا علاقة له بالقياس، فلماذا، وكيف، شيّد ماركس تحليله الكامل والضخم للرَّأسماليَّة عليها؟ إنّ كتاب "رأس المال" قائم في جوهره وفي جميع تفاصيله على حسابات محدّدة وصارمة: الأجور، الأرباح، الريوع، وتجديد الإنتاج الاجتماعي. كلها تعتمد كليًا على وجود كميات قابلة للحساب والمقارنة.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فإذا كانت القيمة غير قابلة للقياس، فإنّ الحديث عن "القِيمة الزائدة" يفقد كل معناه العملي. إنّ الاستغلال الاقتصاديّ، مثلًا، لا يمكن إثباته عبر الانطباعات الأخلاقيَّة، بل عبر المقارنة الكمية الدقيقة بين العمل المدفوع والعمل غير المدفوع. فالاستغلال ليس إحساسًا اجتماعيًا مبهمًا، وإنما هو علاقة كمية قابلة للحساب في دفاتر الأرقام. الأمر نفسه ينطبق على ما يسمى بالتبادل غير المتكافئ بين الدول. فالكلام عن انتقال القيمة من جنوب متخلّف فقير إلى شمال متقدم غني يظل خطابًا إنشائيًا مُفعم بكلماتٍ عاطفية ما لم يتحول إلى أرقام محددة: كم ساعة عمل انتقلت وسُلبت؟ وكم قيمة مادية انتُزعت ونهبت؟ من دون هذا التحديد الكمي، يظل الخطاب الاقتصادي أقرب إلى الرطانة اللغوية منه إلى التَّحليل العلمي الجاد.
(7) حين تنتهي البلاغة ويبدأ الرقم
إنّ العلم، في تعريفه الأكثر صرامة، يبدأ حيث يبدأ القياس. فحين تتحول المفاهيم إلى كيانات هلاميَّة غير قابلة للحساب، تفقد بالضرورة قدرتها التفسيرية. ولهذا فإن النظرية الَّتي تعجز عن تحديد وحدة قياس واضحة لظاهرتها الأساسية لا تقدّم قانونًا علميًا بقدر ما تقدّم وصفًا لغويًا، ومتهافتًا، للعالم.
إن الدفاع الأجوف عن النظرية، دون مواجهة مأزقها المركزي، يُفضي حتمًا إلى تجريدها من صبغتها العلميَّة وتحويلها إلى مجرد "لاهوت" عقائديّ. فالمراوغة المنهجية عبر بناء منظومة لغوية من المفاهيم الضبابية تنتهي، في التحليل الأخير، بالارتهان لقوانين السُّوق بوصفها الحكم النهائي. بيد أنَّ الواقع الماديّ للاقتصاد يتسم بصرامة تتجاوز تلك الصياغات المجازية؛ فعلاقات الإنتاج تقوم على استحواذ الرَّأسمالي على "القِيمة الزائدة" المستخلصة من كدح العامل (سواء أكان حفار المنجم أم أستاذ الجامعة)، بعيدًا عن أي تأويلات وجدانية أو مشاعر جياشة! فهذه القيمة تخضع لقوانين الحساب الرياضيّ، فتُقيد في الدفاتر المحاسبية وتتحول إلى أرصدة بنكية سائلة؛ وعند هذه النقطة، تسقط الأقنعة كافة، وتنفرد حقيقة الأرقام الصماء وحدها بالمشهد.
مراجع
Rubin, I. I. (1972) Essays on Marx s Theory of Value. Translated by M. Samardžija and F. Perlman. Detroit: Black & Red.
Zaky, M. A. (2021a) ‘A Critique of the Measure of Value: A Study in the Principles of Political Economy’, Economic Consultant, 4, pp. 84–110.
Zaky, M. A. (2021b) Critique of Political Economy. Vol. 1. Cairo: Hindawi Foundation.
Zaky, M. A. (2025) ‘Value / Time: An Essay on the Principles of Political Economy’, African Journal of Economic Review, 13(2), pp. 90–103.
#محمد_عادل_زكي (هاشتاغ)
Muhammad_Adel_Zaky#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟