أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكى - تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود















المزيد.....

تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود


محمد عادل زكى
(Muhammad Adel Zaky)


الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 02:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ابتداءً من أوائل القرن السَّادس عشر جرى استخدام مصطلح (وديعة) لستر العلاقة الحقيقية الَّتي تتجسَّد في القرض المحرم في التَّعاليم الكَنسية.(1) ويعود الخلاف بين فقهاء القانون الخاص في تكييف (ودائع المصارف المأذون باستعمالها) إلى استخدام لغة مصطلحيَّة مضللة من جهة، وإلى عدم التَّحليل الحقوقي السليم لطبيعة العملية نفسها من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أن المشرع في مصر قد حسم المسألة، بعباراتٍ صائبة، حينما قرر في المادة 726 من التقنين المدني: "إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود... وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر قرضًا". فإن المشكلة تبدأ حينما يستخدم المشرع نفسه مصطلح "الملكية"! كما في المادة 301 من قانون التجارة، حينما يقرر أن: "البنك يتملك النقود". وحينما يقرر صراحة أيضًا في المادة 538 من التقنين المدني أن:"المقرض في عقد القرض ينقل ملكية مبلغ من النقود إلى المقترض". وهو نص يوحي بأن النقود انتقلت ملكيتها الكاملة من المقرض إلى المقترض، وبالتَّالي صار يسيرًا ترتيب النتائج على ذلك حينما تهلك النقود، فهي تهلك على المصرف؛ لأنها المالك بموجب نص المادة! وهذا غير صحيح؛ والدليل أن النقود الَّتي يقترضها المصرف تقيَّد في ميزانيته في جانب الخصوم لا الأصول. كما أن ترخيص المشرع للمصرف بأن يدفع طلب الاسترداد بالمقاصة يؤكد على أن المصرف لم يكن مالكًا أبدًا للنقود المودعة. أضف إلى ذلك أن التزام المصرف بالرد سينعدم، بمجرد الاعتراف بملكية المصرف للنقود! وحينما نبحث عن سبب التزام المصرف، أي سبب دفع المصرف المبلغ السَّابق إيداعه، مع افتراض ملكية المصرف له، فإذا قلنا أن سبب الالتزام هو العقد، فلن يكون أمامنا سوى القول بأن مصدر الالتزام هنا سيكون الهبة والإرادة المنفردة، وهو قول يتنافى مع الواقع والمنطق الفقهيين السليمين. ونحن نرى أن التَغلْغل في عمق عملية الإيداع النقدي، المقترن بالإذن بالاستعمال، إنما يجعلنا أمام عقد قرض قائم على إيجار للنقود مع بقاء الملكية للمقرض. هذا الإيجار يتضمن بطبيعته بيع حَقي الانتفاع والاستغلال. وبيع هذين الحقين هو بمثابة بيع حصة، نصيب، في الشيء الَّذي يهلك مع كل انتفاع به واستغلال له (والنقود تهلك بتراجع قوتها الشرائية) ويمكننا أن نقارن، على هذا النَّحو، بين الرأسمالي الَّذي يبني بيتًا وفقًا لقانون حركة الرأسمال الصناعي بقصد تأجيره، وبين الرأسمالي الَّذي يستثمر النقود بإقراضها للمصرف. فالأول يحصل على ربحه ببيع حق الانتفاع والاستغلال للمستأجر. ومع الانتفاع والاستغلال عبر الزمن يأخذ البيت في التهالك حتى يصبح غير صالح لأي من الانتفاع والاستغلال، إذ في كل مرة تباع فيها المنفعة لشخص ما تأخذ قيمة البيت في التراجع. ومع كل تراجع في القِيمة، يحصل الرأسمالي، على دفعات، على رأسماله محملًا بالربح. أما الرأسمالي الثاني الَّذي أقرض المصرف، وفق قانون الحركة الرأسمال المالي فهو كذلك يحصل على دخله من وراء هذه العملية حتى تصبح نقوده، مع تراجع قوتها الشرائية عبر الزمن، غير قادرة على إنتاج الدَّخل. فلو افترضنا أنه يملك في عام 1960 مبلغ 400 جنيهًا، فسوف يظل يقرض المصرف هذا المبلغ، ويحصل على الفائدة. وفي كل مرة يراكم الفائدة ويعيد إقراض نفس مبلغ الرأسمال، حتى تصبح الـ 400 جنيه غير ذات قيمة كي يقرضها للمصرف بالأساس، ولكن هذا الرأسمالي عبر سنوات الإقراض يكون قد حصل على قيمة الـ 400 جنيه حتى تمام هلاكها في عام 2010، بتراجع قوتها الشرائيَّة وفقدها القدرة على إنتاج الربح.(2) وبالتَّالي يعد إيداع النقود مع الإذن باستعمالها قرضًا بتلك الكيفية الَّتي ترى بقاء ملك الرقبة للمقرض، وانتقال ملك المنفعة والاستغلال فحسب للمقترض.(3) وعلى هذا النحو يمكن التأسيس لعدم هلاك الوديعة على مالك الوديعة، وهلاكها على المصرف على الرغم من أنه غير مالك، وفقًا لقاعدة "تضمين الصَّانع". وهي قاعدة أصوليَّة جرى خلقها للمصلحة(4) ويجب تطبيقها من باب أولى مع المصارف؛ لا لأن الوديعة الَّتي يستخدمها تجر عليه نفعًا فحسب، إنما لأن المصارف كذلك هي الطَّرف الأقوى والأكثر وعيًا ودراية، حتى أنه لمن الشَّائع والمألوف خروج المشرع على القواعد العامة حينما يكون المصرف هو أحد أطراف النزاع كما في قواعد الحجز، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار... إلخ. فإنَّ تتبع الجذور التَّاريخية لقاعدة تضمين الصنَّاع يكشف عن مسارٍ تشريعيّ تحوَّل من إرساء "الأمانة" كأصلٍ أخلاقي إلى فرض "الضمان" كضرورةٍ اجتماعية؛ ففي العصر النبوي وصدر الإسلام، استقرَّ الحكم على اعتبار يد الصانع "يد أمانة" قياسًا على المودع عنده، وهو تكييفٌ عكس طبيعة المجتمع القائم آنذاك ربما على الوازع الدينيّ، حيث يتحمل مالك العين تبعة الهلاك ما لم يثبت التعدَّي. غير أنَّ اتساع رقعة الدولة واختلاط البنى الاجتماعيَّة أفرز ظواهر سلوكية جديدة اتَّسمت بالإهمال أو التفريط، مما دفع العقل الفقهيّ لإعادة النظر في هذا الفراغ التشريعيّ صيانةً لحقوق النَّاس. ويبرز الإمام علي في هذا السياق بوصفه المشرِّع الأول لهذا التَّحول، حين قرر تضمين الصنَّاع انطلاقًا من مبدأ "الاستصلاح"، مرسيًا بذلك دعائم المسؤوليَّة المهنية بقولته الفاصلة: "لا يصلح الناس إلا ذاك"؛ إذ كان الهدف صون الملكية الخاصة من التآكل الماديّ تحت يد المحترفين. وقد تبلورت القاعدة تاريخيًا عبر التمييز الدقيق بين الأجير الخاص والأجير المشترك، حيث نُظر إلى الأخير باعتباره صاحب مهنة يفتح دكانه للجمهور ويجني ربحًا مطردًا من حيازة أعيانهم، وبمقتضى قاعدة "الغرم بالغنم"، أُلحق به الضمان التزامًا بتبعات النَّفع الذي يجنيه. وقد استند التأصيل الفقهي لهذه القاعدة إلى سد الذرائع، درءًا لما قد يتذرع به الصناع من هلاكٍ قهري لستر إهمالهم أو خيانتهم، فكانت القاعدة سياجًا حمائيًا يمنع الإغراء بالتبديد قبل أن تكون جزاءً على الفعل. وتعمق هذا المنحى لدى المالكية بتقرير الضمان في كل ما "يغيب عليه الصانع"، وهو ما نقل الفقه من دائرة البحث في النوايا والتقصير إلى دائرة النتائج المادية الملموسة؛ فالعين تلفت في حوزة الصانع المنفردة، مما يوجب عليه الضمان بقوة القانون. وهذا النَّسق التَّاريخيّ يتقاطع كليًا مع الوضع الرَّاهن للمصارف؛ فإذا كان الفقه قد شدد في ضمان "الخياط" و"الصبَّاغ" حمايةً لأعيان يسيرة، فإنَّ الأولوية تقتضي تضمين المصرف حمايةً للقوة الشرائية لمدخرات المجتمع، نظرًا لتحقق علة الضمان في المصرف بتركيزٍ أكبر بوصفه الطرف الأقدر على إدارة المخاطر والأولى بتحمل تبعات الصنعة الائتمانية.

حواشي
-------
(1) انظر:
Baudry-Lacantinebie, Albert Wahl, Traité théorique et pratique de droit civil: De la société, du prêt, du dépôt (Paris: Librairie du Recueil général des Lois et des Arrêtés et du journal du palais, 1898), pp.423-424.
(2) نجد عند ايرفنج فيشر وصفًا قريبًا لهذه العملية بمصطلح "معدل الرسملة"، والَّذي يقصد به عدد السنوات الَّتي يتدفق خلالها مبلغ من الدخل مساو للرأسمال. انظر:
Irving Fisher, The Nature of Capital and Income (New York: The Macmillan & Co., Ltd, 1906), p.194.
(3) وليس كذلك وديعة ناقصة، كما تصور السنهوري. انظر: السنهوري، الوسيط، ، ج5، ص429.
(4) "وخصص العلماء من ذلك الصناع وضمنوهم نظرًا واجتهادًا لضرورة الناس... فلو علموا أنهم لا يضمنون ما تلف لسارعوا إلى أخذ أموال الناس. والضرورة داعية إليهم". انظر: المعداني، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص73-78. وقال الشاطبي في الموافقات:"إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين". الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج4، ص291. وكذلك: الشاطبي، الاعتصام، ج2، ص617. مالك بن أنس، المدونة الكبرى، ج3، ص399. أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج4، ص18. السرخسي، المبسوط، ج15، ص82. ابن قدامة، الكافي في فقه الإمام أحمد، ج2، ص184.



#محمد_عادل_زكي (هاشتاغ)       Muhammad_Adel_Zaky#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لاهوت القيمة
- كيف تقاس القيمة؟ سؤال ماركس الَّذي يهرب منه الماركسيون
- من أجل النفط
- الحداثة: تحرير أم استعمار جديد للعقل؟
- مأزق المشروعيَّة في ظل الجهل التَّشريعيّ
- تحرير العقود، واستعباد البشر
- تَرْسْمُل الرِّيع العَقَارِي
- ضد أرجيري إيمانويل، وسمير أمين
- أيْن الخَلَل؟ قراءةٌ في تُرَّهات التَّبادُل غَيْر المُتَكافئ
- عن يسارٍ بلا مشروع، وقومية بلا مساءلة
- التَّبادُل غَير المُتَكافئ: كذْبةُ الشَّمال الَّتي صدَّقها ا ...
- المثقف اليساري: شبح بلا تاريخ
- ماركس: الوثن الَّذي صنعته الهيمنة
- إحياء قانون القيمة
- الإمبرياليَّة والنفط، وخرائط الدّم
- هل يمكن إنقاذ الاقتصاد السياسي؟
- من بابل إلى لانكشير: تاريخ مقنّن للسيطرة
- أزمة الماركسية في العالم العربي
- صدمة الحداثة
- الرأسمالية كحضارة نفي: حين يحكم الربح مسار الإنتاج


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد عادل زكى - تضمين المصارف: قراءة في إيجار النقود