محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 08:52
المحور:
قضايا ثقافية
حبق…
في القرية،
لا تبدأ الحكايات بالكلمات،
بل بالرائحة.
رائحة الحبق تحديدًا…
تسبق الذاكرة بخطوة،
وتفتح أبوابًا لا تُرى،
كأنها تقول: هنا… حدث شيء جميل.
كنتُ أمرّ قرب بيتكم كل صباح،
لا لأمرّ فقط…
بل لأبطئ.
كأن الطريق، هناك، يطلب من العابر أن يُصغي.
وعلى الشباك،
كانت أصص الحبق مصطفّة،
خضراء… حيّة…
تشبهكِ.
لم نكن نعرف أننا نقترب.
كل شيء كان بسيطًا إلى حدّ البراءة:
تحية سريعة،
سؤال عن الطقس،
ضحكة عابرة…
لكن بين هذه التفاصيل الصغيرة،
كان شيءٌ ينمو.
ببطءٍ ريفيّ،
لا يستعجل الثمر،
ولا يخاف من الانتظار.
كنتِ تسقين الحبق كل صباح،
وأقف، بعيدًا قليلًا،
أراقب الماء وهو ينساب على التربة،
وأفكر:
هل يمكن لعلاقةٍ أن تنمو هكذا؟
بقطراتٍ قليلة…
لكن ثابتة؟
مرّت الأيام،
وصار للحبق دورٌ آخر.
لم يعد مجرد نبتة،
بل صار إشارة.
إذا كان مزهرًا…
فأنتِ بخير.
إذا ذبل قليلًا…
فثمة تعبٌ مرّ من هنا.
كنتُ أقرأكِ من أوراقه،
وأفهم ما لا يُقال.
في إحدى الأمسيات،
جلستِ قرب الباب،
وقد وضعتِ غصن حبقٍ خلف أذنك.
لم تقولي شيئًا…
لكنني فهمتُ كل شيء.
اقتربتُ،
وجلستُ على المسافة التي تسمح للقلب أن يسمع نفسه.
تحدثنا…
عن الأرض، عن الموسم، عن المطر…
لكننا، في الحقيقة،
كنا نتحدث عنّا.
لم نقل “نحبّ”.
في الريف،
الأشياء الكبيرة لا تُقال كثيرًا.
تُزرع.
ومنذ ذلك اليوم،
صارت علاقتنا تشبه الحقل:
نحرثها بصبر،
نسقيها بعناية،
ونترك للشمس أن تفعل ما لا نستطيع.
تعبنا أحيانًا،
وجفّت أيام،
وتأخّر المطر…
لكننا لم نترك الأرض.
كنا نعرف،
أن ما يُزرع بصدق…
يُثمر،
ولو بعد حين.
اليوم،
حين أمرّ قرب البيت،
أرى الحبق ما زال هناك،
أكثر خضرة،
أكثر امتلاء.
أبتسم…
وأفهم أخيرًا:
أن بعض العلاقات
لا تُكتب في رسائل،
ولا تُعلن في كلمات…
بل تُزرع،
وتُسقى،
وتكبر بهدوء…
حتى تصير…
رائحةً لا تغيب. 🌿
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟