محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 22:32
المحور:
قضايا ثقافية
أتصوّره يدخل بهدوء،
يرتّب نظارته،
ينظر حوله…
ثم يسأل بسخريةٍ رفيعة:
“هل هذا هو العالم الذي كنّا نخطّط له… أم نسخة تجريبية خرجت عن السيطرة؟”
أشير له إلى الأخبار،
إلى الخرائط التي تغيّرت ألوانها،
إلى تحالفاتٍ تُعلن صباحًا وتُلغى مساءً،
وأقول:
“تفضّل… لقد أصبح كل شيء أسرع.”
يجلس،
يتأمل المشهد طويلًا،
ثم يبتسم تلك الابتسامة التي لا تُطمئن،
ويقول:
“أسرع… نعم.
لكن ليس بالضرورة أذكى.”
في زمنه،
كانت السياسة لعبة شطرنج.
اليوم…
صارت مزيجًا من الشطرنج وألعاب الفيديو:
حركات سريعة،
قرارات فورية،
ومكافآت لمن يضغط الزر في الوقت المناسب.
الغرب،
الذي كان يتحدث بثقة الأستاذ،
صار يشرح نفسه أكثر مما يشرح العالم.
والشرق،
الذي كان يُتّهم بالغموض،
أصبح يُتقن فنّ الوضوح المفاجئ… حين يلزم.
الكل يتحدث عن “النظام الدولي”،
لكن لا أحد يملك دليله.
كأننا في قاعة كبيرة،
الجميع فيها يلقي خطابًا،
ولا أحد يستمع.
أقول له:
“اليوم، كل دولة لديها استراتيجية.”
يردّ:
“طبعًا…
لكن من لديه صبر الاستراتيجية؟”
أشير إلى وسائل الإعلام،
إلى التحليلات السريعة،
إلى الخبر الذي يعيش ساعة ثم يُستبدل،
فيهزّ رأسه:
“كنا نحتاج سنواتٍ لنفهم أزمة…
وأنتم تحتاجون دقيقةً لتجاوزها.”
الطريف،
أن الجميع يتحدث عن السلام،
لكن كلٌ بطريقته.
سلامٌ مشروط،
سلامٌ مؤقت،
سلامٌ يُوقّع ثم يُعاد تفسيره.
أما الحروب،
فلم تعد تُعلن دائمًا.
تبدأ كعقوبات،
تتطور إلى رسائل،
ثم تنتهي إلى واقع…
يُسمّى لاحقًا “أمرًا واقعًا”.
أسأله:
“هل كنت تتوقع هذا؟”
يضحك قليلًا:
“كنت أتوقع الفوضى…
لكنني لم أتوقع أن تُدار بهذا القدر من الثقة.”
ثم يضيف، بنبرةٍ أقرب إلى التأمل:
“المشكلة ليست في أن العالم تغيّر…
بل في أن الجميع يتصرف كأنه لم يتغير.”
الغرب لا يزال يعتقد أنه المركز،
والشرق لا يزال يثبت أنه ليس الهامش،
وبينهما…
عالمٌ كامل يحاول أن يفهم
كيف يُكتب تاريخه دون أن يُملى عليه.
أقول له:
“اليوم، الكل لاعب.”
يردّ:
“صحيح…
لكن ليس الكل يعرف قواعد اللعبة.”
نصمت لحظة.
ننظر إلى خريطةٍ لم تعد تُشبه نفسها.
ثم يقول، وكأنه يخاطبنا جميعًا:
“السياسة، في جوهرها،
ليست فقط مصالح…
بل فهم حدود تلك المصالح.”
وأضيف، بابتسامةٍ خفيفة:
“وربما… قليل من التواضع.”
ينهض،
يستعدّ للمغادرة،
يلتفت أخيرًا،
ويقول:
“احرصوا على شيء واحد…”
أسأله:
“ما هو؟”
يجيب:
“أن لا تتحولوا من لاعبين…
إلى ساحة.”
ويمضي،
كأنّه لم يعد،
أو كأنّه لم يغادر أصلًا.
وأبقى أنا…
أنظر إلى العالم،
وأتساءل:
هل نلعب حقًا…
أم أننا نُلعَب؟
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟