محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 10:26
المحور:
قضايا ثقافية
في عالمٍ لا يعترف بالمفارقات بل يعيش عليها، قررت إيران أن تحاصر العالم عبر مضيق هرمز، بينما قررت الولايات المتحدة أن تحاصر إيران نفسها.
وهكذا، وجدنا أنفسنا أمام معادلة عبقرية:
حصار + حصار = لا أحد يعرف من يحاصر من.
أولًا: مضيق هرمز… الشريان الذي أصيب بفوبيا المرور
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان الطاقة العالمي. تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط، ما يجعله أهم من إشارات المرور في مدينة بلا قوانين.
لكن حين تهدد إيران بإغلاقه، يتحول المشهد إلى ما يشبه إعلانًا عالميًا:
“نأسف، العالم مغلق مؤقتًا بسبب أعمال السيادة.”
في المقابل، ترد أمريكا بلهجة هادئة جدًا تشبه تهديدًا مغلفًا:
“حرية الملاحة خط أحمر.”
وهو تعبير يمكن ترجمته إلى: سنعيد فتح المضيق… ولو اضطررنا لإغلاق المنطقة بأكملها.
ثانيًا: الحصار الأمريكي… عندما تتحول الدولة إلى جزيرة
من جهتها، تمارس الولايات المتحدة نوعًا آخر من الحصار، لا يحتاج إلى سفن حربية، بل إلى توقيع واحد على ورقة:
عقوبات اقتصادية،
قيود مصرفية،
حصار مالي يجعل الدولار عملة “ممنوعة التداول إلا بإذن”.
وهكذا، تصبح إيران محاصرة من الخارج، بينما تحاول هي أن تحاصر الخارج من البحر.
إنه مشهد عبثي يليق بمسرحية لا تنتهي… تمامًا كما في “في انتظار غودو”.
ثالثًا: العالم… جمهور في مسرحية بلا نهاية
الدول الأخرى تتابع العرض بقلق:
أوروبا تطلب “ضبط النفس”، وهي عبارة دبلوماسية تعني: نرجوكم لا ترفعوا أسعار الغاز أكثر.
آسيا تراقب ناقلات النفط كما يراقب المريض جهاز التنفس.
ودول الجوار… تحاول ألا تكون موقع التصوير التالي.
أما الأسواق العالمية، فهي أكثر حساسية من أي طرف سياسي:
مجرد تصريح غاضب كفيل برفع الأسعار،
ومجرد تغريدة كفيلة بإرباك الاقتصاد.
رابعًا: الحصار المتبادل… لعبة شد الحبل بدون حبل
المثير للسخرية أن كلا الطرفين مقتنع بأنه الطرف المظلوم:
إيران ترى أنها تدافع عن سيادتها،
أمريكا ترى أنها تدافع عن النظام العالمي،
وفي المنتصف، يقف العالم متسائلًا:
هل هناك نظام أصلًا… أم أننا جميعًا داخل تجربة طويلة لقياس حدود الصبر؟
خامسًا: الاقتصاد… الضحية التي لا تُذكر في الأخبار
في خضم هذا الصراع، ينسى الجميع أن:
أسعار الوقود ترتفع،
سلاسل الإمداد تتعطل،
الشعوب تدفع ثمن قرارات لم تُستشر فيها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الحصار يُفترض أن يضغط على الحكومات،
لكنه غالبًا يضغط على الناس… حتى الاختناق.
خاتمة: في انتظار من؟
كما في مسرحية “في انتظار غودو”، الجميع ينتظر:
إيران تنتظر رفع العقوبات،
أمريكا تنتظر تغيير السلوك،
العالم ينتظر الاستقرار،
لكن غودو لا يأتي.
ويبقى السؤال معلقًا:
هل سينتهي هذا الحصار حين يملّ المحاصرون… أم حين ينهار المحاصرون؟
أم أننا سنظل عالقين في هذه الدائرة العبثية، حيث
كل طرف يغلق الباب… ويحتفظ بالمفتاح لنفسه؟
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟