محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 11:25
المحور:
قضايا ثقافية
في الشرق… حين يصبح تمجيد العائلة مرضًا عضالًا
في الشرق، لا تموت وحدك.
تموت معك شجرة العائلة، وتُدفن إلى جانبك قائمة طويلة من “آل فلان وآل علّان”، وكأن النعوة ليست إعلان وفاة، بل بيان نسب رسمي يذكّر العالم بأن الدم هنا… “مميّز”.
تفتح صفحة النعوات، فتشعر أنك تقرأ دليلًا للقبائل المعاصرة:
الراحل ابن “العائلة الكريمة”، وصهر “العائلة العريقة”، وقريب “العائلة الأصيلة”،
حتى لتظن أن الموت نفسه يمر عبر لجنة تحقيق:
“من أي عائلة أنت… قبل أن نسمح لك بالرحيل؟”
أولًا: العائلة… حين تتحول إلى ماركة مسجلة
في بعض المجتمعات، لم تعد العائلة رابطة إنسانية، بل علامة تجارية:
اسم يُسوَّق،
تاريخ يُضخَّم،
وسمعة تُلمَّع حتى لو كانت تحتاج إلى غسيل عميق.
لا يهم من أنت… المهم: من “آلك”.
وكأن الفرد مجرد ملحق صغير في ملف ضخم اسمه العائلة.
ثانيًا: الدم الأزرق… في زمن فقر الدم
الغريب أن الجميع يتصرف وكأن دمه أزرق،
بينما الواقع يقول إن معظمنا يعاني من فقرٍ في كل شيء… إلا في الألقاب.
عائلة “كبيرة”،
تاريخ “مشرف”،
أصل “عريق”،
لكن حين تسأل: “ماذا قدّم هذا الأصل؟”
يصمت الجميع، لأن الإجابة غالبًا… مجرد رواية متوارثة، لا أكثر.
ثالثًا: من النعوة إلى الأسطورة
النعوة في هذه الحالة ليست إعلان حزن، بل مهرجان تمجيد جماعي:
يُذكر فيها كل من يحمل اللقب، حتى أولئك الذين لا يعرفون الراحل إلا عبر “القروب العائلي”.
وكأن الهدف ليس توديع إنسان،
بل إعادة تذكير المجتمع بأن:
“هذه العائلة ما زالت هنا… حتى في الموت.”
رابعًا: لو كان إدغار ألان بو بيننا
لو كان إدغار ألان بو بيننا،
ربما لم يحتج إلى خيال مرعب ليكتب عن الرعب…
كان يكفيه أن يقرأ بعض النعوات.
في قصته “سقوط بيت آشر”، لم يكن الانهيار مجرد جدران تتداعى،
بل عائلة منهكة بثقل تاريخها،
منغلقة على نفسها،
تتآكل ببطء… حتى تسقط.
أليس هذا ما يحدث أحيانًا؟
عائلات تعيش على أمجاد قديمة،
تغلق أبوابها على نفسها،
تقدّس اسمها أكثر من إنسانها،
ثم تتفاجأ… حين تبدأ بالتصدع من الداخل.
خامسًا: تمجيد العائلة… حين يصبح عبئًا
المشكلة ليست في العائلة،
بل في تحويلها إلى مقدّس لا يُمس:
لا نقد،
لا مراجعة،
لا اعتراف بالأخطاء.
وهكذا، يتحول الاسم من مصدر فخر… إلى قيد ثقيل،
يحمله الأبناء، حتى لو لم يختاروه.
خاتمة: من يسقط أولًا؟
في النهاية، السؤال ليس:
هل تسقط العائلات؟
بل:
متى تسقط… وكيف؟
هل تسقط حين تنهار القيم؟
أم حين يصبح الاسم أهم من الإنسان؟
أم حين نصل إلى مرحلة،
نكتب فيها النعوة كأنها إعلان فخر،
وننسى أن الموت… لا يعترف بالألقاب؟
ربما لم يكن رودريك آشر وحده من عاش في بيت يتداعى،
ربما نحن أيضًا…
لكننا مشغولون بتلميع الاسم على الباب،
بدل أن نلاحظ أن الجدران… بدأت تتشقّق.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟