|
|
ألمانيا إلى الواجهة من جديد
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 12:45
المحور:
قضايا ثقافية
بين إعادة التسلّح وذاكرة الأربعينيات: قراءة تحليلية في التحولات الألمانية المعاصرة مقدمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بقيت ألمانيا تعيش تحت ثقل الذاكرة التاريخية المرتبطة بالنازية والهزيمة العسكرية والانقسام الجغرافي والسياسي. وقد بدا لعقود طويلة أن الدولة الألمانية الحديثة اختارت نهج “القوة الاقتصادية بدل القوة العسكرية”، مكتفيةً بدور اقتصادي مركزي داخل الاتحاد الأوروبي، ومتحفظةً تجاه أي طموحات عسكرية قد تعيد إلى الأذهان أشباح الماضي. غير أن التحولات الدولية المتسارعة، ولا سيما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، دفعت ألمانيا إلى مراجعة عقيدتها الأمنية بصورة غير مسبوقة. فقد أعلنت برلين عن خطط ضخمة لإعادة بناء الجيش الألماني، وتخصيص مئات المليارات لتحديث قدراته العسكرية، في خطوة وصفها بعض المراقبين بأنها “العودة الألمانية الكبرى إلى المسرح الجيوسياسي”. لكن هذه العودة لا تُقرأ فقط من زاوية الأمن والدفاع، بل تستحضر أيضًا أسئلة تاريخية حساسة تتعلق بطبيعة الدولة الألمانية الحديثة، ومدى القطيعة الحقيقية مع إرث الرايخ الثالث، والدور الأنجلوساكسوني في إعادة تشكيل ألمانيا بعد عام 1945. أولًا: التحول العسكري الألماني الجديد في عام 2022 أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز ما سمّاه “التحول التاريخي” (Zeitenwende)، متعهدًا بإعادة بناء الجيش الألماني وتخصيص صندوق دفاعي استثنائي بقيمة 100 مليار يورو لتحديث قوات Bundeswehr. هذا القرار لم يكن مجرد استجابة ظرفية للحرب في أوكرانيا، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في الرؤية الغربية لدور ألمانيا داخل المنظومة الأطلسية. فواشنطن ولندن تدفعان منذ سنوات باتجاه تحمّل ألمانيا مسؤولية عسكرية أكبر داخل الناتو، خاصة مع تصاعد التوتر مع روسيا وتراجع الثقة بقدرة النظام الأمني الأوروبي التقليدي على مواجهة التحديات الجديدة. وتشير تقارير استراتيجية غربية إلى أن ألمانيا مرشحة لتكون العمود العسكري الأساسي للقارة الأوروبية خلال العقود المقبلة، ليس فقط بسبب قوتها الاقتصادية، بل أيضًا بسبب موقعها الجغرافي وقدرتها الصناعية والتكنولوجية الهائلة. ثانيًا: ذاكرة الأربعينيات والقلق الأوروبي رغم أن ألمانيا المعاصرة دولة ديمقراطية تختلف جذريًا عن ألمانيا النازية، فإن أي مشروع لإعادة التسلح الألماني يثير تلقائيًا ذاكرة الحرب العالمية الثانية في الوعي الأوروبي. فالجيش الألماني الجديد لا ينشأ في فراغ تاريخي، بل فوق أنقاض تجربة عسكرية قادت أوروبا إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ. ولهذا فإن تنامي القوة العسكرية الألمانية يخلق حالة مزدوجة من الحاجة والقلق لدى الدول الأوروبية: الحاجة إلى ألمانيا كقوة قادرة على حماية أوروبا. والخوف من عودة المركزية الألمانية بأشكال جديدة. هذه المفارقة تجعل من المشروع العسكري الألماني قضية تتجاوز البعد التقني أو الدفاعي، لتصبح مسألة مرتبطة بالذاكرة الجماعية الأوروبية وبسؤال الهوية السياسية للقارة. ثالثًا: محاكمات نورمبرغ وحدود العدالة التاريخية بعد سقوط النظام النازي، شكّلت محاكمات نويمبرغ لحظة مفصلية في التاريخ القانوني والسياسي العالمي، إذ حوكم عدد من كبار القادة النازيين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لكن العديد من الباحثين يرون أن تلك المحاكمات اقتصرت على شريحة محدودة من النخبة السياسية والعسكرية، بينما نجا عدد كبير من رجال الصناعة والمال والإدارة الذين شكّلوا العمود الفقري الاقتصادي للنظام النازي. فشركات ألمانية كبرى وقطاعات صناعية كاملة كانت جزءًا من اقتصاد الحرب، ومع ذلك أُعيد دمج كثير من كوادرها بسرعة في النظام الاقتصادي الجديد الذي رعته القوى الغربية، خاصة مع بداية الحرب الباردة والحاجة إلى بناء جبهة قوية ضد الاتحاد السوفييتي. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن العدالة الانتقائية في مرحلة ما بعد الحرب ساهمت في الحفاظ على شبكات النفوذ القديمة داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد، ولو بصيغ جديدة وأكثر براغماتية. رابعًا: إعادة دمج النخب القديمة في ألمانيا الجديدة تكشف وثائق ودراسات تاريخية متعددة أن عملية “اجتثاث النازية” لم تكن شاملة كما رُوِّج لها رسميًا. فقد أعادت ألمانيا الغربية، بدعم أمريكي–بريطاني، دمج عدد كبير من الموظفين السابقين في مؤسسات الدولة الجديدة. كما تشير بعض الوثائق الاستخباراتية السوفييتية والروسية اللاحقة إلى أن عناصر من الجيش السابق، وحتى شخصيات مرتبطة ببعض تشكيلات النظام النازي، وجدت طريقها إلى مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في مرحلة تأسيس البوندسفير خلال خمسينيات القرن العشرين. وقد كان الدافع الأساسي لذلك هو اعتبارات الحرب الباردة؛ إذ فضّلت القوى الغربية بناء دولة ألمانية قوية وسريعة التعافي في مواجهة المعسكر الشرقي، حتى ولو اقتضى الأمر الاستفادة من خبرات شخصيات خدمت سابقًا في عهد هتلر. وفي هذا السياق، لم يكن المشروع الغربي يهدف فقط إلى إعادة إعمار ألمانيا اقتصاديًا، بل إلى تحويلها إلى حصن استراتيجي متقدم ضد الاتحاد السوفييتي داخل أوروبا. خامسًا: الأنجلوساكسون وإعادة هندسة القوة الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعاملت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مع ألمانيا باعتبارها ركيزة مركزية للنظام الغربي في أوروبا. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تسعى الدوائر الأنجلوساكسونية إلى الحفاظ على البنية الصناعية والخبرات الاقتصادية الألمانية، حتى تلك المرتبطة باقتصاد الحرب النازي، لأن تدميرها الكامل كان سيعني إضعاف أوروبا الغربية بأكملها أمام النفوذ السوفييتي. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في: مشروع إعادة الإعمار الاقتصادي. دعم التصنيع الألماني. إدماج ألمانيا الغربية داخل حلف الناتو. إعادة بناء الجيش الألماني ضمن المنظومة الغربية. ومع مرور الزمن، تحولت ألمانيا إلى القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، بينما بقيت قوتها العسكرية مقيدة نسبيًا حتى العقد الأخير، حيث بدأت تلك القيود تتراجع تدريجيًا تحت ضغط التحولات الدولية الجديدة. سادسًا: هل تعود ألمانيا كقوة عسكرية كبرى؟ السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت ألمانيا ستعيد بناء جيش قوي، بل إلى أي مدى سيؤثر ذلك في مستقبل أوروبا والعالم. فهناك من يرى أن ألمانيا الجديدة تختلف جذريًا عن ألمانيا الأربعينيات: دولة ديمقراطية. مرتبطة بمؤسسات أوروبية. خاضعة لمنظومة قانونية ودستورية صارمة. ومندمجة داخل التحالف الغربي. لكن في المقابل، يرى آخرون أن التاريخ يعلّمنا أن القوة الاقتصادية والعسكرية حين تجتمع في دولة مركزية داخل أوروبا، فإن ذلك يعيد تشكيل التوازنات الدولية بصورة عميقة، حتى لو لم يتكرر الماضي بالشكل ذاته. ولذلك تبقى إعادة التسلح الألماني ملفًا حساسًا، يحمل في داخله تناقضًا بين ضرورات الأمن الغربي وهاجس الذاكرة التاريخية. خاتمة تبدو ألمانيا اليوم أمام مرحلة تاريخية جديدة، تنتقل فيها من دور “العملاق الاقتصادي المتردد عسكريًا” إلى موقع أكثر حضورًا في معادلات القوة العالمية. وهذه العودة لا تنفصل عن الدعم الأمريكي والبريطاني، ولا عن التحولات الجيوسياسية التي تدفع الغرب لإعادة تشكيل منظومته الدفاعية. غير أن التاريخ الألماني يجعل أي صعود عسكري ألماني محاطًا بأسئلة أخلاقية وسياسية وتاريخية معقدة، خاصة في ظل الجدل المستمر حول حدود القطيعة الحقيقية مع إرث النازية، وطبيعة إعادة بناء الدولة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا، فإن ألمانيا لا تعود فقط إلى الواجهة بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية، بل تعود أيضًا بوصفها عقدة تاريخية أوروبية لم تُغلق بالكامل حتى اليوم. المراجع The Rise and Fall of the Third Reich — William L. Shirer. After the Reich — Giles MacDonogh. The Germans and the Final Solution — David Bankier. Adenauer s Germany and the Nazi Past — Norbert Frei. The Nuremberg Trials — Ann Tusa وJohn Tusa. Bundeswehr – تقارير رسمية حول تحديث الجيش الألماني. NATO Official Website German Federal Government U.S. Department of State
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حول الخصوصية الرقمية وتنزيل الموسيقى؟
-
أزهار على القمر…
-
الصباح المؤجّل…
-
لماذا سقطت بيزنطة؟
-
تاريخ الأزمات المالية - المحاضرة الأولى مع الدكتور تشارلز كا
...
-
الحرب على إيران بلا مخرج، البروفيسور جي: مع إيان بريمر
-
الخطة الإسرائيلية الكبرى انهارت في وقت قياسي، السفير تشاس فر
...
-
الصباح المؤجّل…
-
سوا ربينا
-
ماذا لو عاد صديقي كيسنجر إلى قيد الحياة ورأى ما يحدث؟
-
ظلٌّ يعرف طريقه… تأملات في شجرة الزيتون
-
الحرب في هرمز ستؤدي إلى انهيار الإمبراطورية الأمريكية في عام
...
-
لا يدخنون… لكنهم “يؤرگلون”
-
نحن نستدعي السرطان إلى أجسادنا… كما نستدعي المستعمر إلى أوط
...
-
مونتيسوري السياسة في الشرق الأوسط… (دليل الولايات المتحدة لت
...
-
“العين ما بتقاوم المخرز”… دليل الاستسلام المُعتمد رسميًا
-
الكنّة والعائلة… (دليل العائلة للتعامل مع الدخيلة الجديدة)
-
حين يصبح تمجيد العائلة مرضًا عضالًا
-
قهوة الصباح في حديقتي – عام 2040
-
في الشرق… حين يصبح تمجيد العائلة مرضًا عضالًا
المزيد.....
-
ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي
...
-
ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار
...
-
حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد-
...
-
أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
-
حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر
...
-
حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر
...
-
صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
-
ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
-
عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح
...
-
زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح
...
المزيد.....
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|